عاملون بلا مؤهلات يقتلون المرضى في مستشفيات اليمن (تقرير)

(عدن الغد) قناة بلقيس:

"بعد وقت طويل، وعلى أحر من الجمر كنت انتظر وصول أول مولود رزقني الله به، ولكن ما أصابني بالإحباط حين شعرنا بأن الطفل لم يتمكن من الرضاعة، رغم محاولات أحد الأطباء، وبعد محاولات طلب منّي الطبيب نقله إلى مستشفى آخر يوجد فيه حضانة، بسبب تضرر الحالة الصحية للطفل" يقول أحمد.

سنوات الانتظار، التي حلم بها أحمد في الحصول على طفله، ذهبت ضحية إهمال طبي ودون أي استشعار للمسؤولية، يتابع قائلا: "استمرت عملية توليد زوجتي من ساعتين إلى ثلاث ساعات من قِبل طبيبة النساء والولادة، وممرضة -قبالة- وتعرّضت للكثير من التعب والوجع بسبب تأخّر الولادة، وتسبب بضمور الدماغ لدى الطفل، نتيجة قلة الأكسجين، لذلك تم الضغط على بطن الأم لمساعدتها على الولادة".

 

- غياب الرقابة

قصة أحمد ليست الوحيدة ولكن الطفل "معتز" هو ضحية أخرى للأخطاء الطبية إذ بدأ الأمر من أحد المستشفيات بمحافظة حجة والتي أقدم مالكه على توظيف عاملة في مجال التمريض لا تحمل أي مؤهلات علمية.

بحسب البيان الصادر عن مكتب الصحة، أوضح أن المركز نفسه أغلق سابقا للسبب ذاته، وعاد إلى نشاطه التجاري عقب دفع غرامة مالية والتزام بعدم تشغيل أي عامل من غير أصحاب المهن الطبية، واعتبر الناشط اليمني "عبدالله" أن مكتب الصحة لم يكلِّف نفسه بالعودة والتحقق من الأمر.

وأوضح أنه رغم قيام والد الطفل بمناشدة وزارة الصحة إلا أن ما أثار القضية قِيام مالك المستشفى بتغيير اسمه، ما اعتبره "تساهلا بحياة الناس وعدم الاكتراث بمناشدات أهاليهم". 

ورأى أنه "إذا تم السكوت عن هذه الإجراءات سيتم إزهاق المزيد من الأرواح".

 

- أدعياء المهنة

تعتبر المِهن الصحية من أكثر الوظائف تنظيما في العالم، ورغم القرارات التي تنظمها إلا أن وقائع الأخطاء الطبية تتكرر بسبب غياب الدور الرقابي، وظهرت الكثير من القضايا للعلن، وعلى رأسها قضية العراقية منى عباس، عقب تسببها بخطأ طبي أدّى إلى وفاة يمنية في مستشفى آزال التخصصي، الذي عملت فيه بشهادة مزوّرة.

ووفقا لمنطوق الحكم الصادر عن محكمة غرب الأمانة في صنعاء في 2017، الذي قضى بإغلاق مستشفى آزال التخصصي، تم إدانة المتهمة غيابيا بالسجن عشر سنوات في جريمة قتلها المجني عليها أمة اللطيف زاهر، وتزوير الشهائد والمؤهلات الطبية لاكتساب صفة المِهن الطبية، مع إلزام المستشفى بدفع تعويض 23 مليون ريال لأولياء دم المجني عليها، وكذلك إلزام المستشفى برد كل ما استلمه مقابل العملية والرقود من رهونات وغيرها، مع مخاسير التقاضي وأتعاب المحاماة.

ويحظر القانون رقم 26 لسنة 2002 الخاص بمزاولة المِهن الطبية والصيدلانية في المادة 4 مزاولة المِهنة إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من المجلس الطبِّي، ويعاقب القانون ذاته في المادة 34 بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، أو بغرامة مالية لا تقل عن 700 ألف ريال على من ادّعى، أو أعلن، أو مارس مِهنة الطب (علاجيا أو جراحيا)، أو مِهنة الصيدلة من غير ذوي المِهنة.

 

- القاتل الصامت

يوضح والد الطفل، في منشور على حسابه الرسمي فيسبوك، أن الخطأ الطبِّي أدّى إلى مقتل طفله، ورغم علمه بذلك قرر العفو عن المستشفى، لكنه فوجئ بتغيير اسم المستشفى، وهو ما اعتبره مشاركة منه في الجُرم في حال السكوت عن ذلك.

وتحدث "عبد الله.م"لموقع "بلقيس نت" بالقول:"إن القضية انتهت بوصول عدد من المشايخ والوجهاء إلى منزل والد الطفل، طلبا منه للعفو عن الحق الشخصي، وبذلك أسدل الستار عن القضية، وإصدار قرار الإغلاق، وتحويل مالك المنشأة الطبية والعاملة إلى النيابة للحُكم عليهم في الحق العام". 

وأضاف: "ضاع الحق العام، ولم تصدر أي جهة رسمية في المحافظة أي توضيحات تجاه تحقيقات النيابة، والحكم الذي أُصدر على مالك المستشفى، الذي رفض في بداية الأمر حتى تقديم واجب العزاء لأسرة الطفل".

وتابع: "قضية الطفل معتز ليست الأولى ولا الأخيرة في ظل تهاون مكتب الصحة في مديرية عبس بمحافظة حجة، أن يعاني طفل من أعراض البرد ويصل على قدميه ويغادر المستشفى جثة هامدة محمولة على النعش، فتلك جريمة ضد الإنسانية".

إحصاءات

وفي محاولة للحصول على إحصاءات رسمية من وزارة الصحة في صنعاء، التي قابلت الطلب بالرفض، واعتبرت أن هذه البيانات سريّة ويتم التعامل معها حسب القانون، وليس بالضرورة نشرها وتزويد وسائل الإعلام بها.

لكن معد التحقيق حصل على أرقام تمكّن من رصدها عبر المصادر المفتوحة وبعض المصادر الخاصة، إذ وثّق -منذ بداية العام 2021 وحتى اللحظة- أكثر من 18 خطأ طبيا، توزّعت ما بين الموت والموت السريري، واستئصال الأعضاء، والتشخيصات الخاطئة.

 

- استئصال الأعضاء

وثّق اليوتيوبر اليمني صدام العزي، على حسابه الرسمي "فيسبوك"، قصة الخطأ الطبي الذي تعرض له، وتسبب بفقدان إحدى كليتيه، موضحا أنه أجرى عملية إزالة الحصوات قبل أربعة أعوام، وكانت كليته في صحة تامة، وبعد أربعة أشهر أجرى عملية فحص أخرى ليتبين تلف الكلية، وعند زيارته لعدد من المراكز الطبية في اليمن وخارج البلاد أوضح له الأطباء أن كليته محطّمة نهائيا، نتيجة خطأ طبي في العملية الجراحية.

من جانب آخر، تشارك أسرة الميت سريريا ماجد العنسي فيديوهات تظهره وهو في حالة إنسانية خطيرة، عقب تسبب خطأ طبي بدخوله في غيبوبة، تسبب بتوقف الدماغ عن العمل، وأصدرت محكمة غرب محافظة إب الابتدائية حكما بإلزام المتسببين بالخطأ الطبي بدفع تسعة عشر دية خطأ لأسرة ماجد، بمجموع 30 مليونا وأربعمائة ألف ريال، والسجن لمدة عام مع إيقاف التنفيذ.

وألزم الحكم مستشفى "المنار" بدفع 50 مليون ريال تعويضا لأسرة الضحية، ودفع مليوني ريال أغرام التقاضي، مع إدانة مدير المستشفى السابق، إبراهيم محروس، وتغريمه 100 ألف ريال تدفع إلى خزينة الدولة، وإلزام المستشفى بمتابعة علاج المجني عليه، وإعالة أسرته بواقع 250 ألف ريال كمرتّب شهري.

وناشدت أسرة العنسي وسائل الإعلام والنشطاء في اليمن النظر إلى قضية "العنسي" عقب وعود من وزارة الصحة التابعة للحوثي بنقله إلى خارج اليمن من أجل تلقيّ العلاج ومتابعة حالته الصحية، ويظهر الفيديو العنسي الذي كان يعمل في شركة "سبأفون للاتصالات" وهو في حالة موت سريري.

واعتبرت المحامية جميلة الورد أن الأخطاء الطبية في اليمن لن تتوقّف إلا بإقرار القوانين التنظيمية، وافتتاح المحاكم المتخصصة بالجانب الصحي، وبصورة مستعجلة؛ تحفظ للمواطن حقه من المخالفات المهنية في المستشفيات اليمنية، وبهذه يتم تعويض المتضررين من الأخطاء الطبية من قِبل القضاة المتخصصين، وهو ما يساعد على تحقيق العدالة. 

وفي بيان صادر عن منظمة الصحة العالمية، أكدت أن إصابة المرضى بالأذى أثناء تلقيهم الرعاية الصحية أمر غير مقبول، ودعت إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من الأذى الذي يصيب المرضى أثناء تلقيهم الرعاية الصحية.

وحثت منظمة الصحة العالمية العاملين في مجال الرعاية الصحية وراسمي السياسات وقطاع الرعاية الصحية على العمل من أجل سلامة المرضى، مؤكدة أن الأثر الشخصي والاجتماعي والاقتصادي، الناجم عن إلحاق الأذى بالمرضى، يؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات في جميع أنحاء العالم.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإنه يصاب أربعة من كل 10 مرضى بالأذى، أثناء تلقيهم الرعاية الصحية الأولية في العالم، وترتبط معظم الأخطاء بالتشخيص والوصفات الطبية، إلا أن مستشفيات اليمن شهدت ارتفاعا في عدد الحالات، ولا يستطيع الكثير الحديث عنها إلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

(تقرير) تم نقله من قناة بلقيس