كيف يواجه المتعافون تداعيات " كوفيد-19 " النفسية؟ ( تقرير)

(عدن الغد) خاص :

تقرير: نجيب علي العصار

بين عشية وضحاها، فقدت سامية (47 عاماً) التي تسكن في صنعاء، لذة الحياة الروتينية العادية، عقب إصابة مريرة بكوفيد-19 أُدخلت على إثرها إلى العناية المركزة، وتكهَّن أطباء بأنها "لن تنجو"، نظراً لضعف رئتيها وانخفاض نسبة الأوكسجين في الجسم. 
عانت سامية (اسم مستعار) من حمى وسعال شديد، ثم فقدت التذوق والشم لشهر كامل، وتقول: "عندما علمت بأني مصابة بكوفيد-19 بعد وصولي إلى المستشفى شعرت ببعض الحزن، الصدمة والخوف، التعب والإرهاق، ولم أستطع تناول الطعام".
وبعد أسبوعين في المستشفى، نصف المدة أمضتها في غرفة العناية المركزة موصولة إلى أجهزة التنفس الاصطناعي، تحسَّنت حالة سامية التي كانت تعاني أيضاً من ارتفاع الضغط وعادت إلى منزلها، لكنها لم تكن تعلم أن "معاناتها لم تنته".
تحكي سامية وعيناها مليئتان بالدموع: "بعد أسبوعين من الخروج من المستشفى أصيب والدي الذي كان يعاني من السكر والضغط بالحمى والزكام، وخلال أسبوع إلى عشرة أيام "مات" أبي إثر إصابته بكوفيد-19، رغم أن الأعراض التي بدت عليه كانت خفيفة مقارنة بما حدث لي، ومن هنا بدأت معاناتي تتفاقم وتسوء أكثر". 
تقول وهي تسترجع ذكريات هذه التجربة العصيبة: "بعد وفاة والدي بستة أشهر، انتابني الشعور بالقلق والخوف والعجز في التصدي للمرض والتغلب عليه مرة ثانية، فكتبت وصيتي وأخبرت أسرتي بالديون التي كانت عليَّ خشية الموت." 
وفي ظل استمرار معاناتها، توجهت إلى طبيب خاص شخَّص إصابتها بـ"متلازمة ما بعد كوفيد-19"، والمعروفة أيضاً باسم "كوفيد طويل الأمد"، (بالإنكليزية Post-COVID syndrome أو Long COVID) وهي حالة مرضية تعرِّفها منظمة الصحة العالمية على أنها "مجموعة الأعراض طويلة الأجل التي يعاني منها بعض الأفراد بعد إصابتهم بكوفيد-19"، و التي تتطور بعد شفائهم من الفيروس.
ويمكن لهذه الأعراض أن "تظهر وتختفي ثم تعاود الظهور بمرور الوقت"، كما يمكن أن "تؤثر على قدرة الشخص على القيام بأنشطة يومية مثل العمل أو الشؤون المنزلية".
أعراض كثيرة ومعلومات محدودة
حددت الدراسات العلمية أكثر من 200 عَرَضْ للمتلازمة، وأكثرها شيوعاً هي صعوبات التنفس، والسعال المستمر، وتشوه أو فقدان حاسة الشم والتذوق، والإعياء الشديد، والألم في الصدر، ومشاكل الذاكرة والإدراك، والاكتئاب والقلق، وآلام المفاصل والعضلات.
كذلك، توجد أعراض أخرى، منها اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، بحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في أمريكا (CDC)، أو تساقط الشعر، بحسب دراسة نشرتها مجلة "Nature" العلمية، أو مشاكل الكلى المزمنة، بحسب دراسة نُشرت في مجلة الجمعية الأمريكية لأمراض الكلى.
وبرغم الجهود البحثية الحثيثة التي تحاول رصد طبيعة المتلازمة، إلا أنها لا تزال غير قادرة على الإجابة عن أسئلة رئيسية تتعلق بأسباب الإصابة ومدتها وطرق العلاج وإمكانية ظهور أعراض جديدة. وبحسب بعض الدراسات فهي تُصيب حتى 30 في المائة من الأشخاص الذين أصيبوا بكوفيد-19. كما أن اللقاحات ضد كوفيد-19 لا تمنعها، لكنها تقلل فرص الإصابة بها، بحسب دراسات عدة، منها دراسة لوكالة الأمن الصحي البريطانية.
الاضطرابات الأكثر شيوعاً
في السياق ذاته، أكد أخصائي الأمراض النفسية والعصبية، الدكتور طه العصار، أنه من الممكن أن تؤدي جائحة (كوفيد-19) إلى التسبب في إثارة القلق بشكل عام والإجهاد والضغط النفسي والقلق والوسواس القهري، وزيادة الإدمان والانتحار بين الأفراد.
ويوضح أن من الأسباب الشائعة المؤدية إلى حدوث الضغوطات النفسية أثناء فترات اجتياح الأوبئة تشمل: الخوف من المرض والموت، تجنب طلب الرعاية الصحية خوفاً من الإصابة أثناء الاستشفاء. ويؤثر كوفيد-19نفسياً على المصابين به أثناء الإصابة أو بعد الإصابة.
وبيَّن العصار، أن الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعاً بعد الإصابة بوباء كورونا المستجد هي الاكتئاب والقلق، وفوبيا المرض، وسواس المرض.
ويشير إلى أن ضغوط الوباء قد تصبح أشد تأثيراً على كبار السن أو المصابين بأمراض مزمنة، من الناحية النفسية والخوف من الموت، والخوف من الإصابة، وآثار الحجر الصحي وظهور حالات الاكتئاب بمعدل أكبر من غيرهم، مضيفاً أن الوباء أيضاً يؤثر على المضطربين نفسياً من حيث زيادة معدل حدوث نوبات الاضطراب النفسي، وكذلك زيادة شدة الاضطراب وزيادة معدلات الانتحار والوفاة.


علاج لتخفيف آثار كورونا 
لتخفيف آثار كوفيد-19 النفسية على المتعافين، يؤكد العصار أن الأدوية النفسية، وخاصة مضادات الاكتئاب والقلق، هي الأكثر استخداماً لعلاج الآثار النفسية المترتبة على الإصابة بالوباء.
كما نصح المتعافين من الوباء بالاهتمام بالغذاء الصحي والنوم بشكل كافٍ وممارسة أنشطة ورياضة خفيفة، والحصول على الخدمة الصحية والنفسية من الجهات الصحية الخاصة، ومن قبل الأطباء النفسيين في المستشفيات.
"كوفيد طويل الأمد"
أثر كوفيد-19بشكل كبير على الصحة النفسية، وليس فقط الصحة الجسدية، ووجدت الأبحاث أن عدداً كبيراً من المرضى الذين تعافوا من المرض في السنوات الثلاثة الماضية يتعاملون الآن مع نوع من الاضطرابات العقلية، إذ يؤكد أخصائي مخ وأعصاب والعمود الفقري، الدكتور أحمد الجرادي، عن وجود ارتباط بين مرض ضبابية الدماغ والإصابة بكوفيد-19، باعتبار ضبابية الدماغ أحد الأمراض التي قد تصيب المتعافين من المرض.
وأفاد بأن مجموعة واسعة من المشكلات الصحية التي تستمر لعدة أسابيع أو شهور أو حتى عدة سنوات قد يعاني منها المتعافون من كوفيد-19، وتعرف هذه الأعراض "بمتلازمة ما بعد كوفيد-19" ومن أهم هذه الأعراض الإصابة بضبابية الدماغ.
وأوضح الجرادي أن "ضبابية الدماغ" مجرد نوع من الشعور بصعوبة القيام بتنفيذ بعض الأشياء التي يحاول المريض القيام بها، وأن ذلك يستغرق المزيد من الجهد.
وبحسب الجرادي، تتمثل أهم أعراض الإصابة بضبابية الدماغ في فقدان الذاكرة على المدى القصير، الارتباك وصعوبة التركيز، منبهاً إلى أن المصابين بمتلازمة كوفيد-19 الطويل قد يعانون من أعراض أخرى عديدة، مثل جلطات الدم ومشاكل في القلب والأوعية الدموية، ألم صدر، سعال مزمن.
كما قد يعانون من مشاكل أخرى كـ الاكتئاب أو القلق، دوار عند الوقوف، الشعور بالتعب والإعياء، ألم المفاصل، فقدان حاسة الشم أو التذوق، مشاكل في الذاكرة أو التركيز، آلام في العضلات أو صداع وضيق في التنفس.
ولوحظ انتشار بعض الحالات التي تعاني من أعراض مشابهة لأعراض متلازمة كوفيد-19 الطويل، خصوصاً في فئة الشباب (من ٢٠ إلى ٤٠ سنة)، وفقاً للجرادي.. مع تأكيد وجود تاريخ مرضي للإصابة بـ "كورونا"، منوهاً بعدم توفر إحصائية دقيقة، كون معظم المرضى المصابين بمرض كورونا كانت لديهم أعراض مشابهة لأعراض الانفلونزا.
وشدد على ضرورة متابعة الطبيب المختص في الحالات الشديدة، أو في حالة استمرارية الأعراض، حيث قد يحتاج بعض المرضى للعلاج الدوائي والنفسي، بالإضافة إلى التأهيل والتدريب الذهني.
تزايد أعداد المتعافين
ووفقاً لوزارة الصحة والسكان في الحكومة المعترف بها دولياً، بلغ عدد المتعافين 9124 حالة من وباء Covid-19، من إجمالي 11914 حالة تم الإبلاغ عنها، فيما بلغ عدد حالات الوفاة 2152 حالة، منذ سُجّلت أول حالة إصابة مؤكدة بالفيروس في البلاد في 10 أبريل/نيسان 2020م، وحتى 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2022م.
وهي أرقام يقول الخبراء إنها أقل من اللازم بسبب نظام الرعاية الصحية الفاشل في البلاد والتكلفة العالية لأدوات الاختبار.
يذكر أن هذه الإحصائية الرسمية مقتصرة على المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، ولا تشمل مناطق سيطرة حكومة الإنقاذ الوطني الخاضعة للحوثيين.
ومن إجمالي 22 محافظة تسيطر الحكومة اليمنية على محافظات عدن والضالع وشبوة ولحج وأبين وسقطرى وحضرموت والمهرة ومأرب، ‎إضافة لأجزاء من تعز ومن الحديدة والبيضاء وحجة والجوف.
أدنى معدلات التطعيم 
قالت منظمة الصحة العالمية (WHO) إن أقل من 2٪ من اليمنيين تم تطعيمهم ضد Covid-19 بعد أكثر من 18 شهرًا من نشر اللقاحات في جميع أنحاء العالم.
تظهر الإحصاءات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن اليمن لديها واحدة من أدنى معدلات التطعيم ضد Covid-19 في العالم.
وذكرت هيئة الأمم المتحدة أن اليمن أدار فقط 864544 لقاحًا لـ Covid-19 حتى الآن، وهو أدنى رقم في منطقة شرق البحر المتوسط ​​(EMRO)، التي تمتد من المغرب إلى باكستان.
يشار إلى أن الحرب المستمرة لثماني سنوات، تسببت في تدمير نصف مرافق الرعاية الصحية في اليمن، كما أدت تداعياتها المختلفة إلى خروج 49% من المؤسسات الصحية عن الخدمة.
دعم نفسي واجتماعي
وفي ذات الصدد، قالت الأخصائية النفسية، بشرى مكرد العريقي، إن جائحة كوفيد-19 أثرت بشكل وبآخر على نفسيات المواطنين وخلقت نوعاً من القلق والخوف جراء هذا الوباء القاتل.
وأوضحت العريقي، التي تعمل في مستشفى الأمل للأمراض النفسية والعصبية بصنعاء، أن المشفى يقدم الدعم النفسي في هذه الظروف العصيبة للمتعافين من الجائحة، مشيرة إلى أن الدعم النفسي الاجتماعي مسؤولية مشتركة بين الأسر والجهات ذات العلاقة، وبين اختصاصيي الطب النفسي والصحة النفسية والاجتماعية في البلد.
ويستقبل المستشفى يومياً حالات جديدة ما بين الـ 15 إلى 20 مريضاً، معظمهم يعانون من اضطرابات لها علاقة بـ " كوفيد-19" وبالوضع العام في اليمن، وفقاً للعريقي، التي أفادت بأن من أبرز الأعراض النفسية، "القلق، وكرب ما بعد الصدمة والاكتئاب" الذي يتجسد في خليط من المشاعر الحزينة، وفقدان الأمل والمتعة في الحياة.
ودعت وسائل الإعلام إلى نشر الوعي وإزالة الوصمة تجاه المريض النفسي، وكذلك تجاه من يتردد على العاملين بالصحة النفسية، فذلك يحد من تفاقم حالة المريض، وبالتالي يسهل علاجه ودمجه من جديد كجزء من النسيج الاجتماعي.
نازحون يعانون من الصدمة
من جانبه، تحدث جمال الموشكي، أخصائي نفسي في مركز حماية النازحين والمتضررين من الحرب في محافظة الجوف، بالقول: "  كوفيد-19 شكَّل أعلى وأشد مصدر ضغط نفسي عانى منه النازحون، مؤكداً أن ما يقارب الألف أسرة نازحة في محافظة الجوف تلقت الدعم النفسي للتخفيف من آثار كورونا النفسية".
وأكد الموشكي، أن الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعًا بين النازحين جراء الوباء كانت القلق وفوبيا المرض، وسواس المرض، وكرب ما بعد الصدمة، لافتاً إلى أن القدرة المحدودة على إجراء الفحوصات وضعف النظام الصحي في البلاد والشائعات أثرت بشكل واسع على النازحين.

انتجت هذه المادة ضمن غرفة اخبار الصحة التابعة لمنصة عوافي بدعم من منظمة انترنيوز Internews مشروع Rooted In Trust في اليمن.