تقرير: ما الذي حققته الكرة اليمنية.. وأين موقعها من العالم الرياضي؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يبحث في أسباب تدهور الرياضة اليمنية وعدم القدرة على صناعة منتخب منافس..

ما الذي يعيق المنتخب اليمني الأول على تحقيق الإنجازات؟

هل الصراعات هي السبب.. أم أن هناك أسبابا أخرى؟

ما هي عوامل تردي الرياضة وكرة القدم في اليمن بشكل عام؟

مع زخم كأس العالم.. كيف توحد اليمنيون وحاولوا نسيان الحرب؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

أبهرت قطر العالم، وألجمت كل الأصوات التي حاولت التشكيك بقدرتها على تنظيم بطولة مونديالية لكأس العالم ستكون الأفضل على الإطلاق، بحسب توقعات الخبراء والمختصين.

كان الحفل الافتتاحي لبطولة كأس العالم 2022 في الدوحة أسطوريا بكل تفاصيله، لتثبت قطر للعالم أنها دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سياسيا واقتصاديا وحتى رياضيا.

قطر.. الدولة الصغيرة في جغرافيتها وتاريخها حتى، الواقعة في أقاصي الخليج، صنعت نموذجا من العظمة، ليس فقط على مستوى تنظيم بطولة دولية بحجم كأس للعالم، بل حتى فيما يتعلق بإحراز بطولات قارية بحجم كأس آسيا، كما فعلت قبل سنوات.

فماذا عنا نحن؟، أين موقع بلادنا من خارطة هذا العالم المنطلق نحو الحضارة والعصرنة بكل قوة؟، ففي الوقت الذي يتطور الآخرون من حولنا نتقهقر نحن، مسجلين ترديا كارثيا ومأساويا في كل المجالات، بما فيها الرياضة.

فلا دولة ولا اقتصاد ولا قوات مسلحة موحدة، ولا منتخب قوي قادر على مقارعة نظرائه من منتخبات أقل منه شأنا وتاريخا، بل ويتلقى منهم هزائم موجعة وفضائحية!.

خاصة وأن اليمن بتاريخها وإمكانياتها ومخزونها السكاني الضخم لا تنقصها الكوادر والكفاءات التي بإمكانها أن تعمل على استلهام تجارب الجيران، وتغيير واقع البلاد على كل المستويات.

فما الذي يحول دون أن تحذو بلادنا حذو تلك الدول التي عوضت افتقارها لتاريخ وحضارة بحجم تاريخنا وحضارتنا بصناعة حاضرها والبدء بتدوين تاريخ سيتحول مجدا تليدا سيتذكرونه في المستقبل على أنه تاريخ متواصل ولم ينقطع، كما انقطعنا نحن عن أمجادنا الغابرة وتاريخنا الماضي الذي لم يعد.

فلماذا لا تلهمنا إنجازات الآخرين وتطورهم، ونكتفي فقط بالمشاهدة؟، وما الذي يمنع اليمن من إيجاد منتخب قادر على مزاحمة الكبار والمشاركة مثلا في بطولات كأس العالم؟، ورغم أنها فكرة مجنونة إلا أنه لا مانع من الخوض في أسباب عدم تحققها.

> رياضة بلا إنجاز

لم تسجل اليمن عبر منتخبها الأول لكرة القدم أي إنجاز كروي يذكر، رغم أنها عرفت كرة القدم قبل كل دول الجزيرة العربية والخليج، لكن الكرة اليمنية لم تحقق أي بطولة، حتى وإن كانت ودية.

وباستثناء إنجاز منتخب الأمل للناشئين ووصوله عام 2002 إلى المباراة النهائية لكأس آسيا للناشئين، وبالتالي تأهله إلى نهائيات كأس العالم لهذه الفئة في فنلندا عام 2003، بالإضافة إلى إحراز منتخب الناشئين بطولة عام 2021 بطولة إقليمية هي بطولة غرب آسيا للناشئين بالسعودية، لا تمتلك اليمن أي إنجاز كروي.

لكن الحديث هنا لا يتناول المنتخبات العمرية، التي لا تشكل مقياسا للمنتخبات العالمية بذات القدر الذي يشكله المنتخب الأول لكرة القدم، والذي لم يحقق أي بطولة على الإطلاق، أو حتى فوز يحسب له على منتخب آخر معتبر.

في المقابل، نرى دولا خليجية، حققت بطولات إقليمية وقارية، ووصلت إلى بطولات كأس العالم، وقارعت منتخبات وعمالقة الكرة العالمية، وسجلت اسمها بقوة على مستوى العالم، بينما لا يكاد منتخب اليمن مذكورا أو حتى موجودا على خارطة الكرة العالمية.

يأتي كل هذا، فيما اليمن لا تنقصه المواهب والكوادر المتألقة ولا مهارات لاعبيه، خاصة وأنه يمتلك مخزونا سكانيا وشبابيا غنيا، على العكس من الدول المجاورة ذات الندرة السكانية، الأمر الذي دفعها لتجنيس عدد من اللاعبين الأجانب للعب باسم بلدانها.

وهذا يؤكد أن أسباب وعوامل تراجع الكرة اليمنية لا تعود إلى قلة النوعيات الموهوبة من اللاعبين، فالمواهب الكروية موجودة، ولكنه يعود إلى العقلية التي تدار بها مؤسسات الرياضة بشكل عام، وكرة القدم تحديدا في بلادنا.

> عقليات بلا تخطيط

لا تهتم دول العالم بمنتخبات الفئات العمرية إلا بما يخدم منتخبها الأول، وغالبية تلك الدول تفكر بالمنتخب الأول باعتباره الغاية الأساسية لرياضةٍ وكرةٍ متطورة ومتقدمة ومنافسة.

أما المنتخبات السنية كالناشئين والشباب وحتى الأولمبي ما هي إلا وسائل يتم تنميتها وفق أسس وتخطيط طويل المدى حتى يتم الوصول إلى منتخب أول للكبار قوي ينافس في البطولات الرسمية العالمية، لأنه هو من يمنح الدول تصنيفها الكروي على مستوى العالم.

لكن هذه الرؤية غائبة عنا في اليمن، حيث لا يتم إشراك الناشئين إلا من أجل الفوز ببطولة ما، وليس من أجل إعداد هؤلاء الصغار لأن يكونوا نجوما في المستقبل، يساهمون في تحقيق إنجازات للمنتخب الكبير والأول.

ويمكن استعراض عدد من الشواهد التي تؤكد هذه الرؤية، فهناك منتخب إسبانيا الناشئ المشارك في كأس العالم للناشئين عام 2003 التي شارك فيها ناشئو اليمن أيضا، كان أغلب لاعبيه هم من فازوا بكأس العالم للكبار عام 2010، أي بعد سبع سنوات فقط.

بينما تفرّق منتخب اليمن للناشئين المشارك في كأس العالم 2003 وتلاشى ولم يعد له أي ذكر، وهذا يؤكد أنه لا وجود لعقلية مستقبلية أو استراتيجية بعيدة المدى، تعتمد على تخطيط مستنير، وهو أمر مهم تفتقده العقلية الرياضية اليمنية، رغم وجود المواهب واللاعبين النجوم.

فهذا العامل ينسحب على كل أنواع الرياضات والألعاب في اليمن، وليس فقط كرة القدم، لكنه أكثر وضوحا في الكرة، باعتبارها اللعبة الاكثر شعبية على مستوى العالم، والتي تستوجب اهتماما أكثر من المسئولين والمعنيين.

> هل الحرب هي السبب؟

قد يُرجع البعض باللائمة في هذا الواقع المتردي للكرة اليمنية على الحرب والصراعات السياسية والعسكرية التي تمر بها البلاد منذ ثماني سنوات، لكن هذا التردي مستمر حتى ما قبل الحرب الحالية.

بل إن الإنجاز الوحيد للكرة اليمنية، وهو فوز منتخب الناشئين بلقب بطولة غرب آسيا لم يحدث إلا قبل نحو عام فقط، ولكن الحديث هنا هو عن المنتخب الأول الذي لازمته الإخفاقات في فترات السلم والحرب على السواء، دون أن يحقق شيئا يذكر.

الأمر الذي يؤكد أن الحرب والصراعات لا علاقة لها بتردي وضع الكرة اليمنية، بقدر أن السبب متعلق بسوء الإدارة وغياب التخطيط والرؤية، التي جنت كثيرا على الموهوبين وساهمت في التسبب بدفن مواهبهم نتيجة الإهمال وعدم الاهتمام والرعاية.

ولا حل لكل هذه المأساة الكروية التي تعيشها اليمن سوى بتغيير العقليات المسئولة عن إدارة كرة القدم اليمنية، والذين لم ينجحوا في عمل أي شيء يستحق الذكر، بينما نرى منتخبات متأخرة عنا صعدت وتطورت وغيرت واقعها نحو الأحسن.

ولم تكن الحروب والصراعات يوما حائلا دون تحقيق أي إنجاز، بل على العكس تماما، ربما تكون دافعا وحافزا، ولعل ما قام به ناشئو اليمن قبل عام يشرح هذه الجزئية بشكل واضح، وكيف استطاعت المواهب الصغيرة من تحقيق إنجاز الكرة اليمنية الوحيد، رغم الحرب وحالة التشظي التي تعيشها اليمن.

> اليمن الموحد

بعيدا عن أسباب تردي الكرة اليمنية تاريخيا، وبعيدا عن الصراعات التي تسببت بانقسام اليمنيين، تعود الرياضة وكرة القدم تحديدا لتوحيد اليمنيين من جديد، تماما كما فعلت وتفعل دوما.

وكما توحد اليمنيون حين فاز ناشئوهم ببطولة غرب آسيا، توحدوا أيضا بسبب الزخم الذي تسببت به بطولة كأس العالم 2022 في قطر، التي جمعت اهتماماتهم على شيء رياضي وكروي، ساهم في إبعادهم بعض الشيء عن أجواء الحرب والصراعات.

وهو أمر يدل على حب اليمنيين وإقبالهم على الحياة، وكل ما له علاقة بالبهجة، فكيف لو كان منتخب اليمن أحد المنتخبات المتواجدة في نهائيات كأس العالم، وهو حلم وأن بدا مستحيلا، إلا أنه ممكن التحقق ذات يوم.. لِمَ لا؟.