لماذا أخفقت الجهود الدبلوماسية الأممية الرامية إلى تمديد الهدنة؟(تقرير )

(( عدن الغد)) خاص.

على بعد ساعات من موعد انتهاء الاتفاق الإنساني المؤقت لوقف إطلاق النار، تتواصل الجهود الدبلوماسية الأممية والدولية الرامية إلى تمديد الهدنة وتوسيع رقعة تنفيذها في اليمن، وسط عقبات جوهرية تتطلب حلولا عاجلة.

بحلول اليوم الأحد 2 أكتوبر 2022، تنتهي الهدنة الإنسانية بين الحكومة وجماعة الحوثي، وسط مساع دولية وأممية حثيثة ومتواصلة لإقناع أطراف النزاع بقبول استمرار وقف إطلاق النار لفترة أطول.

وفي 2 أبريل الماضي، بدأت هدنة بين الحكومة الشرعية اليمنية وجماعة الحوثي، تمّ تمديدها مرتين لمدة شهرين في كلّ منهما.

ومؤخرًا، أجرى المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ سلسلة مباحثات مع الجانبين اليمنيين، وأطراف دولية وإقليمية، بهدف تمديد الهدنة وتوسيعها.

ومساء الخميس 29 سبتمبر غادر غروندبرغ العاصمة اليمنية صنعاء، بعد عقده لقاءات مع قادة الحوثيين استمرّت يومين، دون إعلان نتائجها.

وقال غروندبرغ، في بيان عقب اختتامه الزيارة، إن "تجديد الهدنة وتوسيعها هو ضرورة إنسانية وسياسية"، مشددا على أنها "فرصة لا يمكن أن نضيعها".

ورأى أن الهدنة "أحدثت أثرا ملموسا على حياة اليمنيين"، وقال: "لدينا الفرصة للبناء على هذه الفوائد وتوسيعها، فالسعي لتحقيق السلام .. يتطلب شجاعة وقيادة من جميع الأطراف".

وحذر غروندبرغ، من أنه "إذا كانت هناك عودة للحرب، فإننا قد لا نحظى بهذا النوع من الفرص مجددا لفترة طويلة".

ملف الرواتب

رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين مهدي المشاط، أبلغ غروندبرغ خلال لقاء جمعهما في صنعاء، أن جماعته "لن تقبل تجديد الهدنة في اليمن إلا بصرف رواتب الموظفين (في المناطق الخاضعة للحوثيين)" من قبل السلطات الحكومية، وفق وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" التابعة للجماعة.

وبحسب إحصاءات رسمية، فإن هناك نحو نصف مليون موظف رسمي في المناطق الخاضعة للحوثيين، يعانون من انقطاع رواتبهم منذ سنوات جرّاء تداعيات الحرب وانقسام البنك المركزي.

هذه الرواتب انقطعت بعد نقل الحكومة اليمنية البنك المركزي من مقرّه الرسمي في صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن عام 2016، نتيجة سيطرة الحوثيين على صنعاء.

من جانبها، تشترط الحكومة تحويل جميع الإيرادات المالية في المناطق الخاضعة للحوثيين، إلى البنك المركزي في عدن، مقابل تسليم رواتب الموظفين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

غير أن جماعة الحوثي تتمسّك بموقف مفاده أن "الرواتب يفترض أن يتمّ تسليمها في جميع أنحاء اليمن، من إيرادات النفط والغاز التي تتحكم بها الحكومة".

وردا على المشاط، دعا سلطان العرادة عضو مجلس القيادة الرئاسي، الخميس، إلى "ممارسة ضغط دولي على جماعة الحوثي، من أجل صرف رواتب الموظفين في المناطق الخاضعة لها، من عوائد موانئ الحديدة غربي البلاد".

وخلال لقاء جمعه بالسفير البريطاني لدى اليمن ريتشارد أوبنهايم، في العاصمة السعودية الرياض، أكد العرادة "ضرورة الضغط على المليشيات الحوثية للوفاء بالتزاماتها بموجب الإعلان الأممي (الهدنة)، بما في ذلك فتح طرق تعز (جنوب غرب) وباقي المحافظات، ودفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها من عوائد موانئ الحديدة (وهي 3 موانئ يديرها الحوثيون)"، وفق وكالة الأنباء الرسمية "سبأ".

الحديث عن التمديد "غير مجد"!

ووسط التساؤلات الملحّة عما ستؤول إليه الأمور، لم يعلن مجلس القيادة الرئاسي أو الحكومة اليمنية أي موقف رسمي بشأن قبول تمديد الهدنة وتوسيعها من عدمه

لكن عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي، قال إن "الحديث عن إعادة تجديد الهدنة في ظل تعنّت المليشيات (الحوثيين) غير مُجدٍ، ولا ينبغي أن يستمر مسلسل منح الفرص للمليشيات الرافضة لدعوات السلام على حساب الشعب".

وأضاف الزبيدي في بيان، الخميس، أن "مجلس القيادة الرئاسي نفّذ ما عليه من التزامات تجاه الهدنة، وتعاطى بإيجابية مع جهود المجتمع الدولي لتمديدها".

وسبق أن اتهم المجلس الرئاسي جماعة الحوثي بالتنصل من تنفيذ بنود الهدنة، خصوصا فتح طرق تعز التي يحاصرها الحوثيون منذ العام 2015.

 رغبة دولية في تمديد الهدنة

ومع انتهاء فترة الهدنة المتفق عليها والتي سبق تمديدها مرتين، تذهب التوقعات إلى أن الاحتمال الأكبر هو تجديد تمديدها للمرة الثالثة على التوالي.

وفي هذا الإطار، يرجّح المحلل السياسي صدام الحريبي، بأن يتم "تمديد الهدنة بضغطٍ دولي".

وقال في حديث للأناضول، إن "الهدنة سيتم تمديدها، تلك رغبة المجتمع الدولي الذي بات منشغلاً ويريد التفرّغ لإدارة الحرب في أوكرانيا".

وأردف الحريبي موضحًا، أن "الهدنة لا يقرها الحوثي الذي صرح سابقا بأنه لن يقبل بها فضلا عن تمديدها، ولا غيره".

وبيّن أن "الدول التي تدير المشهد اليمني هي من تفرض ذلك (الهدنة) من عدمه، خصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا، وحتى فرنسا مؤخرا".

 السيناريو الأوفر حظا

بدوره، يؤكد المحلل السياسي يعقوب العتواني، للأناضول، أن "تجديد للهدنة ما زال هو السيناريو الأوفر حظاً خلال الأيام القادمة".

ولفت إلى أن ذلك "سيحصل رغم تراجع فرص تمديد الهدنة بسبب إدخال الحوثيين اشتراطات جديدة لتمديدها وعدم إظهار أي نية للتنازلات فيما يخص فتح طرق تعز".

ويشهد اليمن، منذ أكثر من 7 سنوات، حربًا مستمرة بين القوات الموالية للحكومة الشرعية، مدعومة بتحالف عسكري عربي تقوده الجارة السعودية، والحوثيين المدعومين من إيران والمسيطرين على محافظات بينها صنعاء منذ سبتمبر/ أيلول 2014.

صعوبات مستمرة

شمل اتفاق الهدنة التي تنتهي اليوم الأحد السماح بتنظيم رحلات تجارية من مطار صنعاء الدولي الذي كان يستقبل فقط طائرات المساعدات منذ 2016، ما مثّل بارقة أمل بعد حرب مدمرة. ودعت عشرات المنظمات الانسانية والدولية العاملة في اليمن أطراف النزاع لتمديد وتوسيع الهدنة مشيرة أنه خلال الهدنة "شهدنا انخفاضا في عدد الضحايا بنسبة 60 في المائة".

وخلال فترة الهدنة، تبادلت الحكومة اليمنية والمتمردون اتهامات بخرق وقف النار، ولم يطبّق الاتفاق بشكل كامل وخصوصا ما يتعلق برفع حصار المتمردين لمدينة تعز، لكنه نجح بالفعل في خفض مستويات العنف بشكل كبير.

وتعد تعز إحدى أكثر المدن تأثّرا بالحرب منذ بداية النزاع في منتصف 2014. وتخضع المدينة التي تحيط بها الجبال، لسيطرة القوات الحكومية، لكن المتمردين يحاصرونها منذ سنوات، ويقصفونها بشكل متكرر.

وقد استحدث سكان المدينة طرقا بديلة مع إغلاق كافة الطرق التي تربط تعز بالمحافظات المجاورة. وتؤدي حواجز الطرق والتحويلات العديدة إلى مضاعفة تكاليف النقل أربع مرات وتعقيد إيصال المساعدات الإنسانية وتحرم العديد من اليمنيين من الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وفي وسط المدينة، تتكدس سيارات الدفع الرباعي بمحطة وسط المدينة في انتظار المسافرين إلى منطقة الحوبان، البوابة الشرقية للمحافظة، وهي رحلة كانت تستغرق 15 دقيقة، لكنها اليوم قد تصل لثماني ساعات بحسب ظروف الطقس والازدحام. ويوضح باسم الصبري وهو أحد سكان تعز "كنت اذهب إلى الحوبان في فترة زمنية قصيرة والآن احتاج إلى أربع أو خمس ساعات".

"واجب أخلاقي"

يقول نائب منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في البلاد دييغو زوريلا إن الهدنة حسَّنت الوضع "في كثير من الجوانب (ولكن) الحياة تبقى صعبة" للغالبية العظمى من السكان.

وأكد زوريلا "من وجهة نظر إنسانية، فإن تجديد الهدنة في الـ 2 أكتوبر هو واجب أخلاقي"، مشيرًا إلى أن "حل النزاع وحده سيسمح للاقتصاد بالتعافي، وسينتشل الناس من الفقر ويقلل الاحتياجات الإنسانية".

ويخوض مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ جهودا من أجل تمديد الهدنة. من جانبه، يرى الأستاذ بجامعة أوتاوا الكندية توماس جينو أن على المدى الطويل، فإن الهدنة "لم تقم بأي تغيير جوهري" مشيرا إلى أنها "فشلت في بعض الجوانب" كون "هدفها كان طموحا للغاية لرؤية تقدم في مفاوضات السلام". ويضيف "من جانب الحوثيين، لا توجد رغبة جدية في التفاوض والقيام بتسوية مع الحكومة".

أما بالنسبة الجانب الحكومي، فيقول جينو إن الخلافات بين الفصائل التي تحارب الحوثيين تتسع. ويوضح "رأينا خطوط الانقسام التي كانت عميقة للغاية تتسع، وازدادت حدة التوترات وأصبحت عنيفة في العديد من الحالات".

وعلى الرغم من أن هذا الخبير في الشأن اليمني يعتقد أن "من العبث تجديد هدنة غير مجدية" ولا تقوم سوى "بتأخير عودة العنف المتزايد"، لكنه يضيف "لا أرى أي بديل آخر".