ما الذي سيترتب على الهدنة القادمة.. وهل ستكون الأخيرة؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل يقرأ في ما وراء الإصرار الدولي على تمديد وتوسيع الهدنة القادمة في اليمن..

هل ستحمل الهدنة بوادر إنهاء الحرب في اليمن؟.

ماذا بعد توسعة الهدنة.. وهل فعلا ستنجح في التهيئة للسلام أم أنه ما يزال بعيدا؟.

كيف ستواجه المناطق المحررة تبعات المكاسب التي سيحققها الحوثيون في الهدنة القادمة؟.

(عدن الغد) القسم السياسي:

ثمة إصرار دولي على مختلف الأصعدة لتمديد الهدنة الإنسانية التي أقرتها الأمم المتحدة منذ بداية أبريل/نيسان الماضي، وتم تمديدها ثلاث مرات متتالية.

إلا أن تلك التمديدات تبدو وكأنها غير كافية عند المجتمع الدولي، الذي يصر على تمديد الهدنة، رغم كل الشواهد والبراهين التي تؤكد نكث مليشيات الحوثي لكافة بنودها، عسكريا وإنسانيا.

فالمليشيات ما انفكت تواصل تحشيدها العسكري، واستعراض قوتها وعتادها وأسلحتها كلما أتيحت لها الفرصة، بالإضافة إلى الخروقات الميدانية المتواصلة للهدنة على كافة الجبهات.

كما أنها قامت- كعادتها- باستغلال معاناة المواطنين الإنسانية في مناطقها، وحرمانهم من مرتباتهم ومن كافة الخدمات المفترض أن توفرها كسلطة أمر واقع، ووظفتها سياسيا.

فلا هي صرفت المرتبات التي كانت ضمن بنود الهدنة الأولى والثانية والثالثة، من عائدات بيع المشتقات النفطية التي استقبلها ميناء الحديدة، ولا هي وجهت هذه المشتقات لخدمة الناس، بل استغلتها لمجهوداتها الحربية.

ورغم كل تلك المثالب على الهدن المتلاحقة التي يدركها القاصي والداني، إلا أن ثمة إصرار أممي ودولي، على تمديد الهدنة، يحظى برعاية أمريكية عبر مبعوث واشنطن إلى اليمن، وسط حديث عن "فوائد"، يجب أن تستمر.

ولا يدري أحد أين هي تلك الفوائد التي يتحدث عنها المبعوثان الأممي والأمريكي من استمرار الهدنة المتلاحقة في اليمن، والتي تشهد تواصلا لسقوط الضحايا من الأبرياء نتيجة خروقات الحوثيين، وعدم صرف مرتبات السواد الأعظم من اليمنيين، كما نصت الهدنة بذلك.

تساؤل كهذا يجعل من الإصرار الدولي على تمديد الهدنة، مستهجنا ومريبا، غير أن الشيء الأكثر استهجانا هو الدعوة لـ"توسيع" الهدنة، وليس فقط تمديدها، وهو ما خرجت به تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غويتريش، مؤخرا.

> شكل الهدنة القادمة

الإصرار الدولي والأممي على توسيع الهدنة وليس فقط تمديدها، يحمل في طياته الكثير من القراءات والدلالات التي تبوح بمستقبل هذه الهدنة، بل ومستقبل الصراع في اليمن.

فالتوسيع يقصد منه، البدء في عمليات تطبيع الأوضاع في اليمن، خاصة في مناطق سيطرة الحوثيين، والشروع في عمليات تهيئة الأجواء وترتيبها لما هو قادم من تسويات للحرب، هذه التسويات بدأت بالفعل تلوح في الأفق.

وهذا يجعل الهدنة القادمة تحمل شكلا جديدا مختلفا عن سابقاتها، وهي هدن لم تكن سوى مجرد جس نبض، وتهيئة الناس والمواطنين لما هو قادم من تفاهمات سياسية وعسكرية، تحمل بوادرها الهدنة القادمة.

لهذا يعتقد متابعون أن هذه الهدنة ربما قد تكون الهدنة الأخيرة، بين الهدن الأممية المتلاحقة التي بدأت مطلع أبريل/نيسان الماضي، واستمرت شهرين، ثم جددت لشهرين إضافيين، لثلاث مرات متتالية تنتهي آخرها أواخر سبتمبر/ أيلول الجاري.

والشكل المختلف للهدنة سيكون موسعا، أي أنها لن تكتفي بشهرين، بل ربما تستمر نصف عام، ستة أشهر متتالية من اللا حرب، كما ستتضمن فتحا شاملا لمطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرة الحوثيين.

بالإضافة إلى توسيع حجم السفن والبواخر النفطية والتجارية التي سيستقبلها ميناء الحديدة الخاضع بدوره لسيطرة الانقلابيين الحوثيين أيضا.

وجميعها ترتيبات توحي بأن الهدنة القادمة عبارة عن "بروفة" أولية لما بعدها، وهي ترتيبات تسبق بقليل إيقاف الحرب وبدء تسوية سياسية تمهد لسلام دائم في اليمن، وتجاوز مرحلة الحرب التي استمرت ثماني سنوات، ما يجعل هذه الهدنة هي الهدنة الأخيرة تقريبا.

> بوادر إنهاء الحرب

كما أن ما يجعل من الهدنة القادمة تحمل في ثناياها بوادر إنهاء الحرب في اليمن، أنها هدنة موسعة في فترتها الزمنية، بالإضافة إلى بنودها الشاملة.

وبحسب مراقبين، فإنه من المستبعد أن يتم اعتماد هدنة بهذا الشكل وهذا الشمول، دون أن يكون هناك توجه دولي قبل أن يكون إقليميا، وتوافق على مستقبل الحرب، التي بدأت تضع أوزارها في اليمن، على ما يبدو.

وهذا التوافق الإقليمي حملته التصريحات الإيرانية الأخيرة، التي تضمنت انفتاحا على السعودية، وقبولها برغبة المجتمع الدولي في إبرام المزيد من الهدن الأممية والإنسانية، تمهيدا لتحقيق "السلام الدائم"، على حد تعبير تصريحات قادة طهران.

الأمر الذي يؤكد أن الهدنة القادمة، والتي وافق عليها الطرفان الداعمان للأطراف المتصارعة في اليمن، ستكون بمثابة الهدنة الأخيرة، التي سينبني عليها سلام دائم، بحسب قراءات الوضع الراهن على الأقل.

> بين النجاح والفشل

لكن الأمر في نهاية المطاف لن يكون بهذه البساطة، في إنهاء الحرب والصراع، فثمة توجه للأطراف الخارجية التي تحرك المتصارعين في الداخل اليمني لاستغلال اليمن وصراعاته في الحصول على مكاسب سياسية من المجتمع الدولي.

كما لا يمكن تمرير التوافق الإقليمي على الهدنة القادمة، دون أن يتم ربطها بتنازلات أو مكاسب يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك، ومتى ما تعثرت عملية الحصول على تلك المكاسب، فإن جبل التوافق هذا من المرجح أن ينهار، وتنهار معه آمال السلام الدائم في اليمن.

فجميع الأطراف تنظر لليمن بأنها مجرد ورقة للضغط، وحتى للابتزاز، متى ما تحققت مصالحها وضمنت مكاسبها فإن السلام يمكن أن يكون متاحا، ومتى ما تعثرت مكتسباتها اشتعلت البلاد بالحرب من جديد.

ويبدو أن المكاسب قد وزعت، والمصالح تحققت لدى كثير من الأطراف الإقليمية والدولية، وهو ما يبرر اعتماد الـ"بروڤة" الأولية للسلام المرتقب، ويفسر الإصرار عليها وعلى اعتمادها بهذه القوة والحماسة، لدى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

> من الخاسر.. ومن المستفيد؟

أي هدنة، أو أية "صفقات" سلام، لا يمكن تمريرها دون الحصول على مكاسب، وهذا أمر طبيعي، تتوافق حوله أطراف الصراع بالتراضي، لكن في الحالة اليمنية، وفيما يتعلق بالهدنة القادمة، لا تبدو الأمور أنها تسير وفق تراضٍ متبادل، أو على الأقل هكذا يستشعرها المراقبون.

فمكاسب الهدنة القادمة مع توسيعها وشموليتها، تميل بكفتها لصالح مليشيات الحوثي، وهو ما تؤكده الشواهد، من خلال توسيع نطاق الرحلات عبر مطار صنعاء لتصبح مفتوحة بشكل كامل، وليست مقتصرة على رحلات محددة.

بالإضافة إلى أن ميناء الحديدة، سيفتح أبوابه على مصراعيها لاستقبال كافة أنواع السفن، ليس فقط سفن الوقود والمشتقات النفطية، بل حتى البواخر التجارية، وسفن البضائع.

وهذا يعني، بل ويؤكد أن هناك من سيتضرر من كل هذا الوضع والتغير في المشهد العام، وهي هنا المناطق المحررة، وعلى وجه التحديد ميناء عدن ومطارها الدولي، مقابل مكاسب مضمونة ستحققها المليشيات.

فبحسب تقارير اقتصادية، فإنه بمجرد استئناف نشاط ميناء الحديدة، فإن ميناء عدن سيخسر ما نسبته 85 % من النشاط التجاري، وتحويل كافة سفن الوقود صوب الحديدة، بدلا من ميناء الزيت بعدن، كما أن تطبيع الحركة الملاحية لمطار صنعاء، ستضرب مطار عدن بمقتل، وفق مراقبين.

ومن هنا يتضح موقف الخاسر أو المستفيد من الهدنة القادمة، والتي من غير المعقول أن تمر هذه الحقائق مرور الكرام على قادة المجلس الرئاسي دون التنبه إليها، وما قد تتسبب به من أزمات في الوقود أو شحة البضائع التجارية والسلع الأساسية للمواطنين في المناطق المحررة!.

وما يزيد الطين بلة، أن الهدنة القادمة من المتوقع أن تضمن، بل وتلزم صرف مرتبات الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين، المنقطعة مرتباتهم منذ 7 سنوات تقريبا.

وهو ما قد يثير حفيظة الموظفين في المناطق المحررة، والذين يعانون هم أيضا من انعدام المرتبات أو على الأقل عدم انتظامها، وبالتالي المطالبة بالحصول على مستحقاتهم، الأمر الذي قد يفجر احتجاجات غاضبة بهذا الشأن.

> دراسة جدوى الهدنة

كل ما سبق من تباين في الفوائد والمكاسب والخسائر، يحتم على المجلس الرئاسي والحكومة، دراسة جدوى هذا التمديد والتوسيع الجديد للهدنة الأممية.

خاصة في ظل إصرار دولي وأممي، تتقدمه واشنطن، كما أن ما يزيد الأمر ريبة، أنه يحظى بموافقة طهران، التي لا يمكن أن تبدي موافقتها إلا إذا كانت الهدنة لصالح ربيبتها المدللة "مليشيات الحوثي".

وفي العموم، فإن الهدنة ببنودها تلك قد لا تخدم السلام الدائم في اليمن، إذا استمرت المليشيات تجني المكاسب، فيما الحكومة الشرعية بكافة مكوناتها وأطيافها وقواها السياسية تقدم التنازلات تلو الأخرى.

كما أن استعراض المليشيات لقوتها بشكل مستمر خلال الفترة الماضية، لا يبعث الشعور بالاطمئنان أن ثمة سلاما قادما سيكون دائما في اليمن، فالإبقاء على سلاح المليشيات أولى المخاطر المحدقة باستمرار بأي سلام محتمل في البلاد.