ذاكرة وطن ..الرئيس علي ناصر : السياسة الخارجية في الجنوب كانت بين ثورية القرار ودبلوماسية الدولة و البدايات الصعبة (1)

القسم السياسي

 

اوضح  الرئيس علي ناصر محمد  إن السياسة الخارجية لليمن الديمقراطية  مرت بمراحل متعددة تفاوتت ما بين القوة والضعف، وتغليب الأيديولوجيا على حساب المصالح... منطق الثورة على منطق الدولة، والعكس. وكان لكل مرحلة من هذه المراحل أو الفترات سماتها منذ الاستقلال (في 30 نوفمبر 1967م) وحتى أحداث 13يناير 1986م وانتهاءً بالثاني والعشرين من مايو 1990م، وهو تاريخ الوحدة بين الجمهوريتين اليمنيتين.
واكد إن اهمية سياسة اليمن الديمقراطية الخارجية جاءت من موقعها الاستراتيجي المتحكم في باب المندب عند ملتقى البحر الأحمر والمحيط الهندي  والمتاخم للقرن الأفريقي ومنطقة الخليج العربي الغنبية بالنفط .
مشيرا  " إن  هذا الموقع ظل على الدوام قديما وحديثا  محل أطماع وصراعات العديد من القومى الدولية، التي  لابد  ان تتأثر  سياسة اليمن الخارجية بهذا الموقع والدفاع عنه ضد الأطماع الأجنبية .
لافتا  في حديثه  " من  المسلَّم به أنه لا يمكن فصل السياسة الخارجية عن السياسة الداخلية بصورة عامة، فالأخيرة تنعكس على الأولى بالضرورة، حتى وإن بدت على غير ذلك في بعض تجلياتها بحكم ما تتطلبه الدبلوماسية على الصعيد الدولي.
وعلى سياق الروايات التي ذكرها الرئيس علي ناصر حول سياسة عدن الخارجية كان لــ ( لعدن الغد) التميز بنشرها عبر حلقات متواصلة .. وتفاصيل  الحديث في السطور القادمة  تابعونا ..

إعداد / د. الخضر عبدالله :

السياسة الخارجية والبداية  الصعبة

 

بداية قال الرئيس علي ناصر محمد يسعدني اللقاء بكم,  والحديث معكم في  سرد مذكرات جديدة ، وهذه المرة ستكون حول عدن والسياسة الخارجية فاوضح قائلا :" مرت السياسة الخارجية لليمن الديمقراطية بمراحل متعددة تفاوتت ما بين القوة والضعف، الواقعية والتطرف، تغليب الأيديولوجيا على حساب المصالح... منطق الثورة على منطق الدولة، والعكس. وكان لكل مرحلة من هذه المراحل أو الفترات سماتها منذ الاستقلال (في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1967م) وحتى أحداث يناير 1986م وانتهاءً بالثاني والعشرين من أيار/مايو 1990م، وهو تاريخ الوحدة بين الجمهوريتين اليمنيتين، وآخر يوم في تاريخ الوجود السياسي للدولة في الجنوب.
ويواصل حديثه :" تميزت المرحلة الأولى التي أعقبت الاستقلال بصعوبات تعود إلى عدم وجود إطار سياسي ودبلوماسي مؤهل يقوم بأعباء العمل الدبلوماسي ومسؤولياته. فبريطانيا التي استعمرت الجنوب منذ عام 1839م، أي مدة تزيد على قرن وربع قرن لم تهتم كثيراً بتأهيل مثل هذا الجهاز الذي يفترض أن يتحمّل المسؤوليات في المستقبل عندما يحين موعد رحيلها الحتمي. وعلى نقيض كثير من البلدان التي نالت استقلالها، كالهند وبعض المستعمرات البريطانية الأخرى، كان الوضع في الجنوب يختلف عنه في كثير من البلدان التي استعمرتها بريطانيا، فلم يكن هناك وحدة سياسية كاملة للمنطقة، بل كان ثمة سلطنات ومشيخات ووحدات إدارية مجزأة، لم تستكمل مقومات اندماجها في دولة واحدة ، على الرغم من محاولات ايجاد نواة لذلك متمثلة في اتحاد الجنوب العربي والحكومة الاتحادية، أو في الوضع الإداري المتميز لمدينة عدن وحكومتها. ولكن حتى وجود هاتين الحكومتين لم يكن يسمح بتهيئة جهاز لإدارة السياسة الخارجية، لأن ذلك كان من شأن الحكومة البريطانية التي كانت تحتكر لنفسها العلاقات والاتصالات الدولية، وكان محظوراً على السلاطين وحكام الإمارات أي اتصال بالقوى الخارجية أو الدول الأجنبية. فكانت بريطانيا الدولة المستَعْمِرَة، تحكم قبضتها على السلطنات والمشيخات بما مكّنها من توجيه السياسة الخارجية وإدارتها كاملة. كذلك إن حدود التعليم الذي سمح به الإنكليز في مستعمرة عدن وبعض المحمّيات كان يلبي فقط الحاجات الإدارية لعدن ولتلك المحميات، ولم يكن موجهاً لإعداد أطر بشرية تخدم حاجات الاستقلال الوطني، بما في ذلك إدارة السياسة الخارجية.
وقال :" في المقابل، فإن الجبهة القومية التي كانت تقود الكفاح المسلح ضد الوجود البريطاني للحصول على الاستقلال لم تُولِ هذه المسألة الاهتمام الذي تستحقه، حيث لم تعد مسبقاً الجهاز السياسي والدبلوماسي الذي يٌدير السياسة الخارجية عند تسلم السلطة."


وزارة الخارجية قبل الاستقلال

ويوضح   الرئيس ناصر في حديثه  كيف كانت وزارة الخارجية قبل الاستقلال ويقول :" كانت الوزارة تقوم على وزير وهو الشيخ محمد فريد العولقي.، ووكيل للوزارة، وعدد من الموظفين لا يتجاوزون أصابع اليدين بقليل. لم يكن لحكومة الاتحاد أو حكومة عدن تمثيل في الخارج سوى مكتب في لندن كان يسمى «مكتب الجنوب العربي»، وكانت مهمته رعاية مصالح الطلبة اليمنيين الذين يتلقون العلم في بريطانيا، وتسهيل بعض الأمور للسلاطين والوزراء المتنقلين بين عدن ولندن في مهمات رسمية أو في زيارات خاصة. أما التمثيل القائم في عدن للدول الأجنبية، فقد كان في المستوى القنصلي فقط، وخصوصاً للبلدان التي توجد لها جاليات كبيرة في عدن مثل الهند، أو تلك التي لها مصالح اقتصادية أو تجارية أو سفن تحمل علمها أو تابعة لها ترسو في ميناء عدن. فكانت توجد قنصليات لكل من الولايات المتحدة الأميركية، وإيطاليا، وفرنسا. كذلك كانت هناك قنصليات فخرية لعدد من البلدان الأخرى، وتحديداً البلدان الإسكندنافية التي كان لها أساطيل بحرية تجارية. وكان لبعض البلدان الآسيوية وجود فخري بسبب محدودية عملها، إذ كانت تتعامل فقط في تسهيل أمور السفن والبحّارة المارين بميناء عدن. وفيما عدا القنصلية الأميركية العامة التي فتحت في نهاية القرن التاسع عشر في عدن والتي كانت تتعاطى العمل السياسي بالتنسيق مع البريطانيين، ومن خلال الاتصالات التي كانت تجريها مع مختلف الفئات التي كانت تتنازع سلطة حكومة الاتحاد وحكومة عدن، لم يكن هناك تمثيل دبلوماسي بالمعنى الصحيح للدول الأجنبية في عدن، وهو أمر ينسجم مع وجود الجنوب تحت الاحتلال المباشر لبريطانيا وتحكمها في شؤونه الخارجية كافة."


تأسيس وزارة خارجية الدولة الوليدة


وحول تأسيس  وزارة الخارجية  أشار الرئيس علي ناصر وقال :" كان تأسيس وزارة الخارجية يوم الاستقلال من الأمور المهمة التي واجهت الحكومة الجديدة التي تسلمت السلطة. وتمثلت الصعوبات في شحة الكادر البشري المؤهل لتحمّل مسؤولية كهذه من ناحية، وفي المشاكل التي خلفتها الحرب، سواء ضد الإنكليز أو الحرب الأهلية بين ثوار الجبهة القومية وجبهة التحرير على أعتاب الاستقلال، ما أدى إلى هروب كثير من العاملين المؤهلين إلى الخارج، ولاسيما أصحاب الخبرات الفنية وأصحاب المؤهلات العالية. ومن ناحية أخرى، ساعد الموقف البريطاني المتساهل على نزوح العديد من الفنيين إلى دول الخليج.
لذلك، فإن حاجة الحكومة إلى الأطر الفنية المؤهلة في مختلف المجالات، بما في ذلك السياسة الخارجية كانت في ذلك الوقت المبكر من نيل الاستقلال من الأمور التي ألقت عبئاً ثقيلاً على البلد وعلى قيادته السياسية. وبالرغم من العوائق التي كانت تعترض آنذاك طريق تأسيس مختلف الوزارات لنقص الأطر البشرية، وعدم توافر الخبرة، أو فهم ماهية العمل المطلوب، فإن وزارة الخارجية حظيت باهتمام خاص، ووُفِّرَ لها جهاز، كان محدوداً في عدده، ولكنه كان قادراً على تأدية المهمة الموكلة إليه في حدودها الدنيا، وتمثل هذا الجهاز بـ سيف الضالعي وزير الخارجية ومحمد هادي عوض نائب وزير الخارجية والذي خلفه عبد القوي محمد رشاد. وأسهمت الجمهورية العربية المتحدة التي كانت من أوائل الدول التي سارعت في الاعتراف بجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية وإقامة علاقات دبلوماسية معها، في وضع الأسس العامة والقوانين المنظمة لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة الخارجية ووضعت من خلال فنييها بعض الترتيبات لتدريب الأطر اليمنية في مجال البروتوكول والأعمال القنصلية والمراسم والمراسلات الدبلوماسية المختلفة والتوجيه بنوعية الجوازات التي طبعت في بريطانيا فيما بعد." ( تابعونا )