كيف سيواجه الناس متطلبات العيد.. في ظل ظروف معيشية متدهورة؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول أوضاع المواطنين المعيشية مع اقتراب عيد الأضحى وغياب الإصلاحات الرسمية لمعالجة وتحسين هذه الأوضاع..

رواتب منعدمة وغلاء فاحش في أسعار الملابس والأضاحي.. "بأي حال عدتَ يا عيدُ"؟

لماذا يزداد عدد الأسر غير القادرة على شراء الأضاحي وملابس العيد؟

كل عام تتراجع قدسية العيد وتموت فرحته في النفوس.. ما الذي أوصل الناس إلى هذا الوضع؟

كيف انعكس الوضع الاقتصادي على قدرة الناس على الاحتفاء بالأعياد؟

لماذا لا تسارع الدولة بصرف مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين قبيل العيد؟

أين ذهب الحديث عن الإصلاحات المالية المرتبطة بمعالجة وضع العملة وخفض الأسعار؟

العيد.. فرحة لم تكتمل!

(عدن الغد) القسم السياسي:

يمثل العيد محطةً للفرح والتوسعة على النفس والأولاد والأهل، أو على الأقل هذا ما قد يبدو عليه في أي مكان من العالم، إلا في اليمن.

فالعيد تحول خلال السنوات الماضية إلى مجرد عبء يثقل كاهل محدودي الدخل، ويُضيّق عليهم بمتطلباته واحتياجاته التي يحرص الجميع على توفيرها، وإعلاء شعائره الفرائحية.

لكن هذا العبء والتضييق الذي تفرضه متطلبات الفرح، لا علاقة للعيد فيها، فهو برئ منها، والمتسبب بكل هذه الأعباء هي الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتدهورة التي تمر بها البلاد، والتي تلقي بظلالها وتأثيراتها على المواطنين.

فمنذ سنوات، والعيد في عدن والمحافظات اليمنية عموما، يفتقد لروحه وطقوسه المعتادة، حتى أن الناس من محدودي الدخل تنازلوا عن الكثير من تلك الطقوس؛ نتيجة التردي المعيشي وارتفاع الأسعار.

والحديث هنا بالتخلي عن طقوس العيد، لا يتعلق بالحلويات أو المكسرات أو التفاصيل الصغيرة التي كانت فيما سبق من الأساسيات، ولكن الظروف المعيشية الصعبة للناس أجبرتهم على التنازل عن أساسيات العيد وطقوسه الرئيسية.

فلم يعد أكثر الناس قادرين بالفعل على توفير ملابس مناسبة لأبنائهم، بعد ارتفاع أسعارها بشكل جنوني، أو حتى لم يعد بمقدورهم شراء أضاحي العيد التي باتت أسعارها تفوق مرتبات كثير من الموظفين أضعافا مضاعفة.

هذه الأوضاع جعلت من متطلبات العيد الأساسية، وعلى رأسها أضاحي العيد، "لمن استطاع إليها سبيلا"، بحسب ما بدا يروّج له أكثر البسطاء، في إشارة إلى عدم القدرة على توفيرها، بعد أن قاربت أسعارها حدود 150 - 200 ألف ريال يمني.

> مواجهة غير متكافئة!

يأتي العيد بطقوسه البسيطة المتفاوتة من ناحية الاستطاعة التي يقدر على توفيرها الجميع، ويفرح بها الصغير قبل الكبير، ويقبل عليها الفقير قبل الغني، غير أن ثمة متطلبات أخرى، تشكل فارقا بين المستويات الاجتماعية للناس.

فعلى سبيل المثال، فإن تكاليف الأضحية العيدية مع ارتفاع أسعارها تمثل محورا أساسيا لمقياس "القدرة"، حيث صارت أمرا لا يقدر على توفيرها سوى المقتدرون من الناس، بينما يعجز محدودو الدخل على الإتيان بهذا الطقس الديني خلال العيد.

كما أن ملابس العيد وتكاليفها الباهظة، تدفع الكثيرين من البسطاء إلى البحث عن أماكن وأسواق التخفيضات، أو الاكتفاء بملابس الأعياد السابقة لأبنائهم، في ظل ارتفاعات أسعار الملابس بشكل مبالغ فيه.

وهذه الحالة تجعل من التكافؤ في الاحتفاء بالعيد والفرح به منعدم في مجتمع مثل المجتمع العدني أو اليمني عموما، بسبب تفاوت المستويات الاجتماعية ومستويات القدرة المالية بين أفراده.

وما يجعل المواجهة بين الفقراء ومحدودي الدخل وبين متطلبات العيد "غير متكافئة" هو غياب أو ربما انعدام المرتبات الخاصة بموظفي الدولة المدنيين، ومنتسبي المؤسستين العسكرية والأمنية، الأمر الذي يفاقم معاناة الناس، ويجعل احتياجات العيد عبئا ثقيلا على كثير من الأسر.

> تراجع القدرة الشرائية

الغلاء الفاحش الذي يجتاح الأسواق المحلية، بالتوازي مع تدهور قيمة العملة المحلية، وتأثيراتها على ارتفاع أسعار كل شيء من السلع الأساسية وحتى الكمالية، فرض على البسطاء وضعا معيشيا صعبا.

ولعل أبرز ملامح هذا الوضع يكمن في تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، واكتفاءهم بأساسيات الحياة التي تقيم صلبهم، حتى تحولت متطلبات العيد مجرد كماليات يمكن الاستغناء عنها، بسبب عدم القدرة على توفيرها، حتى ولو كانت أضاحي العيد وملابسه.

وتراجع هذه القدرة الشرائية أدى بطبيعة الحال إلى تراجع الشعور بالفرح والسرور بالعيد، بعد تراجع القدرة على التوسيع على الأهل والأولاد، الأمر الذي جعل لسان حال الناس: "بأي حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟".

حال كهذا يؤكده واقع الناس، خاصة في ظل انعدام المرتبات وتأخرها، فهو يتعلق أساسا بالموظفين المدنيين، بالإضافة إلى العسكريين ومنتسبي الأمن الذين لم تعد مرتباتهم تفي أساسيات الحياة، وليس فقط احتياجات العيد.

وعام بعد آخر، يزداد عدد الأسر التي تستغني عن توفير متطلبات العيد كالأضاحي والملابس، رغم أنها ظلت لعقود ماضية من أساسيات الفرح العيدي التي لا يمكن الاستغناء عنها، غير أن الوضع المعيشي والتدهور الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية فرض واقعا مغايرا.

فما الذي أوصل الناس إلى هذا الوضع المتردي، والذي يُدخل في نفوسهم الحزن والكآبة في ظل عيد يستوجب الفرح والسعادة؟.

> انهيار مستمر ومعالجات غائبة

إن الواقع المؤلم الذي يحرم الناس من مجرد الفرحة بالعيد والاستمتاع بتفاصيله، يحوّل حياة البسطاء إلى كابوس مزعج، فهؤلاء باتوا لا يستطيعون حتى أن يفرحوا بالعيد، فما بالنا بالقدرة على توفير على متطلباته.

يأتي ذلك وسط عجز الجهات المسئولة عن تقديم المعالجات اللازمة أو التصرف بمسئولية تجاه ما يعانيه رعاياها من المواطنين البسطاء المكتوين بنيران التراجع السعري للعملة، والتدهور المعيشي المستمر منذ سنوات في البلاد.

وقد تكون مبررات استمرار هذا النزيف المعيشي تعود إلى انغماس البلاد في الصراعات والحرب، غير أن ذلك لا يعفي الدولة ومؤسساتها السيادية كالمجلس الرئاسي أو الحكومة اليمنية من إجبار المجتمع الإقليمي والدولي على التدخل وإصلاح الاقتصاد الوطني وتحسين مستوى العملة المحلية.

ورغم الوعود الكثيرة من قبل المسئولين وقيادات المؤسسات السيادية كالمجلس الرئاسي والبنك المركزي اليمني إلا أن الانهيار الاقتصادي ما زال مستمرا وسط غياب المعالجات الحقيقة من تلك مؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون ومختصون اقتصاديون أن الدولة كان بمقدورها تخفيف وطأة هذا التدهور المعيشي وتراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار، من خلال العمل على انتظام صرف مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين، كأقل تقدير، وبهذا قد تعمل على توفير ما يستعين به المواطنون على أقواتهم وتنظيم عملية توفير احتياجات المناسبات المتتالية.

خاصة وأن المناسبات تتوالى بشكل متقارب، فبمجرد انتهاء طلبات شهر رمضان وعيد الفطر، حتى بدأت احتياجات عيد الأضحى بالظهور، بالتوازي مع متطلبات المدارس التي باتت هي الأخرى على الأبواب، عقب عيد الأضحى مباشرة.

كل تلك المناسبات تتطلب احتياجات كبيرة وكثيرة، قد يعمل انتظام المرتبات على توفيرها ولو في حدها الأدنى والأساسي، وهو ما يحتم على الدولة وما تبقى من مؤسساتها العمل عليها والتركيز على توفير المرتبات بانتظام، على الأقل، إذا لم تستطع كبح جماح التدهور السعري للعملة وارتفاع الأسعار.

خاصةً وأن الحديث عن الإصلاحات المالية المرتبطة بمعالجة تدهور الريال اليمني وبالتالي انخفاض الأسعار ذهبت أدراج الرياح، ولم يتحقق منها أي شيء، رغم أنه حديث ليس بالجديد، بل بدأ منذ سنوات.

> إصلاحات لا وجود لها

جعلت الحكومة الجديدة الوضع الإنساني والمعيشي على رأس أولويات عملها، خاصة وأنها حكومة مناصفة، كما يبدو ذلك على الورق، غير أن هذه الأولوية لم يتحقق منها شيء يذكر، بل أن التدهور تفاقم بشكل مريع وأكثر حدة مؤخرا.

ورغم اشتراطات المانحين الدوليين والمجتمع الإقليمي على الحكومة اليمنية العمل على إصلاحات مالية في مؤسساتها النقدية، لاستيعاب الدعم الدولي والإقليمي، إلا أن شيئا من تلك الإصلاحات لم ترَ النور حتى اليوم.

كما أن الوعود الإقليمية من الأشقاء في الخليج لم تتحقق هي الأخرى، وظل الحديث عن الوديعة البنكية الخليجية مجرد حديث فقط، قد يكون العجز الحكومي هو المسئول عن عدم تحويله إلى واقع ملموس.

ومهما كان السبب أو من هو المسئول، لكن كل تلك الإخفاقات هي من حولت حياة الملايين من اليمنيين إلى كابوس حقيقي مليء بالحزن والتعاسة، وبدلا من أن يعمل العيد على إحالة هذه الحياة إلى فرح وسعادة ساهمت احتياجات العيد بمزيد من البؤس بعد أن فارقت القدرة على الاستمتاع بيوت العديد من الأسر والعائلات خلال فترة العيد.

وحتى يستشعر المسئولون حجم المأساة التي أوصلوا اليمنيين إليها بفعل صراعاتهم واهتمامهم بمصالحهم، سيبقى البسطاء ينظرون إلى متطلبات العيد كعبءٍ ثقيل يحل على كواهلهم، بدلا من أن يكون سببا للسعادة.

وكما تم التأكيد قبلا، فإن العيد بريء من إثقال كاهل المواطنين، بقدر ما هي مسئولية القائمين على إدارة البلاد ومن يتحكم بالسيطرة على مفاصل القرار فيها.