في مجتمع محافظ تختار فيه "النساء" الموت على تلويث سمعة عائلتها.. الابتزاز أصبح ظاهرة تفاقم أزمات اليمنيات

(عدن الغد) توفيق الشنواح – اندبندنت:

يبدو أن معاناة اليمنيات لم تقتصر على الانعكاسات المعيشية والاقتصادية المريعة التي سببتها الحرب الدائرة في البلاد منذ ثماني سنوات وما أفرزته من كارثة إنسانية هي الأسوأ على مستوى العالم. فما لم يكن في الحسبان في خضم الانشغال العام بالظروف الصعبة العامة أن وجدت حواء نفسها في مواجهة مفتوحة مع تحديات أخرى لا تقوى عليها سواعدها النحيلة بعد أن هدتها تداعيات الصراع الدامي الذي نالت منه النصيب الأوفر، إذ تنامت ظاهرة الابتزاز الإلكتروني في اليمن على نحو لافت حتى باتت أخبار ضحاياه تنافس أخبار ضحايا الحرب التي تسببت في تفشي الظاهرة في المجتمع المتمسك بعاداته التقليدية الصلبة، وخصوصاً في المجتمعات الريفية، حيث الجهل والأعراف الجامدة هي التي تسير حياة الناس وتحدد طبيعة علاقاتهم وتضع للمرأة قوالب تقليدية جاهزة من العادات والتقاليد وإدخالها فيه منذ ولادتها ولا يحق لها مغادرتها إلا إلى القبر.

 

الشرف أو القتل

ومع تنوع الأساليب التي دفعت بكثيرات أما للاستسلام والرضوخ لطلبات المبتزين التي تختلف بين المقابل المادي أو الأخلاقي وغيره، أو الانتحار، ظلت قواعد تجريم ظهور صورة الفتاة أو خصوصياتها في أوساط المجتمع كما هي حتى وإن دفعتها لبذل حياتها قرباناً لسلامة الشرف الذي تراق حوله الدماء. ومطلع الشهر الحالي، لجأت الناشطة الإنسانية سارة علوان إلى الانتحار بعد يأسها من إمكانية وضع حد لمبتز إلكتروني ظل يهددها بنشر صور شخصية لها على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن وقعت ذاكرة هاتف تحمل صورها الخاصة في يده، لتحاول وضع حد لحياتها بإطلاق النار على قلبها قبل أن يتم إسعافها لتلقي العلاج في أحد مستشفيات مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (جنوب غربي البلاد).

 

في عهد الميليشيات

لم يشفع لممرضة عملها في المجال الطبي وخدماتها الإنسانية في إحدى أفقر المحافظات اليمنية، إذ كشفت مصادر محلية، يوم الجمعة، عن تفاصيل جريمة قتل شهدتها مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة (غرب) لممرضة عشرينية على يد زملائها في العمل بعد فترة ابتزاز تلقتها بصورها الخاصة. وعلى رغم إبلاغ السلطات وإطلاع البحث الجنائي على رسائل التهديد الواصلة إلى هاتفها، فإنها لم تتخذ أي إجراء إزاء الجناة.

وكشفت التحقيقات عن عودة الممرضة من عملها إلى منزلها الذي كان المجرم يترصدها بداخله بعد أن علم بخروج والدة الضحية وأختها، ليباشر، وفقاً للتحقيقات، بخنقها، ومن ثم تعليق جثمانها بحبل لتلفيق تهمة الانتحار وسط مطالبات الأهالي بالقبض على بقية الجناة الذين يتهم بعضهم بالعمل كقادة مع ميليشيات الحوثي.

 

اختلاء وأموال

تلقت فتاة عشرينية، في محافظة إب (وسط)، موجة ابتزاز من قبل شخص ينتمي لذات المنطقة جمعتهما علاقة غرامية افتراضية استمرت لنحو عام، قبل أن يقرر ابتزازها بالصور والمحادثات التي تبادلاها، طالباً منها الموافقة على الاختلاء به في منزلها الذي لا تعرف كيف تمكن من معرفته، لتلجأ إلى تقنيين تمكنوا من الإبلاغ عنه.

ووفقاً لمتخصصين تقنيين، فقد تعرضت كثير من الفتيات لوسائل ابتزاز مختلفة لعل أهمها طلب الاختلاء وفي حال الرفض يتم تخييرهن بين دفع الأموال أو الفضيحة، وهو ما أجبر عدد منهن للرضوخ ودفع أموال طائلة منها الذهب والحلي، وهو ما شجع على تفشي الظاهرة على نحو واسع.

 

شكاوى لا تتوقف

في مجتمع محافظ مثل اليمن، تصبح قضية انتشار صور المرأة الشخصية جريرة شنيعة قد تكلفها حياتها رخيصة دفاعاً عن شرف القبيلة أو العائلة حتى وإن كان دون علمها ورضاها، ومن هنا وجد المبتز وسيلة سالكة لمساومة الضحايا.

تقول الناشطة اليمنية شذى نعمان، إن ظاهرة الجريمة الإلكترونية والابتزاز اتسعت في الآونة الأخيرة في المجتمع العربي، لا سيما في اليمن، مع تزايد أعداد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والتسارع المشهود في إعداد برامج المحادثات المختلفة من خلال تهديد وترهيب الضحية كما هو الحال بمئات القصص التي نعرفها أو نسمع بها. وتؤكد تلقي كثير من الشكاوى التي يتم إثرها طلب الدعم الفني من جهات تطوعية.

 

عقوبات حبيسة الأدراج

ووفقاً لنعمان فإن قانون العقوبات اليمني يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز خمس سنوات أو بالغرامة كل من يبعث قصداً في نفس شخص الخوف من الإضرار به، أو بأي شخص آخر يهمه أمره ويحمله بذاك وبسوء قصد على أن يسلمه أو يسلم أي شخص آخر أي مال أو سند قانوني أو أي شيء يوقع عليه بإمضاء أو ختم يمكن تحويله إلى سند قانوني، "غير أن هذه القوانين تظل بلا فاعلية ذلك لأنها تفتقد المنفذ، حيث لا أجهزة ضبطية ولا سطوة أمنية ولا قضاء مستقر، وهي عوامل جاءت نتيجة للحرب الدائرة منذ عدة سنوات".

 

جرائم قتل

تشير إلى أن الظاهرة دفعت إلى ارتكاب جرائم قتل لعل أشهرها مقتل فتاتين العام الماضي من قبل ذويهن بعد انتشار فيديو وصور لهما على الإنترنت، على رغم أن إحداهن تعرضت للخطف والاغتصاب". وفي حالات أخرى، "تقع الفتاة في غرام أحد المبتزين، وبعد أن ترسل له صورها، يحولها لأداة ابتزاز بتهديدها بنشرها إذا لم ترضخ لطلباته، سواء من خلال دفع مبالغ مالية مقابل شراء صمته".

وتتطرق إلى إشكالية المجتمع الذي يتعامل مع الفتاة بجناية الشرف، بينما أغلب حالات الابتزاز تأتي نتيجة سرقة أو فقدان هواتف الفتيات أو القرصنة أو التجسس عليها وغيرها من الوسائل للحصول على صور وفيديوهات خاصة".

 

شراك الفضاء للصيد السهل

إذاً هي حبال إلكترونية متشابكة وممتدة تتلقف كل من يسهل الوقوع في شراكها يتم نشرها في الفضاء الرقمي الصاخب لعل طعمها شاب وديع يدعي الحب أو الحنان من الفتيات. يقول رئيس جمعية الإنترنت اليمنية والخبير التقني فهمي الباحث إن انتشار "السوشيال ميديا" في أيدي عامة الناس دون معرفة مخاطر التقنيات بشكل عام في مجتمع يغلب عليه الجهل والأمية وضعف المخرجات التعليمية، ساعد في تفشي ظاهرة الجريمة الإلكترونية والابتزاز الرقمي. ويؤكد أن مما ساعد استجابة بعض الحالات لطلبات الابتزاز التي تبدأ عادة بطلبات صغيرة خشية الفتاة من الفضيحة في محيطها الاجتماعي، ثم ما تلبث أن تتطور لطلبات أكبر بعد عجز الضحية عن تنفيذ مزيد من الطلبات.

 

زوج مبتز

يكشف الباحث عن أن المبتز في أحايين كثيرة قد يكون من الأقرباء أو خطيباً سابقاً، والمخيف أن بعضهم زوج سابق ظل يبتز طليقته بهدف الانتقام أو لأسباب لا أخلاقية، وهو ما يكشف عن تطور مخيف وخطر في هذه الظاهرة التي تزيل الأمان في المستقبل داخل الأسرة وهو أمر يهدد النسيج الاجتماعي.

عن المعالجات التي يمكن انتهاجها يضيف، "دائماً ننصح الضحايا بعد الصمت أو الرضوخ واللجوء للأقارب أو الدائرة المحيطة الموثوق بهم لطلب المساعدة نفسياً ثم توجيهها وتأكيد رفع بلاغات أمنية ضد المبتزين مع جمع الدلائل لتعقب المبتز، حيث نقوم بإزالة المحتوى غير المرغوب فيه من منصات مواقع التواصل الاجتماعي الذي به أو من خلاله يتم ابتزاز الضحية".

يتابع، "دائماً نطالب بتأهيل الجهات الأمنية أو استحداث قسم متخصص لهذا النوع من الشكاوى، كون ذلك أهم بكثير من سن قوانين مكافحة الجرائم".

 

رأس مال التهديد

لا يمكن إغفال الإرث الاجتماعي الثقيل المستمد من العادات المتعاقبة التي تجرم الكشف عن هوية المرأة واعتبار ذلك مجلبة عار للأسرة والقبيلة والمنطقة في ظل فضاء إلكتروني مزدحم بالمستخدمين.

ترى الناشطة الاجتماعية، هديل الموفق، أنه لا يتم التعامل مع الضحية في هذه الحالة كضحية، بل كمشارك في الجريمة كون التصور الأول الذي يطرأ على ذهن عائلة الفتاة والمجتمع وحتى رجال الأمن هو أن الضحية بنفسها هي من شاركن الصور طوعاً مع المبتز.

 

ليست شريكة الجرم

وأمام النظرة المجتمعية التي تعتبر الفتاة شريكاً في الظاهرة، وهي من فتح هذا المجال، تضيف، "حتى وإن شاركت الفتاة الصور طوعاً، هي تضل ضحية لأن الابتزاز بحد ذاته، بغض النظر عن كيفية الحصول على الصور، جريمة يعاقب عليها القانون، في اليمن لخمس سنوات أو دفع مبلغ لا يزيد على 70 ألف ريال، وهو عقاب بسيط جداً لا يردع المبتزين، وبخاصة أن جرائم الابتزاز أصبحت وسيلة جديدة ومنتشرة للتكسب من خلال الحرب والأوضاع الاقتصادية السيئة والحصول على صور، وإن كانت عادية، قد يكون مصدر دخل وفير".

 

السكوت سبب آخر

تعتبر هديل الموفق أن عجز المرأة أو عدم مقدرتها على التبليغ، سواء لأفراد العائلة والذي قد يلوموا الفتاة، هو ما زاد وشجع المبتزين، بل إن هناك حالات لأسر قتلت بناتها بسبب العار، ولأن من الصعب على المرأة أن تبلغ عن الجرائم بشكل عام في أقسام الشرطة، فما بالك بموضوع حساس كهذا.

 

ماذا يجب؟

وأمام هذه الظاهرة تتأكد الحاجة، "لتوعية المجتمع والأسر بخطر تعاملهم المتشدد مع النساء، ومحاولة حمايتهن بطريقة تمنع عن النساء حرية اتخاذهن لقراراتهن الشخصية، وخاصة فيما يتعلق بأجسادهن، فالحماية المفرطة قد تؤدي إلى لجوء المراهقات لأشخاص مجهولين على الإنترنت للحصول على العطف والحنان الذي لا يجدنه في البيت، وقد يمنع تطورهن الذهني الذي يسمح لهن باتخاذ القرارات الصائبة ومعرفة كيفية التعامل مع المشكلات دون الانجرار خلف طلبات المبتزين وغيرهم".

 

أجهزة آمنة

كما ترى أن المجتمع بات بحاجة "عاجلة لجعل مراكز الشرطة والنيابات والمحاكم أماكن آمنة لوجود النساء لتسهيل الإبلاغ عن الجرائم التي تقع عليهن، ومن بين الحلول إنشاء وحدات خاصة بالمرأة في هذه المرافق، وزيادة عدد العاملات من النساء، وتدريب الكوادر الأمنية والقضائية على الجندر وقضايا النساء، وهذا سيسهم كثيراً في الحد من انتشار هذه الجرائم وسن قوانين رادعة لها".