تحليل: هل يتضمن الحوار الجنوبي الجنوبي قبول الأطراف السياسية المعارضة للمجلس الانتقالي؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل يستقرئ مآلات الحوار الجنوبي الجنوبي القائم على دعوات المجلس الانتقالي..

ما هي أسس هذا الحوار.. وما المعايير الموجهة لمسيرته؟

كيف يمكن للحوار أن يستوعب الفصائل المطالبة بغير الانفصال؟

هل الانفصال شرط أساسي للحوار مع الأطراف الجنوبية الأخرى؟

كيف ستتقاسم هذه الأطراف المكاسب السياسية في السلطة؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

ما زال الغموض يلف نتائج الحوار الجنوبي - الجنوبي بين المكونات والفصائل الجنوبية السياسية، منذ أن أعلن المجلس الانتقالي دعواته للحوار وانفتاحه على نظرائه من المكونات في الجنوب.

ورغم الجدية التي يحملها الحوار الراهن، مقارنةً بالدعوات التي سبقتها قبل سنوات، إلا أن الفترة التي مضت منذ بدء فعاليات الحوار وجلساته، خاصة في الخارج، لا تنم عن نتائج مُرضية، أو أشياء ملموسة يمكن الحديث عنها أو البناء عليها.

وكل ما يتم الحديث عنه مجرد عموميات، صادرة عن قوى ومكونات الجنوب المشاركة في الحوار، لا تحمل أية تفاصيل، تهدف إلى محاولة الإبقاء على "شعرة معاوية"، والبناء على الرغبة الجدية للحوار والتمسك بها.

غير أن هذه العوامل، ومشاعر التمسك برغبة الحوار لمجرد الإبقاء على الحوار دون تحقيق أي تقدم يذكر حتى الآن، غير كافية للحصول على نتائج ملموسة وحقيقية لصالح القضية الجنوبية، ولا تخدم أي مكون مشارك في هذا الحوار.

> غياب المعايير

يرى مراقبون أن مشكلة الحوار الراهن بين المكونات الجنوبية يفتقر لأهم عوامل التوصل لنتائج واضحة، والتي تتمثل في الأسس والمعايير التي يجب أن يسير وفقا لها أي حوار أو مشاورات.

فالهدف الرئيسي غير واضح من وراء كل هذه الحوارات التي تتم في الداخل والخارج، وتجمع كافة أطياف العمل السياسي في المحافظات الجنوبية، ذات التوجهات المختلفة، والتي تصل أحيانا لدرجة التباين والتناقض.

وحوار كهذا، تنعدم فيه الموجهات الواضحة والمعايير المحددة لأهدافه، قد يتعرض للعرقلة أو التعثر، خاصة مع تأخر الخروج بنتائج حقيقية لمستقبل الجنوب، وهو مستقبل قد يكون محفوف بالكثير من الضبابية، نظرا لتعدد الغايات والتوجهات.

ولعل في هذا الاختلاف والتنوع الذي يحكم المكونات والفصائل الجنوبية المشاركة في الحوار، أبرز مشكلة قد يواجهها الحوار الجنوبي الجنوبي، وربما قد يفضي به في نهاية المطاف إلى الفشل.

وهي نهاية لا يتمناها أي أحد، خاصة في ظل وجود تقارب حقيقي مؤخرا، أشاع أجواء من التأييد الشعبي، عكست أهمية الحوار الجنوبي الجنوبي، وأكدت ضروريته لتوحيد الرؤى السياسية لكافة مكونات الجنوب، بدلا من التشتت والتشظي.

> صراع القيادة

رغم أن الدعوات الحوارية التي أطلقها المجلس الانتقالي الجنوبي ساهمت في تقريب المسافات بين أبناء الجنوب، وأعادت الأمل لتجذير عرى التسامح والتصالح، إلا أن ثمة محاذير تحمل الكثير من المخاوف، وقد تهدد مستقبل الحوار برمته.

أبرز تلك المحاذير والمخاوف، هو احتمالات عدم قبول بعض المكونات الجنوبية والفصائل السياسية في الجنوب بفكرة قبول المجلس الانتقالي كمتسيد للمشهد الجنوبي أو مُعبر وحيد عنه.

فالانتقالي الذي أعلن عن نفسه مفوضا وحيدا ومتحدثا بلا منافس عن تطلعات الشعب الجنوبي، قد لا يستسيغ فكرة مزاحمته على هذه المكانة من قبل المكونات الأخرى، وفي المقابل قد لا تقبل الفصائل الأخرى ذلك.

وهو ما قد ينتج عنه صراع حول من سيقود الجنوب في قادم الاستحقاقات، أو من سيتصدر المشهد السياسي للمطالب بالحقوق الجنوبية، في ظل وجود معارضين للانتقالي، حتى وإن انخرطوا بالحوار، وبالتالي التأثير على مسار ومصير الحوار الجنوبي الجنوبي.

> اختلاف الغايات

إضافة إلى كل تلك المحاذير، وغياب المعايير في نفس الوقت، ثمة مخاوف أخرى، يتمنى مراقبون إلا تكون مؤثرة للغاية على مسار الحوار الجنوبي، وجهود التقارب.

وتكمن هذه المخاوف في تعدد الغايات والأهداف السياسية لكل مكون وفصيل جنوبي، وبالتأكيد فإن كل تلك الغايات لا تتوافق ولا تسير في نفس الخط، فلكل وجهته وقناعاته السياسية، ونظرته لمستقبل ومصير الجنوب.

ففي الوقت الذي يعلن المجلس الانتقالي أنه يسعى للانفصال عن الدولة اليمنية، واستعادة دولة الجنوب ما قبل 1990، هناك من يوافقه هذا التوجه ويسير في ركب هذه الغاية، حتى وإن لم يتفق مع الانتقالي كمكون سياسي.

لكن في المقابل، هناك مكونات جنوبية لا تحمل نفس الغاية، ولا ترى في أهدافها السياسية ما يستدعي الانفصال الكامل عن الجسد اليمني الذي ترى أنها جزء منه، مهما كانت تجاوزات النظام الحاكم في حقبة من الحقب.

وثمة من لا يطالب بالانفصال البتة، ويرى في أن القضية الجنوبية يمكن أن تتم معالجتها في إطار دولة الوحدة، أو داخل نظام اتحادي فيدرالي، أو حتى كونفدرالي، يتجسد فيه مصير القضية.

وهذا الاختلاف قد لا يكون بالضرورة سببا بفشل الحوار الجنوبي الجنوبي، بقدر ما يعطيه تنوعا وآفاقا واسعة لخيارات متعددة تضمن انسيابية وانفتاحا على مصالح الجميع.

> الانفصال كشرط للحوار

لا يُسلّم أي من المراقبين بأن الانفصال شرط أساسي من أساسيات الحوار الجنوبي الجنوبي الراهن، وذلك عطفا على غياب الأسس والمعايير الحاكمة لهذا الحوار.

وعليه، لا تبدو أن النتائج التي قد يفضي إليها هذا الحوار مقتصرة على الانفصال، خاصة وأن الدعوات التي أطلقها المجلس الانتقالي تزامنت مع تحولات جذرية في المشهد السياسي اليمني، برعاية دولية وإقليمية.

ويرجح متابعون أن الانتقالي ما كان ليُقدِم على الدعوة للحوار لولا دفعه من اللاعبين الإقليميين والخارجين الراغبين بترتيب البيت الجنوبي قبيل أي تسويات سياسية مرتقبة للأزمة اليمنية والحرب الدائرة في البلاد.

ووقع الاختيار على المجلس الانتقالي الجنوبي لإطلاق هذه الدعوات، كونه المكون الجنوبي المعترف به محليا ودوليا، ويمتلك علاقات وثيقة بدول التحالف تصل لدرجة الدعم، كما أن بإمكانه التواصل مع مكونات الجنوب في الداخل.

ولهذا، لا يبدو خيار الانفصال بأنه شرط من شروط هذا الحوار، الذي جاءت خلفيته محكومة برغبة خارجية، وهو ما يجعله حوارا موجها، بحسب ما يريده الآخر، وليس ما يريده الجنوبيون، كما أنه منفتح على كل الخيارات التي تتعدد بتعدد المكونات المشاركة في هذا الحوار.

> مآلات المشاركة السياسية

لا حدود للمخاوف التي قد تتربص بالحوار الجنوبي، فعلى أهمية هذا الحوار القصوى، إلا أن المخاوف لا تنتهي، عطفا على مطالب كل فصيل ومكون جنوبي من وراء مشاركته في هذا الحوار.

وبطبيعة الحال، فإن كل المكونات السياسية المنخرطة في الحوار لها أهداف سياسية، قد تصل إلى احلام المشاركة في السلطة، إن لم يكن الانفراد بها، كحق مشروع لكل كيان سياسي.

وهذه الجزئية الخطيرة قد تهدد مستقبل الحوار، من خلال الكيفية والآلية التي يجب أن يضمنها لمستقبل كل مكون من المكونات، فمجرد التسليم بنتائج أي حوار من الضروري أن تحمل معها ضمانات بالحصول على مكاسب سياسية.

ويمكن لهذه المعضلة أن تعالج عن طريق إيجاد توافق جماعي بتأسيس كيان جنوبي جامع، يكون معبرا عن تطلعات الجنوبيين كافة، يضمن للجميع المشاركة في السلطة خلال الاستحقاقات القادمة التي تنتظر البلاد.