تقرير: كيف ساهمت وسائل الإعلام في إذكاء نار الصراع المحتدم بين مختلف الخصوم؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتحدث عن دور وسائل الإعلام في تأجيج الصراعات والدعوة إلى تهدئة الشحن الإعلامي..

الإعلام المضلل..

تقرير/ ماجد الكحلي:

شاركت وتشارك وسائل الإعلام بشكل عام في إذكاء نار الصراع المحتدم بين مختلف الخصوم السياسيين. ولهذا انقسم إعلامنا إلى معسكرين، يتخذ كل منهما طرفاً للوقوف بجانبه إعلامياً دعائياً وسياسياً وأيديولوجياً. لا تنفك تلك الوسائل، وعلى مدار الساعة، من الإشادة بهوية طرف والحط من قيمة الآخر.

في النهاية، يسير الواقع باتجاه الاستقطاب المحلي والإقليمي والدولي لصالح فئة ضد أخرى. ثم تبدأ تلك الفئات المتصارعة بالجمهرة والتسلح والحشد الإعلامي، ومن ثم، السعي للحصول على الأموال الكافية لتمويل زخم الحروب الأهلية المستعرة.

ويبدو أن جزءاً كبيراً من المسؤولية في الصراعات والحروب الأهلية الدائرة، يقع على عاتق أصحاب ومديري وسائل الإعلام المختلفة، وهذا يؤكد أن لديهم نقصا واضحا في الإحساس بالمسؤوليات الوطنية والقومية والإنسانية، بتبعات بث مواد إعلامية مسمومة محمومة، توصف بالتحريض والحث على الكره والانتقام والثأر. ذلك ما يزيد من ديمومة وزخم حمام الدم والحروب المستعرة، ويطوّرها أفقياً وعمودياً، حتى أصبحت كل فئة تتهم الأخرى بالإرهاب، وتحاول كل جهدها تلبية النداءات الدولية للتخلص من الإرهاب، حتى وصل بنا الحال إلى أنه لا تكاد تجد وسيلة إعلام واحدة إلا ما رحم ربي تدعو حقيقةً إلى التسامح والتصالح والابتعاد عما يذكي نيران الفتن.

> دعوة إلى تهدئة الشحن الإعلامي

وحقيقةً فإن الإعلام يلعب دورا خطيرا للغاية في تأجيج الصراعات وشحن الفئات البشرية بالحقد والكراهية ضد بعضها بعضا وهذا ما يحدث في اليمن، لاسيما في أحداث شبوة الأخيرة التي أرهقتنا وسائل التواصل الاجتماعي بأخبار مزورة وصور مفبركة وبيانات مزيفة، ولهذا أصدر الاتحاد العام للإعلاميين اليمنيين بيانا عن الأحداث الأخيرة في محافظة شبوة والتي ارجعها إلى الشحن الإعلامي، داعيا إلى تهدئة الشحن الإعلامي ووحدة الصف الوطني.

وقال الاتحاد في بيان صادر عنه "تابع الاتحاد العام للإعلاميين اليمنيين، الأحداث المؤسفة التي مرت بها محافظة شبوة، وما رافقها من تطورات كانت بمثابة عبئًا ثقيلًا على المجتمع بمختلف توجهاته السياسية، وهو نتاج طبيعي للشحن الإعلامي وغياب دور المؤسسات الوطنية والرسمية لتوحيد الخطاب الإعلامي حفاظًا على وحدة الصف والخروج بالوطن إلى بر الأمان".

وأضاف البيان "ونحن نتابع ما أسفرت عنه هذه الأحداث المؤسفة وما رافقها من انهيار وسقوط للمهنية الإعلامية، بمخالفة واضحة للضوابط الإعلامية والوطنية، واتفاق المبادئ الإعلامية والذي انعكس ذلك على الأحداث المؤسفة، فإننا في الاتحاد العام للإعلاميين اليمنيين، ندعو إلى سرعة تنفيذ مخرجات مشاورات الرياض وخاصة تلك المتعلقة بهيكلة وزارة الإعلام وإعادة النظر في الأشخاص التي ساهمت ولاتزال في تأجيج الصراع في اليمن وتطبيع مخرجات الفريق الإعلامي".

وأكد البيان "إن أحداث شبوة نتاج طبيعي لانهيار المنظومة الإعلامية وعدم انضباطها، وفشل الجهات المعنية في تنظيم العمل الإعلامي، بما يخدم التوجهات الوطنية لمجلس القيادة الرئاسي، للوصول إلى سلام شامل ومستدام في اليمن".

ودعا "كل المكونات السياسية الوطنية إلى الالتزام بمخرجات مشاورات الرياض، وقرارات مجلس القيادة الرئاسي، لدعم حالة الإجماع الوطني، خصوصًا وأن المرحلة تقتضي الوقوف مع قيادة الدولة لتجاوز المرحلة وإيجاد شراكة حقيقية بعيدًا عن انفراد مكون سياسي واحد في السلطة وتحديدًا في الوظائف ذات الدرجات المختلفة في السلم الوظيفي للدولة".

ووضح الاتحاد "أن أحداث شبوة وما رافقها ويرافقها من شحن مناطقي وعنصري وتطرف يتطلب قانون تنظيم الإعلام بشقيه الرسمي وغير الرسمي، بما يخدم توجهات المرحلة في استعادة الدولة وإحلال السلام الشامل والعادل".

واختتم البيان بالقول "إن المجتمع اليمني بات يبحث عن السلام ولا يتحمل المزيد من الصراعات والأفكار الهدامة والمتطرفة والأقلام التي تعمل دونما مهنية أو التزام وطني أو أخلاقي في ظل فضاء إعلامي مفتوح، يتطلب الاستفادة منه في لملمة جراح اليمنيين وتقريب وجهات النظر والوصول باليمن إلى بر الأمان".

> تأجيج الحروب بالتضليل

لطالما كان التحكم والسيطرة على المعلومات عنصرًا حاسمًا في الحروب والصراعات المسلحة، إذ من المحتمل دائمًا أن يتضمن هذا التحكم نشر محتوى مضلل يساعد على شنّ عمليات عنيفة وعلاقات مضطربة.

من جهة أخرى قد يحتاج السياسيون وأصحاب المصلحة إلى نشر معلومات مضللة للمساعدة في الترويج لأفكارهم ومعتقداتهم. لكن أيضًا، المواطن العادي، الذي يمكنه استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لنشر قصة مضلّلة، قد يلعب دورًا هو أيضًا في وقوع صراع.

وتأكيدا على دور المعلومات المضلّلة في نشوء الصراعات المُسلّحة، هو اتهام العراق بامتلاك أسلحة كيميائية الذريعة الرئيسة للغزو الأميركي للأراضي العراقية عام 2003، في حين تبيّن أنّ تصريحات المسؤولين الأميركيين حول وجود أسلحة دمار شامل أو أسلحة كيميائية في العراق، غير مستندةٍ إلى أيّ دليل، بل اتضح أنّها محض اختلاق.

> الأخبار الكاذبة تهدد حياة المدنيين

في الوقت الراهن انتشرت الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة بشكل كبير ومُعقّد، بطريقة صار من الصعب كشف بعضها، أو التيقن بشأن بعضها.

وفي حين يعمل مدققو الحقائق ومنصات فحص الحقائق على كشف هذه الادعاءات، إلا أنّه من غير الممكن مواجهة الكميات الهائلة من المعلومات المضلّلة التي يتم تداولها عبر الإنترنت، وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد يساعد الانتشار الكبير للأخبار المضللة في النزاعات المسلحة إلى تهديد متزايد باستمرار تجاه حياة المدنيين، الذين قد يتعرضون للعنف الانتقامي أو نقص المعلومات الضرورية لصحتهم أو لحمايتهم أو، على أقل تقدير، الاقتصاص لحقوقهم بعد تعرضهم للعنف، بسبب التشويش بالمعلومات المضللة.

وبما أنّ المدنيين عانوا من الحروب، وكانوا دائمًا الضحية الحقيقية للنزاعات المسلحة، وُضعت مجموعة مختلطة من تدابير الحماية المستمدة من القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، تهدف إلى الحدّ من عمليات التضليل أثناء النزاعات المسلحة، على الرغم من تضمنها العديد من أوجه الغموض والثغرات.

> الصراعات قيمة إخبارية

ولا شك في أن وسائل الإعلام اعتبرت أن الصراعات هي قيمة إخبارية. فهل زادت تغطية وسائل الإعلام للنزاعات من حدة العنف فيها؟ وهل اكتفت بنقل واقع تلك النزاعات كما هو أم ساهمت في تأجيجه، ربما باتباع أساليب معالجة غير مهنية للأخبار؟ وهل مهمة الصحافي نقل الأحداث وفق أهميتها، وبالتالي تكون الأولوية لتغطية الصراعات والحروب بشكل مبني تماماً على الحقائق والوقائع، أم أن من واجبه في بعض الأحيان إخفاء حقائق للحفاظ على السلم الأهلي وعدم إثارة نزعات عنفية انتقامية في نفوس الجماهير؟.

وبالنظر إلى أنه لم يعد من الممكن تحجيم أخبار الصراع في وسائل الإعلام العربية لارتباطها بالواقع المتأزم، إذ سيكون مصير أية وسيلة إعلامية تتجاهل تلك الأخبار الفشل وانصراف المتابعين عنها، فإن مهمة تلك الوسائل تكمن في كيفية تغطية الصراع فكلما كانت التغطية حيادية واستندت على تعريف الجمهور بخلفيات الأحداث وأسبابها وقامت بتحليلها زادت وعي الجمهور بالصراعات الدائرة حوله.

ولهذا آن الأوان، وأكثر من أي وقت مضى، كي تصلح وسائل الإعلام أنفسها، وتعدّل مواقفها ولهجتها، وتتبع نهجاً أكثر عقلانيةً وسلميةً والتزاماً، وإنصافاً للفئات المنسية والمغضوب عليها من قبل وسائل الإعلام!. عدا عن ذلك، فإن نيران الفتن العمياء والحروب الأهلية سهلة الإشعال بالطرق الإعلامية، لن توفر شخصاً أو فئةً أو مكاناً أو بؤرةً ديمغرافيةً.