تحليل: هل فقد البحسني أبرز نقاط قوته أم سيتواصل نفوذه السياسي بحضرموت؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل لمسيرة حياة وتاريخ اللواء ركن فرج البحسني وإدارته لمهامه العسكرية والمدنية التي تقلدها..

ما هو دور الرجل في حالة الاستقرار النسبي التي عاشتها حضرموت خلال عهده؟

ما المكاسب التي تحققت في عهد البحسني كقائد للمنطقة العسكرية الثانية وعلاقته بالمحافظ الأسبق بن بريك؟

كيف استطاع أن يصنع من حضرموت نموذجا أفضل مقارنةً بغيرها من المحافظات؟

كيف نجح الرجل في إيجاد مؤسسة أمنية وعسكرية متماسكة وتجنيب حضرموت الصراعات؟

ما سبب اختلال الاستقرار الخدمي بحضرموت والفشل في تثبيت معادلة سياسية متوازنة؟

ما هي نظرة كل من معارضيه ومؤيديه.. وكيف يقارنون بين الفشل والنجاح في إدارة المحافظة؟

كيف واجه الرجل الانتقالي وما طبيعة صراعاته مع المسئولين المحليين في الوادي؟

هل فقد الرجل أبرز نقاط قوته وهو منصب المحافظ.. أم سيتواصل نفوذه السياسي بحضرموت؟

كيف سيتعاطى الرجل مع المشهد السياسي أم سيتحول دوره إلى هامشي؟

تواجد الرجل في المجلس الرئاسي.. ما مدى ارتباطه بإعفائه من منصب المحافظ؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

أسال قرار إقالة اللواء ركن فرج سالمين البحسني من منصب محافظ محافظة حضرموت الكثير من حبر المراقبين ومتابعي الشأن اليمني.

خاصة وأن هذا القرار جاء عقب خلافات عصفت بمحافظة حضرموت، ودخل فيها اللواء البحسني في مواجهات مع مسئولين محليين، اوقفهم عن القيام بمهامهم على خلفية "تجاوزات إدارية".

وبغض النظر عن أسباب الخلافات مع مسئوليه، إلا أن بعض المراقبين لا يرون أن هذه الخلافات هي المبرر وراء إقالة البحسني، فهناك الكثير من الأسباب والعوامل.

وبعيدا عن ملابسات الإقالة من رأس محافظة حضرموت، إلا أن شخصية بحجم البحسني أثارت الكثير من الجدل خلال السنوات الماضية.

خاصة وأن الرجل جمع بين المناصب العسكرية والمدنية، كون المسئوليات العسكرية والمدنية في بلد باليمن تسير في خطين متوازيين، لا يمكن لهما أن يلتقيا؛ نظرا لطبيعة كل مسئولية ومنصب.

> جدلية العسكري والمدني

التاريخ العربي واليمني تحديدا، جعل من الخلط بين ما هو مدني وما هو عسكري تقليدا خاصا به، حتى بات هو الأصل، وما دونه أمر شاذ.

لهذا شهد التاريخ السياسي العربي واليمني على وجه الخصوص تداخلا في قيام العسكريين بالتدخل في الشئون المدنية، بل وتولي مسئولية إدارتها.

قد يرجع هذا الخلط إلى الحياة السياسية في المنطقة برمتها، والتي شهدت انقلابات العسكريين على أنظمة الحكم وتولي السلطة، حتى صار الفكر العام مقيدا بهكذا مسار.

وبما أن الأمر بات واقعا وتقليدا قلما يتم الخروج عنه، كان لزاما على من يجمع بين المسئوليات العسكرية والمدنية أن يتحمل مسئولية كل المناصب التي يتولاها، وهو ما تجسد حتى في منصب رئيس الجمهورية، سواء في اليمن أو دول عربية أخرى.

فغالبا ما يكون الرئيس ذا خلفية عسكرية، رغم أن مهامه كرئيس هي مهام مدنية، وانعكس هذا على مناصب أخرى، كمحافظي المحافظات وبعض الوزارات وغيرهم.

لكن العنوان الأبرز، كان أن يتولى عسكريون مهام إدارة المحافظات اليمنية، طيلة العقود الماضية، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم.

ورغم أن مثل هذا الجمع يتناقض وطبيعة العمل العسكري والمدنية معا، إلا أن بعض هؤلاء المسئولين، نجحوا في إدارة مناصبهم كمحافظي المحافظات والجميع بينها وبين المناصب العسكرية.

أحد هؤلاء المسؤولين الذين نجحوا، وفق مؤيديه، كان اللواء فرج سالمين البَحسني، الذي لم يكن نجاحه مطلقا، ولكن أيضا اعترضته الكثير من شواهد الفشل، أو على الأقل العراقيل، بحسب معارضيه.

> مسيرة البحسني

تاريخ الرجل بدأ مبكرا أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأوائل الثمانينيات من خلال دراسته الأكاديمية في المجال العسكري، وعقب ذلك تولى العديد من المناصب الأكاديمية بمدارس الأركان العسكرية في دولة جنوب اليمن.

وتدرج البحسني في سلم الرتب العسكرية حتى بات صاحب مكانة رفيعة، دفعته ليكون قريبا من القيادات العسكرية العليا في البلاد وتحديدا عقب تحقيق الوحدة اليمنية في 1990.

خلال حرب صيف 1994، كان البحسني في صف القوات الشمالية قائدا لجبهة خرز في أقصى غرب محافظة لحج، وصمد فيها رغم قربها من مدينة عدن، واستمر صموده حتى سقطت هذه الأخيرة بأيدي قوات صنعاء.

عقب ذلك تولى منازل قيادية في الأكاديميات العسكرية شمالا وجنوبا، لكنه فجأة اختفى عن الساحة لفترة تزيد على عشرين عاما، ولم يعد إلى الواجهة إلا في عام 2015، حين تم تعيينه قائدا للمنطقة العسكرية الثانية، ضمن الهيكلة الجديدة للجيش اليمني.

وكانت علاقته مع محافظ حضرموت حينذاك اللواء ركن احمد بن بريك، يسودها التأرجح، لكنهما اتفقا على مواجهة تنظيم القاعدة، وتحرير محافظة حضرموت من سيطرة التنظيم المتطرف عام 2016.

لم يقف صعود الرجل عند هذا الحد، بل صدر في العام 2017، قرار بتعيينه في منصب محافظ محافظة حضرموت، ليجمع حينها بين العمل العسكري والمدني.

ويصنف مراقبون هذه العلاقة مع بن بريك بأنها إحدى المكاسب التي تحققت خلال تولي البحسني قيادة المنطقة العسكرية الثانية، بالإضافة إلى مكاسب اهم تمثلت في تحرير حضرموت من القاعدة.

> جدلية الاستقرار والاضطراب

ارتبط حكم العسكر بالاضطرابات، ربما نتيجة خلفيتهم الصارمة المحبة للقمع والعنف إلى حد ما، مقارنة بالمدنيين إذا حكموا.

وهذا البُعد في شخصية قائد عسكري ومسئول محلي مدني مثل البحسني ربما هي من حددت مستوى نظرة المراقبين لفترة إدارة الرجل لمحافظة حضرموت.

فثمة من يرى أنه حافظ على حضرموت بعيدة عن الصراعات الأمنية والسياسية التي شهدتها بقية المحافظات الجنوبية، وهذا أمر صحيح واقعي لا ينكره إلا مكابر.

خاصة وأن جاء إلى سدة المحافظة في عام تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو المجلس الذي لم يخفِ طموحاته في التمدد نحو حضرموت عبر أبين وشبوة، واستطاع فعلا في تحريك أنصاره هناك ضد البحسني.

غير أن هذا الأخير استطاع أن يقدم حضرموت كنموذج إيجابي مستقر في محيط من الاضطرابات الأمنية والسياسية العاصفة، وذلك من خلال إيجاد مؤسسة أمنية وعسكرية متماسكة جنبت حضرموت الصراعات.

وتوازى ذلك مع توفير الرجل للخدمات العامة للمواطنين والعمل على استقرارها، وكان يضرب بها المثل، عند مقارنة كهرباء حضرموت بنظيرتها في عدن على سبيل المثال.

في المقابل، يتهمه المعارضون بأنه أغرق حضرموت في سياسة القمع والعنف واعتقال كل من يعارض سياسته بمن فيهم بعض الصحفيون، والزج بهم في السجون، حتى بلغ مستوى الاستبداد.

بالإضافة إلى أن الفترة الأخيرة من إدارة البحسني للمحافظة شهدت الكثير من التراجع الملحوظ في الخدمات العامة وعلى رأسها الكهرباء، وهو أمر واقعي أيضا ومنطقي، بحسب معارضيه.

> سبب اختلال الموازين

هذا الاحتلال في الخدمات والذي ادخل حضرموت في دوامة الصراعات والاحتجاجات الشعبية و"الهبّات" التي يرى البعض أنها مدفوعة من المجلس الانتقالي، بهدف التخلص من المحافظ البحسني.

ويبدو أن هذا ما تحقق في النهاية، بغض النظر عن مسئولية الانتقالي من عدمه في صراعه مع الرجل، إلا أن البحسني فشل في تثبيت معادلة التوازن بين الرجل العسكري والرجل المدني.

حتى وصل هذا الاختلال إلى مستوى الدخول في صراعات مع مسئولين محليين في بعض مديريات وادي وصحراء حضرموت، والتي يعتقد البعض أنها هي من عجلت برحيله عن إدارة المحافظة.

ظهر البحسني قاسيا في قضية إيقاف مسئولين محليين عن العمل، غير أن هذا يعكس البعد العسكري في الرجل، في رغبة منه لإثبات نفوذه المدني كمحافظ للمحافظة.

وهنا تبرز المعادلة الصعبة في الجميع بين ما هو عسكري وما هو مدني، وذلك في العقلية والوجدان العربي واليمني في تحمل المسئوليات.

وربما هذا ما جعل البحسني يرفض قرار إقالته كمحافظ، أو هكذا زعمت بعض الأخبار الصحفية، واحتجازه في الرياض بسبب هذه الإقالة، وهو إن فعل فإنه يناقض العرف العسكري الذي ينفذ الأوامر بدون نقاش.

لكن هذا التمرد، إذا صح أنه حدث فعلا، يعكس في نفس الوقت ثقافة الرفض وسياسة الانقلاب التي يسير عليها ويعشقها العسكر، في اختلال واضح للموازين الحاكمة لمثل هذه العقليات.

> مصير البحسني

يبدي البعض الكثير من الجدل حول مستقبل الرجل بعد إعفائه من منصب محافظ حضرموت، وأنه سيكون مجرد مسئول هامشي، لكن آخرين يرون أن البحسني يمتلك الكثير لكي يكون حاضرا وفاعلا في المشهد.

هذا الحضور والفاعلية التي يتوقعها مراقبون، لن تكون على مستوى حضرموت فقط، وانما على مستوى اليمن ككل، عطفا على كون الرجل يشغل منصب نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي.

فالبحسني ما زال يمتلك نقاط قوة عديدة، وفق مؤيديه وأنصاره، فحتى لو سلبت نقاط قوته كمحافظ، إلا أنه يبقى صاحب نفوذ عسكري وسياسي (مدني) أيضا.

وما زال الجدل بين ما هو عسكري ومدني قائما في شخصية فرج سالمين البحسني، قائد المنطقة العسكرية الثانية، ونائب رئيس المجلس الرئاسي، هذا ما يحافظ على نفوذه العسكري والسياسي معا، ويجعل حضوره وتفاعله وتداخله مع المشهد السياسي في حضرموت واليمن عموما قائما وحاضرا بقوة.

مع عدم إغفال حقيقة أنه خسر نقاطة قوة في غاية الأهمية، تمثلت في قيادة السلطة المحلية في حضرموت، لكن الرجل ما زال في جعبته الكثير، من خلال تأثير قربه من الرئاسة على مجريات الأمور في حضرموت.

خاصة وأن التركيبة السياسية والمناطقية للمجلس الرئاسي عملت على إحداث توازن ما، تجسد في ممثلي نواب رئيس المجلس للمناطق اليمنية بشكل عام، فكان البحسني ممثلا لحضرموت وما جاورها.

كما أن إقالته من منصب محافظ حضرموت يأتي أيضا منعا لتكرار شغله لأكثر من منصب مدني، إلى جانب كونه نائبا لرئيس المجلس الرئاسي، وهو ما طال أيضا محافظ مأرب سلطان العرادة لذات السبب.