لا غفران لمن يقتلنا (قصة )

كت// أحمد الجعشاني

كنت لا أستطيع أن اتعلم الاشياء بنفس الطريقة التي يتعلم الاخرون بها . كانت هيا الوطأة التي حملت على عاتقها كل ذلك . هي الام و الطبيب والمعلم والمرشد .  هي من كانت تحملني بين ذراعيها وأنا صغير يتوسل ثديها . وهي من تضعني في الحمام وتغسلني من الاذى  رغم بلوغي سن الثلاثين عام . رجل ولكن اي الرجال أنا . وهي من تلبسني الثياب وتضع العطر في اكناف ثيابي . وهي من تضعني على السرير عند النوم  . اه كم كنت  عبئ ثقيلا عليك يا امي . أعرف انها ليس شفقة ولا منة منها . كان ذلك هو الحب حب الغريزة والأمومة التي خلقها الله فيها . وليس كل الامهات مثلك يا امي . حين رفضتني المدرسة . لأني لا أستطيع أن اتعلم بنفس الطريقة التي يتعلم بها الاخرون .ولا يمكن للنظام ان يتغير لأجلي . لكنها  ادخلتني المدرسة بعد أن رفضتني المدارس كلها . لا توجد مدارس خاصة لذوي الاحتياجات في بلد فقير يعاني . لكن بإصرارها وعزمها ورجائها للمسئولين دخلت المدرسة . فكنا نذهب معا سويا ونعود سويا . وفي الطريق كانت النظرات مؤلمه وهي ترمقنا . الا نظراتك انت . كانت هي من تجاملني بابتسامة منها . ليس من شيء في هذا العالم مثل امي . لولا امي ما اكملت الطريق في هذه الحياة . لولا امي ما استطعت المشي ولو قليلا الى دورة المياه . ولولا امي ما أستطعت الجلوس على الجلوس الكرسي المتحرك . ولولا أمي ما استطعت القراءة والكتابة . 

في اللحظات القليلة  التي كنت أجلس فيها  أمام البيت علي كرسي متحرك . عند الأصيل  تكون الشمس قد افلت من مكانها خلف السحب المتراكمة . وانا ارى تلك النظرات من عيون الاخرين وهم يمرون من امامي . لا يكترثون  او يحسون بوجودي . مثل شيء جامد ليس فيه روح . حجر من حجار الارض . او  عمود نور ثابته او سيارة متوقفة امام منزل . حينها كانت تتملكني الشفقة على نفسي . والرغبة في البكاء كنت اريد أن اصرخ كا المجنون . لكني اظل صامت هنا وحدي بمشاعر مؤلمة . وبنبرات الحزن و الاسى . واحاسيسي الممزقة . لم أكن أعلم اني خارج نسيج هذا العالم . ولا يحق  لي  الصحبة مع الاخرين للعب معهم او للحديث معهم . فا أنا لست مسؤولا اني خلقت بخلل عضوي ولدت به . ولست مسؤولا عنه . اي عالم هذا الذي لا يبالي ولا يكترث لشخص مقعد معوق . بحاجة إلى عالم اخر . يغوص فيه يتفاعل معه ويشاركه حياته . كنت لا اجد نفسي الا في الاحلام . عالم من الخيال حياة اخرى . موجودة في مخيلتي ولكنها لا تكفي . أما العالم الحقيقي فهو منقطع عني . فاجد نفسي مقهور عاجز لا مكان لي بين الاحياء . فقدت طعم الحياة من بعدك . أني موعود اليوم مع عالم جديد من غيرك . سوف اجرب الحياة من دونك . قد يكون صراع بين امل البقاء في هذه الحياة . او اللحاق بك في قابل الايام .. انتظريني ربما لم يطول انتظارك لي .

 ولا غفران لمن يقتلنا .