تقرير: الحو-ثي يواصل قصف السفن.. فلماذا يقتصر رد الحكومة على "التنديد"؟

(عدن الغد)خاص:

قراءة في طريقة تعامل الحكومة الشرعية مع تصعيد الحوثي وهجماته المتواصلة لمنع تصدير النفط..

ما أسباب عجز الشرعية عن إحداث ردود فعل بذات المستوى؟

لماذا لا تتحرك الشرعية على الأرض.. وما الذي يعيقها؟

التنديد وحده لا يكفي!

(عدن الغد) القسم السياسي:

ذات يوم من عام 1982 سُئلت رئيسة وزراء بريطانيا، المرأة الحديدية "مارجريت تاتشر"، عن إمكانية سكوتها تجاه قيام الأرجنتين باحتلال جزيرة "فوكلاند" البريطانية التي تقول بيونس آيرس إنها أرض أرجنتينية.

كان رد تاتشر غريبا وذا دلالة عميقة ومؤلمة في نفس الوقت، فلخصت إجابتها بالقول: "لستُ عربية حتى اكتفي بالتنديد والاستنكار"، في إشارة إلى ما كان يقوم به الصهاينة بالعرب والأراضي العربية في ظل صمت وتنديد عربي تجاه الجرائم بحقهم.

ويبدو أن الحكومة الشرعية اليمنية تؤكد ما عرفته المرأة الحديدية ورئيسة وزراء بريطانيا عن طباع العرب، نتيجة صمت الشرعية المريب تجاه تصعيد مليشيات الحوثيين  وقصفهم المتواصل وتهديداتهم لليمنيين وبنيتهم الاقتصادية وسفن وناقلات النفط.

فالشرعية تكافئ بالتنديد والاستنكار، وتستنجد بالمجتمع الدولي للتدخل، بل وتدعو للتسوية السياسية وتتمسك بخيارات السلام، بينما الانقلابيون الحوثيون يمضون في غيّهم وصلفهم ويواصلون تهديد اليمنيين بالجوع ووقف تصدير ثرواتهم.

هذا التعامل الحكومي مع جنون الحوثي لم يجعل المليشيات تتراجع يوما عما تقوم به من تهديد لواقع ومستقبل اليمنيين،  تعريض مصالحهم واقتصادهم وثرواتهم للخطر والقصف بشكل مستمر.

كما أن التنديد الذي من المؤكد أنه طبع عربي بامتياز، انسحب على طبيعة تعامل الشرعية مع الحوثيين، ليس فقط بعد فشل تمديد الهدنة الأممية مطلع الشهر الماضي، بل إنه تعامل طغى على الشرعية منذ سنوات، جعلها تتصف بأنها "عاجزة".

بالإضافة إلى أنه عجز لا يتناسب مع مخاطر ما تمارسه مليشيات الحوثي من تهديد ليس بحق المنشآت النفطية اليمنية فقط، بل وبحق الملاحة البحرية الدولية، ونشاط نقل النفط والغاز عبر الممرات العالمية الرابطة بين الشرق والغرب.

الأمر الذي يشير إلى عجز آخر في عملية تسويق الشرعية اليمنية لما يقوم به الحوثيين من مخاطر، وهو ما يعكس الصمت الدولي أيضا على هذه التهديدات، والتي تمس العالم أيضا، وليس فقط اليمن ومصالحها الاقتصادية.

واذا كان الصمت الدولي تجاه جرائم المليشيات مبررا وله حسابات سياسية وعسكرية مرتبطة بأجندات وصراعات دولية، فإن ما ليس مبررا هو الصمت اليمني الحكومي، والاكتفاء بالتنديد والاستنكار، ثم طلب النجدة من الآخرين.

> معضلة كبرى

ما يقوم به الحوثيون كارثي على مختلف المستويات والأصعدة، فالمليشيات تعلم جيدا أنها تهدد استمرار الاستقرار الاقتصادي النسبي الذي تتمتع به المناطق المحررة، كما قدرة الحكومة الشرعية -وإن في حدها الأدنى- على صرف مرتبات موظفيها.

وهذا يشكل معضلة كبرى بالنسبة للمواطنين في المحافظات المحررة، ويجعلها متساوية في الحرمان من المرتبات مع مناطق سيطرة الحوثيين، ولعل في هذا الهدف غاية أساسية من قيام المليشيات باستهداف السفن النفطية ومنشآت النفط، وهو ما يريده الحوثيون بالفعل.

فانقطاع المرتبات- إن حدث- بسبب تعثر تصدير النفط والغاز اليمني الذي يتم إنتاجه بكميات ضئيلة للغاية نتيجة الحرب، سيثير الكثير من المشكلات الاقتصادية والسياسية حتى، وسيفاقم الأوضاع المعيشية والخدمية المتدهورة أصلا.

وكلها تداعيات لن يكتوي بنيرانها سوى المواطن البسيط، والسواد الاعظم من الناس المطحونون، في الوقت الذي تكتفي فيه الحكومة المسئولة عن ضمان وتأمين قوت المواطن ومرتباته بالصمت والتنديد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تقوم الحكومة الشرعية بعمليات أكثر ردعا تتلاءم مع الجرأة التي يمتلكها الحوثيون، وتتناسب مع الكارثة المحدقة بالبلاد وبالمواطنين، الذي بدأوا بفقدان الثقة بالحكومة نتيجة مواقفها السلبية.

الأمر الذي دفع البعض بالحديث عن تواطؤ تقوم به الحكومة مع الحوثيين للتضييق على المواطنين، ورغم استبعاد رأي كهذا، إلا أن العجز الحكومي وفشلها في تسجيل موقف مشرف ما، فع نحو ظهور مثل هذه الآراء.

> ما أسباب عجز الشرعية؟

سيطرت الريبة والشك على أحكام المراقبين والمتابعين لتعامل الشرعية اليمنية مع تغول الحوثيين في حقوق وثروات اليمنيين وتهديدها، ما دفع للتساؤل عن أسباب هذا العجز غير المبرر.

فالبعض يرجح وجود ضغوط إقليمية ودولية على الحكومة لمنع أي تحرك جدي يقاوم ممارسات الانقلابيين الحوثيين، وهو رأي كان منتشرا خلال فترة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، حين كان هناك من يبرر مواقف الشرعية حينذاك.

غير أن هذا الطرح غير مبرر، خاصة مع التماهي الأممي والدولي وصمتهما تجاه انتهاكات الحوثيين وتهديداتهم، والرافضين لمثل هكذا طرح يؤكدون أن الأولى بالشرعية مصارحة الناس وانهاء أية قيود أو ضغوطات قد تحول دون التعامل الجدي مع تهديدات المليشيات.

لكن آخرون يعتقدون أن الحكومة الشرعية تمثل الدولة، حتى وإن كانت بحدها الأدنى، بكل ما يحمله هذا التمثيل من التزامات دولية ومحلية، تفرض عليها تقديم تنازلات حتى الرمق الأخير، انطلاقا من مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية تجاه مواطنيها.

ومن هذا المنطلق فإن الدولة اليمنية ممثلة بالحكومة الشرعية مناط بها التمسك بخيارات السلام وبما يراه المجتمع الدولي تجاه القضية والأزمة اليمنية وإنهاء الحرب الدائرة في البلاد منذ ثماني سنوات، بكل ما رافقها من قرارات أممية وتفاهمات دولية.

لكن هذا الطرح أيضا يحتاج هو الآخر للإيضاح، ومكاشفة الرأي العام، إن كان حقا هو المبرر وراء هذا الصمت وعدم المبادءة والتعامل بالمثل مع المليشيات الحوثية، والاقتصار على التنديد لكل ممارساتها غير الأخلاقية.

بينما ثمة رأي آخر، يبرر عجز الحكومة الشرعية، مفاده أن هذه الأخيرة لا تملك من القوة ما يمكنها من مواجهة الحوثيين أو الرد عليهم بالمثل، خاصة على مستوى تقنيات الطائرات المسيرة أو مضاداتها، وهو أمر واقعي للأسف، فرضته تطورات الحرب وإطالة أمدها.

ولعل في القرارات الأممية نصيب من هذه الأسباب، وانقلاب موازين القوى بين الشرعية والحوثيين لصالح هذا الأخير، وذلك بسبب وجود حظر توريد الأسلحة إلى اليمن، وهو ما يحد من قدرة التحالف العربي على دعم القوات الحكومية بأسلحة نوعية، مقابل اتساع التهريب الإيراني للسلاح الحديث والنوعي إلى الحوثيين.

ولعل في ما سبق من أسباب ما يرجح كفة سبب ما على آخر، يفسر عوامل العجز الحكومي في التعامل مع الصلف الحوثي والتصعيد المتواصل، ويمنع تحرك الشرعية عسكريا على الأرض، بل ويعيقها في كثير من الأحيان.