تقرير: هل ستحقق الحكومة في قضية المنح الدراسية.. أم أنها ستمضي مثل غيرها؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يواصل القراءة في تداعيات فضيحة المنح الدراسية..

ما الذي تعنيه توجيهات الرئيس العليمي.. ولماذا صدرت في هذا الوقت تحديداً؟

أين دور أجهزة الرقابة والمحاسبة.. وهل يعني عدم التحقيق أن البلد تفتقر إلى جهاز محاسبة؟

هل يعني ذلك استمرار قضايا الفساد ووقوع فضائح مالية جديدة؟

فضيحة المنح الدراسية!

(عدن الغد) القسم السياسي:

لم تأتِ فضيحة المنح الدراسية التي وزعت نسبة كبيرة جدا منها على أبناء المسئولين وقياديي الأحزاب وذويهم، بأي جديد على صعيد الفساد المستشري في أروقة ودهاليز مؤسسات الدولة اليمنية.

فالأمر لا يعدو عن كونه أشبه بـ"أذن الجمل" الذي لم تظهر بعد بقية أجزاء جسمه، فهذا الفساد المتعلق بالمساعدات المالية لمنح التبادل الثقافي ليس سوى النزر اليسير من "فساد دولة" ممنهج تعيشه البلاد منذ عقود.

غير أن الجديد في الأمر هو أن الفساد الذي تمارسه قيادات الحكومة الشرعية في فترة ما بعد عام 2015، قد فاق بالفعل كافة مستويات الفساد الذي عاشته اليمن طيلة تاريخها المعاصر.

والمؤلم في قضية المنح الدراسية الخارجية، هو أن المسئولين والقيادات الحكومية العليا يرون أبنائهم الذين وُلدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، بأنهم أفضل من أبناء وطلاب عامة الشعب الكادح.

رغم أن العكس هو الصحيح، فأبناء البسطاء من المتفوقين، المعتمدين على أنفسهم هم أفضل من أولئك المستندين على نفوذ أبنائهم وذويهم للحصول على امتيازات لا يستحقونها غالبا.

ولولا علاقات ونفوذ آبائهم ما كانوا ليصلوا إلى مقاعد دراسية يستحقها من هم أفضل منهم علما وثقافة وتفوقا، وهو أكثر ما يوجع في هذه القضية، ومن مر بهذه التجربة يستشعر هذا الوجع ويتلمسه.

ولعل هذه الآلام النفسية التي اكتوى بنيرانها غير واحد من شباب هذا الجيل، هي السبب في تصعيد حدة قضية المنح الدراسية الخارجية، لأنها ببساطة متعلقة بجيل كامل من الشباب اليمني، الذي كان يحلم بان يتغير واقعه نحو الأفضل.

كما أن الأوضاع التي عاشتها البلاد بسبب الحرب، في ظل تغول البعض من المسئولين بالاستئثار بحياة رغيدة لهم ولأولادهم، بينما السواد الأعظم من المواطنين يرزح تحت الحرمان والإقصاء، وهو ما جعل لهذه القضية طعم موجع.

> ردة الفعل المتوقعة

وعطفا على كل ذلك الألم والوجع الذي يستشعره نسبة كبيرة من اليمنيين، الذين عبروا عنه في منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، كان لزاما وجود ردة فعل مناسبة من قيادة الدولة تجاه هذا الفساد.

فكثيرون انتظروا أن تتم إقالة المسئولين عن المنح والبعثات والمساعدات المالية للدارسين في الخارج، خاصة عقب كل هذه التجاوزات التي راحت من نصيب أبناء المسئولين وأقاربهم.

وعلى رأس أولئك، كان وزير التعليم العالي الحالي، ومسئولو وزارته، رغم أن المسئولية لا تقف عند الوزير الحالي بل تمتد إلى وزراء ومسئولين سابقين تولوا مسئولية منح التبادل الثقافي لسنوات طويلة.

فالمسئولية تعود أيضا إلى ما بعد عام 2015، وحتى ربما ما قبلها، فالفساد في اليمن ليس وليد سنوات الحرب ولكن عمر هذا الفساد يمتد لعقود، رغم أن أبشع صوره برزت خلال السنوات الأخيرة، بفضل مسئولي الشرعية "الشرهين".

لكن ردة الفعل الحكومية تجاه قضية فساد واضحة المعالم كهذه لم ترتقِ إلى مستوى الحدث، ولا إلى مستوى الوجع الذي تسببت به في نفوس آلاف الطلاب المتفوقين، ممن ذهبت أحلامهم أدراج الرياح.

بل إن ردة الفعل جاءت متأخرة أياما، بينما علق البعض على التوجيهات الرئاسية الأخيرة الصادرة مساء الأحد، بأنها تأخرت سنوات، إن لم تكن عقودا.

> توجيهات العليمي

رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، أعلن مساء أمس الأحد عن اول ردة فعل حكومية رسمية تجاه قضية المنح الدراسية الخارجية، واستئثار أبناء المسئولين وذويهم بتلك المنح.

وبحسب الخبر الذي نشرته صفحة الدكتور العليمي على "فيسبوك"، فقد وجه بإلغاء أسماء كافة المبتعثين غير المستحقين من أبناء مسؤولي الدولة بمن فيهم أي شخص من عائلته المقربين من الدرجة الأولى.

كما وجه العليمي بتحويل المنح والمساعدات المالية إلى الطلاب المستحقين المستوفين للشروط، بالإضافة إلى تنفيذ قرار مجلس الوزراء بحصر الابتعاث الخارجي على برامج التبادل الثقافي وفقا لمعايير دقيقة، وشفافة، ومنصفة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، خلال اجتماعه بمجلس الوزراء، ضرورة اعتماد معايير شفافة في مختلف الجهات لضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، بما في ذلك الابتعاث الخارجي والتوظيف.

العليمي لم يكتفِ بقضية المنح، ولكنه وجه الحكومة أيضا ممثلة بوزارة الخارجية بحصر أبناء وأقرباء المسؤولين من الدرجة الأولى المعينين في السلك الدبلوماسي، والملحقيات والبعثات من خارج قوام وزارة الخارجية، وإحالتهم إلى الخدمة المدنية أو المؤسسات المتوافقة وقدراتهم وتخصصاتهم وفقا لشروط شغل الوظيفة العامة.

وفي ذلك إشارة إلى معالجة وتطبيب المشاعر الموجعة والأليمة لعامة الشعب الذين يرزحون تحت معاناة الحرب في الداخل، بينما ينعم أبناء المسئولين بالوظائف في السفارات والقنصليات، والمرتبات بالدولار، وحياة على حساب الدولة وفئات الشعب الكادحة.

وهذا ما يبدو أن الدكتور رشاد العليمي عكسه حين لفت من ضمن توجيهاته إلى أهمية تلبية الآمال والتطلعات الشعبية العريضة التي سادت غداة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وأهمية الاستجابة لها بمزيد من الخدمات، والسياسات الموجهة للتخفيف من المعاناة الانسانية، ومكافحة الفساد وترشيد الانفاق.

ورغم هذه التوجيهات إلا أن مراقبين يرون أنها لم تكن كافية، ولم ترتقِ إلى مستوى الفضيحة الخاصة بالمنح الدراسية، وطالبوا بمزيد من الإجراءات العملية والتنفيذية.

> تحقيق وإقالة

يرى البعض أن قضية كهذه، هي عبارة عن سطو واضح على حقوق عامة الشعب، وسرقة جهد الطلاب المتفوقين والمستحقين للمنح والبعثات والمساعدات المالية، من عامة الشعب، ليس فقط منذ ما بعد عام 2015، بل ما قبل ذلك بسنوات.

ويعتقد هؤلاء أن الأمر يستوجب تحقيقا شاملا وموسعا، لأنه متعلق بالحقوق، وينجم عنه الشعور بالغبن والحرمان والإقصاء، وكلها مشاعر يترتب عليها تنشئة جيل رافض لواقعه، وناقم على مجتمعه، فهو لم يحصل على أي تشجيع أو مقابل لتفوقه ونجاحه.

لهذا يطالب مراقبون بأن يكون التحقيق واسعا ويترتب عليه إعادة النظر في السياسات والاستراتيجيات العامة بشأن المنح الدراسية، ومكافأة المتفوقين، وليس معاقبتهم لصالح أبناء المسئولين والمشايخ وقادة الأحزاب والعسكريين والمتنفذين.

بالإضافة إلى المطالبة بمحاسبة الوزراء والمسئولين السابقين المعنيين، وليس فقط معاقبة الوزير الحالي أو الاكتفاء بإقالته، فالفساد ممتد لسنوات وليس وليد العامين الأخيرين أو حتى ما بعد عام 2015 فقط.

الأمر الذي يترتب عليه ضرورة تفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة الرسمية، لكن هذه المرة بشكل حقيقي وفعال، وليس كما جرت العادة في تشكيل لجان للتحقيق دون الإعلان عن نتائج ما توصلت إليه، أو مكافأة المسيئين وإبعادهم إلى الأعلى بدلا من معاقبتهم.

ودون تحقق هذه المحاسبة، وتفعيل دور الرقابة ومعاقبة المسئولين عن هذا الفساد، فإن البلاد ستستمر في الفساد، وستظهر العديد والكثير من الانتهاكات الحقوقية، التي تطال المخلصين وتؤذيهم، لصالح من لا يستحق.

> تهديد المستقبل

الفساد في التعليم أسوأ أنواع الفساد بشكل عام، لأن إفساد التعليم وتعطيل غاياته ينعكس على كل قطاعات ومجالات الحياة في أي بلد، ويعني أن المستقبل سيكون مهددا، لأن الفساد التعليمي ينتج عنه مفاسد عديدة تهدد المستقبل.

من تلك المفاسد، تخريج جيل جاهل وغير واعي أو مدرك لدوره في بناء البلاد، بالإضافة إلى أن حرمان المتفوقين من حقوقهم التي يتوقعونها يؤدي إلى خلق فئة ناقمة وغير مستقرة نفسيا، وربما ينتج عنه تخليها عن تفوقها وانحرافها.

وهو ما نراه واقعا ملحوظا في تحول الكثير من الكفاءات إلى الانضمام للتنظيمات المتطرفة، أو استغلال تفوقهم بشكل سلبي للأضرار بالآخرين، أو الإصابة بأمراض نفسية.