في انتظار الأسوأ.. اليمن تحت وطأة التضخم العالمي

(عدن الغد) متابعات:

يرزح الاقتصاد العالمي اليوم تحت وطأة ضغوط تضخمية أخذت في التزايد بُعيد تفشي وباء كورونا واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وبسبب السياسات النقدية المتشددة الهادفة إلى احتواء هذا التضخم، والتي أدت إلى تباطؤ اقتصادي عالمي تتصاعد المخاوف من إمكانية تحوله إلى ركود مستقبلي.

 

وقد اضطر اليمن، مثل غيره من البلدان التي تعاني من الصراعات، إلى مواجهة تداعيات العديد من التحديات الاقتصادية العالمية، بما فيها معضلة التضخم، في الوقت الذي يعيش البلد ظروفاً اقتصادية صعبة وأزمة إنسانية مستفحلة نتيجة الحرب المستمرة منذ زهاء ثمانية أعوام، ويُتوقَّع أن يشهد اليمن تداعيات إضافية في حال استمرت الاهتزازات التي تضرب الاقتصاد العالمي لفترة أطول.

 

تستكشف هذه الورقة تداعيات موجة التضخم العالمي على اليمن واستجابة مختلف الأطراف لها، وتناقش المسارات المستقبلية المحتملة في ضوء الاتجاهات الداخلية والخارجية الراهنة.

 

انعكاسات التضخم العالمي على اليمن

يشهد الاقتصاد العالمي ارتفاعاً قياسياً في معدلات التضخم بعد تضرُّر سلاسل الإمداد منذ تفشي جائحة كوفيد-19 في نهاية العام 2019، بالتزامن مع ارتفاع الطلب بسبب السياسات المالية التوسعية التي اتخذتها العديد من الدول. وقد تفاقمت هذه الحالة على خلفية اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية مطلع هذا العام، إذ سجلت معدلات التضخم ارتفاعاً إضافياً كبيراً منذ ذلك الحين.

 

وألقى هذا الارتفاع في معدلات التضخم عالمياً بظلالٍ قاتمةٍ على الوضع الاقتصادي داخل اليمن، حيث يُتوقَّع أن تشتد حدة الأزمة الإنسانية هناك مع وصول معدل التضخم السنوي إلى 45% هذا العام، ووصول معدل التضخم في أسعار المواد الغذائية، على وجه التحديد، إلى مستوى أعلى بكثير (58%)، إضافةً إلى التوقعات بتزايد أعداد الأشخاص المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية ليصلوا إلى 23.4 مليون شخص، وكذلك زيادة أعداد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى 19 مليون بحلول نهاية العام.

 

وبينما يتنامى التوجُّه في الاقتصادات المتقدمة نحو تشديد السياسات النقدية، ورفع أسعار الفائدة من أجل احتواء الموجة التضخمية، تتصاعد المخاوف من تداعيات هذا التوجُّه على اقتصاديات الدول النامية والتي تعاني من صرعات وأزمات مستفحلة، بسبب انصراف التدفقات المالية عنها وارتفاع تكاليف خدمة ديونها. ومع أن اليمن قد يكون -إلى حدٍّ ما- في منأى عن تداعيات كهذه، بالنظر إلى طبيعة التدفقات المالية الواردة والمقتصرة على نوعين رئيسين، يتمثلان في تحويلات العمالة اليمنية في الخارج، والمساعدات الدولية، كما أن معظم ديون اليمن مُجمَّدة بحكم الأمر الواقع، أو بتفاهمات مع الجهات الدائنة. لكن التحديات الاقتصادية العالمية الراهنة يمكن أن تحد من حجم المساعدات الدولية المقدمة إلى اليمن في المستقبل القريب، وبالتحديد من طرف الدول الغربية التي تواجه ضغوطاً متزايدة في ظل موجة التضخم التي أرهقت مواطنيها والتزاماتها الكبيرة في خضم الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يُتوقَّع أن يتراجع مجموع المساعدات الإنسانية المقدمة لهذا العام إلى 2100 مليون دولار مقارنةً بـ 2547 مليون دولار في العام الماضي، وبـ 2424 مليون في العام الذي سبقه (2020)؛ وهذا التراجع قد يكون خطيراً، بالرغم من محدوديته، بسبب تزامنه مع الزيادة المتوقعة في أعداد المحتاجين إلى المساعدات.

 

وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط في الوقت الحالي يخدم اليمن من جهة التوقعات بارتفاع قيمة صادراته من النفط الخام إلى 1722 مليون دولار هذا العام، بالمقارنة مع 994 مليون دولار في العام الماضي، و648 مليون دولار في العام الذي سبقه، إلا أن ارتفاع أسعار النفط سيُلحِق أضراراً اقتصادية أكبر في المحصلة النهائية بالنظر إلى أن واردات اليمن من المشتقات النفطية تفوق صادراته من النفط الخام، إذ يُتوقَّع أن يستورد اليمن في هذا العام ما قيمته 3145 مليون دولار من المشتقات النفطية بالمقارنة مع 2803 مليون دولار في العام الماضي، ومع 2074 مليون دولار في العام الذي سبقه.

 

ومع الأخذ في الاعتبار أن ارتفاع قيمة صادرات اليمن من النفط الخام يفوق ارتفاع قيمة وارداته من المشتقات النفطية، إذ يتوقع أن ترتفع قيمة صادراته من النفط لهذا العام بنسبة 73% مقارنة بالعام الماضي، والذي ارتفعت فيه قيمة الصادرات النفطية بنسبة 53% مقارنة بالعام الذي سبقه (2020)، بينما يتوقع ارتفاع قيمة وارداته من المشتقات النفطية بنسبة 12% مقارنة بالعام الماضي، والذي ارتفعت فيه بنسبة 35% مقارنة بالعام الذي سبقه (2020)، إلا أن هذا التفاوت في حد ذاته يدل على ضعف القوة الشرائية المحلية وعجزها عن مواكبة ارتفاع الأسعار عالمياً.

 

وإن كان ارتفاع أسعار النفط عالمياً يصب في مصلحة دول الخليج المنتجة للنفط، وعلى نحوٍ يسهِم في تحسين ظروف وفرص العمالة اليمنية التي يتركز معظمها في السعودية ودولة الإمارات (إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية)، إذ تفيد التوقعات بارتفاع حجم تحويلات العمالة في هذا العام إلى 4538 مليون دولار بالمقارنة مع 4301 مليون دولار بالعام الماضي، وبـ 3721 مليون دولار بالعام الذي سبقه (2020)، فإن حجم العجز في ميزان المدفوعات قد يسجِّل ارتفاعاً غير مسبوق هذا العام بسبب موجة التضخم العالمية، بحيث يصل إلى 3.5 مليار دولار بحسب تقديرات البنك المركزي، مقارنةً بـ 2098 مليون دولار بالعام الماضي، وبـ528 مليون دولار بالعام الذي سبقه (2020)، أي أن الزيادة المتوقعة في تحويلات العمالة ليست كافية لتغطية الزيادة المتوقعة في عجز ميزان المدفوعات.

 

استجابة الأطراف المحلية والدولية

تفتقد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى القدرة على اتخاذ مبادرات إيجابية لحماية المواطنين في مناطق سيطرتها، وفي اليمن ككل، من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، وبدت في الأساس عاجزة عن معالجة التحديات الاقتصادية على الصعيد المحلي قبل موجة التضخم العالمية وما رافقها من تبعات سلبية، كما أنها تمتلك إيرادات محدودة وغير كافية لتغطية نفقاتها الرئيسة، علاوة على تنفيذ أي مبادرات إضافية، من قبيل دعم أسعار السلع الأساسية (المواد الغذائية)، على سبيل المثال. 

 

ويحتمل أيضاً أن تتعثَّر مساعي الحكومة في تثبيت سعر صرف العملة المحلية داخل مناطق سيطرتها بفعل المتغيرات الاقتصادية العالمية ودورها في زيادة العجز في ميزان المدفوعات، أو ربما أن تضطر الحكومة على الأقل إلى تخفيض سعر صرف العملة المحلية عن المستوى الحالي للحيلولة دون استنفاد حزمة الدعم الجديدة المقدمة هذا العام من السعودية والإمارات (يبلغ مجموعها 3 مليارات دولار).

 

وربما كان في وسع الحكومة التخفيف من وطأة تداعيات التحديات الاقتصادية العالمية على المواطنين في مناطق سيطرتها من خلال إعادة توجيه جميع أشكال الدعم غير المباشر (في قطاعي الكهرباء والمشتقات النفطية)، بحيث تستفيد منها أكثر الفئات استحقاقاً فقط، وكذلك تحويل أي إيرادات إضافية لصالح دعمها، لكن قدرة الحكومة على إنجاز إصلاحات من هذا المستوى مشكوك فيها إلى حد بعيد.

 

في المقابل، من الواضح أن جماعة الحوثي، الطرف المسيطر على الجزء الأكبر من شمال البلاد، تتسبب، بطرائق مختلفة، في مفاقمة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على المواطنين في مناطق سيطرتها، كما يظهر ذلك مثلاً في ارتفاع متوسط أسعار طحين القمح هناك مقارنة مع مناطق سيطرة الحكومة اليمنية، بسبب فرض جبايات ورسوم ضريبية أكبر من قبل الحوثيين على التجار والمستوردين.

 

وينسجم هذا الدور السلبي الذي تضطلع به جماعة الحوثي مع أولوياتها المتمثلة في تحصيل أكبر قدر ممكن من الإيرادات المالية بصرف النظر عن انعكاسات ذلك على معيشة المواطنين في مناطق سيطرتها، كما يتجلى منذ فترة طويلة في استحواذها على الإيرادات العامة بالتوازي مع حرمان موظفي القطاع العام من رواتبهم، وبالتالي فمن المستبعد أن تقدِّم جماعة الحوثي مبادرات إيجابية للتعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية الجديدة وما تتسبب به من تداعيات سلبية على المواطنين في مناطق سيطرتها، أو أن تتبنى إجراءات وتدابير تخفف من معاناتهم طالما وهي تتعارض مع مصالحها، ومع قدرتها على تحقيق مداخيل مالية أكبر.

 

بالنسبة إلى المنظمات الدولية المعنية بتقديم المساعدات لليمنيين، والتي أصدرت تقارير تتحدث عن خطورة تداعيات الوضع الاقتصادي العالمي الحالي على الملايين من اليمنيين الذين يعيشون ظروفاً في غاية الصعوبة نتيجة استمرار الحرب منذ أكثر من ثمانية أعوام، مُطالبةً بتخصيص دعم دولي أكبر لصالح السكان المحتاجين من خلالها، فإن مستوى أدائها المتواضع خلال الفترة السابقة مقارنة بحجم التمويل المقدَّم عبرها بات يُثير التشاؤم حيال مقدار مساهمتها المتوقعة للتعاطي مع التحديات الجديدة، ناهيك عن حقيقة أن المانحين الدوليين باتوا أقل استعداداً لتقديم المساعدات لصالح اليمن عموماً بسبب انصراف اهتمامهم إلى قضايا أخرى تبدو أكثر إلحاحاً في نظرهم.

 

المسارات المحتملة

يُعتقَد أن السياسات النقدية المتشددة التي تتخذها العديد من الدول في مواجهة الضغوط التضخمية، إلى جانب عوامل عديدة أخرى، قد تسببت في تباطؤ اقتصادي عالمي بدأت تتصاعد المخاوف من احتمال تحوّله إلى ركود في الفترة المقبلة، لكن إمكانية تراجُع معدلات التضخم دون المرور في فترة من الركود تظل قائمة بطبيعة الحال.

 

ومن المتوقَّع أن يواجه اليمن تداعيات أكثر خطورة في حال تَطوَّر التباطؤ الاقتصادي إلى ركود في الفترة المقبلة؛ فعلى الرغم من أن هذا الركود قد يتسبب في انخفاض أسعار واردات اليمن من المواد الغذائية والمشتقات النفطية، التي مثلت أكثر من 60% من قيمة وارداته في العامين 2020 و2021، فإنّ هذا الركود قد يُقلِّص من حجم التدفقات المالية إلى اليمن بمستوى أكبر، من جهة أخرى. وثمة توقعات بتراجع حجم تحويلات العمالة اليمنية في الخارج بمعدل يتجاوز مستوى الركود العالمي، ومستوى التراجع في اقتصاديات الدول التي توجد فيها هذه العمالة تحديداً، وذلك على غرار ما حصل في العام 2020 عندما تقلَّصت تحويلات العمالة اليمنية في الخارج بمعدل 12% مقارنة بالعام 2019، على الرغم من أن الدول التي تتركز فيها معظم العمالة اليمنية واجهت انكماشاً اقتصادياً بنسب أقل بكثير (تتراوح بين 4.8-3.1%)، مما يعني أن تحويلات العمالة اليمنية تتصف بهشاشة بالغة أمام هذا النوع من التطورات.

 

إضافةً إلى ذلك، يُتوقَّع أن يتسبَّب حدوث ركود اقتصادي عالمي في انخفاض أسعار النفط، وبالتالي تراجُع قيمة صادرات اليمن من النفط الخام وإيرادات الحكومة منها، على غرار ما حدث عام 2020 عندما تراجعت قيمة صادرات اليمن من النفط بنسبة 41% مقارنةً مع العام 2019 (تقلَّصت من 1101 إلى 648 مليون دولار)، كما أن انخفاض أسعار النفط عالمياً قد يؤثر في القدرات المالية للدول النفطية المانحة، وبالتالي يحدّ من حجم مساعداتها المقدَّمة لهذا البلد.

 

ومن المتوقع أيضاً أن تتأثر القدرات المالية للدول الغربية المانحة في حال حدوث ركود اقتصادي عالمي، وبالتالي فإنها ستتجه لتخصيص مساعدات أقل لصالح اليمن بسبب اضطرارها إلى التعامل مع احتياجات متزايدة محلياً (تبعات الركود على مواطنيها)، وإقليمياً (الحرب الروسية الأوكرانية)، وهي احتياجات أكثر أولوية بالنسبة لها. وقد بدأ بعض المؤشرات على هذا التوجه في الظهور مع التسريبات حول خطط المملكة المتحدة، وهي من بين الخمس الدول الأكثر تقديماً للمساعدات إلى اليمن، لتخفيض مساعداتها الخارجية في الفترة المقبلة، في منحىً يُعتقَد أنَّه سيتصاعد في حال تحقَّق سيناريو الركود الاقتصادي العالمي.

 

ومن غير المُستبعَد أن تترافق هذه التداعيات مع ارتفاع في أسعار المواد الغذائية على غرار ما حصل عام 2020 عندما زادت قيمة واردات اليمن منها بنسبة 7% مقارنة بالعام 2019 (من 2901 إلى 3101 مليون دولار)؛ أي أن سيناريو الركود الاقتصادي العالمي قد يرافقه تراجع في أسعار المشتقات النفطية فقط، وليس تراجعاً في أسعار المواد الغذائية أيضاً بالضرورة، علماً بأن التراجع المتوقع في أسعار المشتقات النفطية لن يكون كافياً لسد الزيادة المحتملة في العجز في ميزان المدفوعات بسبب بقية التداعيات.

 

وعلى الرغم من تضاؤل إمكانية تعافي الاقتصاد العالمي من خلال "هبوط سلس"، ودون حدوث ركود، إلا أن ذلك قد يكون أفضل سيناريو بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي في اليمن، حيث يضمن عدم وقوع انخفاضات كبيرة في التدفقات المالية الناتجة عن تحويلات العمالة اليمنية في الخارج، أو عن عوائد بيع النفط الخام ومساعدات الدول المانحة، وهي تدفقات سيمثل استمرارها في المستوى الحالي، على الأقل، فائدةً أكبر من أي تخفيضات محتملة في أسعار الواردات من المشتقات النفطية والمواد الغذائية ضمن سيناريو الركود.