علي ناصر يكشف عن قضية اعتراف الجنوب.. وهذه الدولة أول من سارع في افتتاح سفارة لها (2)

(عدن الغد)خاص:

> إعداد / د. الخضر عبدالله:

> أولى البعثات الدبلوماسية

تطرق الرئيس علي ناصر في الحلقة الماضية حول السياسة الخارجية والبداية الصعبة، وكذا تحدث عن وزارة الخارجية قبل الاستقلال، واوضح في حديثه السابق كيف تم تأسيس وزارة خارجية الدولة الوليدة.

وفي هذا العدد يروي في حديثه حول اولى البعثات الدبلوماسية في جنوب اليمن، وانضمام الدولة غلى الجامعة العربية .. وقال مسترسلا :" بعد الاستقلال، سارعت العديد من الدول التي اعترفت باستقلال الدولة الحديثة إلى فتح بعثات لها في العاصمة المؤقتة عدن. وكانت المملكة المتحدة من أوائل الدول التي افتتحت لها سفارة، ثم تلتها الولايات المتحدة الأميركية، وكان لها مصالحها الخاصة ورؤيتها المستقبلية للمنطقة، فرفعت من مستوى قنصليتها العامة إلى سفارة، كذلك الهند التي كانت لها قنصلية عامة أولت اهتماماً كبيراً بجاليتها الكبيرة وبممتلكاتها وبمصالحها المرتبطة بعدن منذ كانت تدار عبر شركة الهند الشرقية في بومباي، رفعت قنصليتها العامة إلى مستوى السفارة. وقد كان للهند دوافع سياسية، بحكم أنها من الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، وكان ذلك يدفعها إلى العمل على إنشاء علاقات متطورة مع البلدان المستقلة في العالم الثالث. وكانت إيطاليا من الدول التي رفعت مستوى قنصليتها العامة الموجودة في عدن قبل الاستقلال إلى سفارة، وكذلك فعلت فرنسا. وكان لكلتا الدولتين مصالح اقتصادية وتجارية تهتم بها، بالإضافة إلى اهتمامها بسفنها التي ترسو في عدن، كانت فرنسا بالذات تهتمّ بموقع عدن الاستراتيجي، بحكم وجودها في جيبوتي على الشاطئ المقابل.

> الدول العربية .. والاعتراف بجنوب اليمن

اما حول الاعتراف باليمن الجنوبية وإقامة علاقات معها مع الدول العربية اكد الرئيس ناصر في حديثه ويقول :" أما الدول العربية، فكانت مصر من الدول السَّباقة إلى الاعتراف باليمن الجنوبية وإقامة علاقات دبلوماسية معها، ومن الدول التي فتحت سفارة لها جمهورية الصومال بحكم العلاقة التاريخية القديمة بين البلدين والشعبين، وبحكم وجود قنصلية لها في عدن قبل الاستقلال لرعاية مصالح الجالية الصومالية الكبيرة في عدن. لكن في المقابل، كان ثمة دول عربية لم تبادر فوراً إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة ولم تفتح سفارات لها في عدن بالرغم من اعترافها بالاستقلال. ومن هذه الدول الجمهورية العربية السورية، ولعل ذلك يعود إلى أن سورية نفسها كانت تمرّ بظروف صعبة ناتجة عن آثار عدوان الخامس من حزيران/يونيو 1967م وانشغالها بتجاوز تلك الآثار.

ويضيف :" كان لبنان من أوائل البلدان العربية التي أوليناها اهتمامنا ليكون لنا فيها تمثيل دبلوماسي. كان الهدف في البداية إعلامياً، وذلك لما تمثله بيروت من مركز وثقل إعلامي مفتوح على كل الفضاءات السياسية العربية والأجنبية. بدأ ذلك عام 1971 بتعيين قائم بالأعمال، وكان اختيارنا موفقاً، إذ اختير لهذه المهمة واحد من أنجح الإعلاميين، هو محمد ناصر محمد الذي استطاع خلال زمن قصير نقل إعلامنا الخارجي إلى مستوى جديد وأقام علاقات مع الحكومة اللبنانية والأحزاب والصحف والسفارات الأجنبية في بيروت.

> بعثات دبلوماسية لها في عدن

ويواصل الرئيس ناصر ويقول :" أما العراق، فقد كان يعيش ظروفاً سياسية صعبة وخلافات وصراعات على السلطة، حالت دون التفاهم العربي نتيجة أوضاع سياسية معقدة أدت أخيراً في عام 1968م إلى الإطاحة بحكم عبد الرحمن عارف ومجيء حكم أكثر تفهماً لخلق علاقات عربية متطورة . وحتى عام 1969م لم يكن لدينا بعثات في كل من العراق والجزائر، لكن فيما بعد أصبح لنا عدد من السفارات في بلدان عربية أخرى عقب إنشاء عدد من الدول العربية بعثات دبلوماسية لها في عدن. وبالطبع، كانت هذه المسألة محكومة بمستوى تطور العلاقات السياسية السائدة بين بلادنا وهذه البلدان. وعلى سبيل المثال، فإن العلاقات الدبلوماسية مع بعض دول الخليج تأخرت إلى ما بعد السبعينيات، وبعضها تأخر إلى النصف الأول من الثمانينيات.

وكان لنا قنصلية عامة في الكويت، وسفارة في الصومال، وقنصلية في إثيوبيا، وسفارة في الهند، وسفارة في بريطانيا حيث حُوِّل مكتب الجنوب العربي الموجود منذ ما قبل الاستقلال إلى سفارة، وأنشأنا بعثة دائمة لدى الأمم المتحدة بنيويورك مكونة من شخصين فقط برئاسة السفير إسماعيل نعمان رئيساً للبعثة مندوباً دائماً لدى الأمم المتحدة، ولم يمضِ السفير إسماعيل نعمان وقتاً طويلاً في مهمته في المنظمة الدولية، حيث أخبرني في لقاء معه عام 2016م أنه استدعي الى وزارة الخارجية في عدن وأنهيت مهمته في الأمم المتحدة وذلك بسبب اتهامه بـ"البرجزة" لأن أحد المسؤولين شاهده وهو يقطع الخبز بسكين كهربائي عندما استضافه في منزله في نيويورك أثناء المشاركة في أعمال الجمعية العامة 1969م. وسافر بعد ذلك الى الكويت للعمل.

وكنت قد سمعت عن هذه الحادثة ولم أصدقها حينها إلا بعد أن تحدث معي السفير اسماعيل نعمان بذلك وهو رجل مهذب ومثقف ودبلوماسي.  

> الانضمام إلى الجامعة العربية

وحول  الانضمام إلى  الجامعة العربية يواصل الرئيس ناصر حديثه ويقول :"  انضمت الجمهورية إلى الجامعة العربية في 12 ديسمبر 1967م، وكُلف الأخ عبد الملك إسماعيل عضو القيادة العامة للجبهة القومية في ذلك الوقت تمثيل بلادنا وحضور مراسم قبولنا في الجامعة، وتم تعيين أول مندوب دائم لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية لدى الجامعة العربية، وكان أول سفير لليمن الجنوبية لدى الجمهورية العربية المتحدة الأخ محمد هادي عوض، الذي قدم أوراق اعتماده إلى الرئيس جمال عبد الناصر في 16 أبريل 1968م، واعتُمد سفيراً غير مقيم لدى كل من الجزائر وليبيا والسودان وسورية ولبنان. وفي الوقت نفسه، كُلف مهمات في فترات متتالية بعد الثورة العراقية، وأجرى اتصالات بالمسؤولين العراقيين لمتابعة بعض الاتفاقيات بين البلدين.

لم يكن في وسع اليمن الجنوبية عند بدء استقلالها، ونتيجة الظروف الاقتصادية التي كانت شديدة الوطأة على الدولة حديثة الاستقلال أن تتحمل عبء فتح بعثات دبلوماسية كثيرة وتكاليفها، فضلاً عن توافر الأجهزة المؤهلة لإدارة هذه العملية، لذلك اكتُفي في البداية بإنشاء بعثات محدودة تكلفت بمهمات واسعة في مجالات مختلفة مثلما كانت الحال بالنسبة إلى سفارتنا في القاهرة التي كانت تتابع معظم الأعمال والقضايا مع عدد كبير من الدول العربية وحتى البلدان الاشتراكية ما عدا موسكو وألمانيا الديمقراطية. وكانت الاتصالات بالصين الشعبية تجري عبر سفارتنا في القاهرة، ووقّع سفيرنا الأخ محمد هادي اتفاقية التمثيل الدبلوماسي مع الصين، كذلك وقّع مع السفير الصيني في عام 1968م اتفاقية القرض الأول لبناء طريق امعين – المحفد في المحافظة الثالثة (أبين) في مرحلته الأولى، ورُتّبت زيارات معظم الوفود الصينية أو وفود البلدان الاشتراكية التي زارت اليمن الجنوبي خلال هذه الفترة عبر السفارة في القاهرة. وكانت زيارات الوفود التي تذهب إلى موسكو وغيرها من البلدان تُرتَّب عبر القاهرة، كزيارة وزير الدفاع حينذاك علي البيض لموسكو. ولم تفتح سفارة لليمن الجنوبية في موسكو إلا بعد الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية قحطان الشعبي عام 1968، وكانت أول زيارة يقوم بها لخارج المنطقة بعد زيارته الجمهورية العربية المتحدة التي نتج عنها الاتفاقية الأولى للتسليح والتعاون الفني.

كانت سفارتنا في لندن ترعى شؤون مغتربينا، وتتعاون مع المؤسسات المختلفة في القضايا الاقتصادية والتجارية والمصرفية، وكانت في الوقت نفسه مسؤولة عن طلبة اليمن الديمقراطية الذين كانوا يدرسون في بريطانيا. وكانت سفارتنا في الهند مسؤولة بدورها عن منطقة واسعة في آسيا ما عدا إندونيسيا التي كان لنا فيها قنصلية عامة، نظراً إلى وجود جالية يمنية كبيرة هناك. كذلك أصبحت لدينا قنصلية في تنزانيا، مسؤولة عن شرق إفريقيا، ورفعت فيما بعد إلى مستوى سفارة. ظل التمثيل الدبلوماسي زمناً محصوراً في هذا العدد البسيط من البعثات لتسهيل أمور الدولة وربط العلاقات الدبلوماسية بالبلدان التي تربطنا بها علاقات اقتصادية وتجارية وسياسية.

أما التمثيل الدبلوماسي مع الجزائر، فقد اقتصر حتى وقت متأخر من أواخر السبعينيات على مستوى قائم بالأعمال إلى حين تعيين سفير لنا هناك في الوقت الذي كانت الجزائر تدير فيه علاقاتها معنا عبر سفارتها في صنعاء ولم تتخذ قراراً بفتح سفارة لها في عدن إلا بعد بدء العمل في مشاريع اقتصادية في اليمن الجنوبي. وبالنسبة الى ليبيا فقد افتُتحَت سفارة لنا في طرابلس بدأت باعتماد مندوب يتنقل بين القاهرة وطرابلس، وكان طالباً يدرس الهندسة في القاهرة اسمه يوسف علي بن علي الذي أتيت على ذكره في أكثر من موقع من مذكراتي. وفيما بعد عُين الأخ ناصر صدح قائماً بالأعمال في سفارة ليبيا، وبعد تطور العلاقات بين البلدين ارتفع التمثيل إلى مستوى سفير، وافتتحت ليبيا سفارة لها في عدن."

> البلدان الاشتراكية

يواصل الرئيس ناصر ويقول :" كان أول وفد يصل إلى عدن من المنظومة الاشتراكية، بعد الاستقلال مباشرة هو الوفد السوفياتي، حيث وصل في كانون الأول/ديسمبر (1967م)، وكان مؤلفاً من شخصين: المرشح سفيراً في عدن، وسفير مفوض من السفارة السوفياتية في القاهرة اسمه بنيامين. وقد رافق الوفد وكيل وزارة الخارجية الأخ محمد هادي. وقد قام الوفد بجولة استطلاعية وقابل تقريباً معظم المسؤولين في الحكومة الجديدة، ووقع اتفاقية التمثيل الدبلوماسي بين الاتحاد السوفياتي واليمن الجنوبية، وبحث إمكانية الحصول على المباني الضرورية لفتح سفارتهم في عدن، وأجرى اتصالاته الخاصة للحصول على هذه المباني، التي كانت حتى ذلك الوقت ملكاً للقطاع الخاص. وقد وقع اختيارهم على المباني المملوكة لشركة الطيران البريطانية أو ما كان يسمى  Aden Airways، أي خطوط عدن الجوية.

ويتابع حديثه وقال :" أما بالنسبة لبقية الدول الاشتراكية فلم تنته فترة السبعينيات حتى كان هناك سفارات لمعظم الدول الاشتراكية في اليمن الجنوبية. فقد أُنشئت سفارات لكل من المجر، بلغاريا، رومانيا، تشيكوسلوفاكيا، كوبا، وكوريا الديمقراطية، بالإضافة إلى ألمانيا الديمقراطية والاتحاد السوفياتي والصين الشعبية.

وكانت سفارة ألمانيا الديمقراطية واحدة من السفارات النشيطة في مجال العلاقات الثنائية، ولاسيما في مجالات التدريب في الجانب الأمني، وتقديم المنح الدراسية وبعض القروض، ودفع هذا في المقابل إلى افتتاح سفارات لنا في هذه البلدان، حيث عُيِّن الأستاذ علي عبد الرزاق باذيب أول سفير لنا في ألمانيا الديمقراطية.

(للحديث بقية)