من أعلام المهجر الأمريكي ..أبو مختار مثال للرجال الأخيار

(عدن الغد)خاص.

كتب//علي صالح الخلاقي

السمعة الطيبة والصِّيت الحَسِن للشخصيات المميزة خُلقاً وسلوكاً وعطاءاً تنتشر على نطاق واسع، ورغم ابتعادهم عن الأضواء أو طلب الشهرة، فإن مناقبهم النبيلة وأعمالهم الجليلة تدل عليهم وتتحدث عنهم بلسان كل من عرفهم أو سمع عنهم، ويصح فيهم المثل الأجنبي القائل:" السُّمْعة الحسنة خيرٌ من الذَّهب"، ويماثله في المعنى المثل العربيّ:" الثناء خَيْرٌ من الغنى".

من هؤلاء علم من أعلام جاليتنا الجنوبية في المهجر الأمريكي، لا يُكاد يُسمع أو يُذكر اسمه في مجلس أو جَمْعٍ  إلا ويتذكره الناس بكل خير مُعددِّين صفاته الحسنة ومواقفه الطيبة التي يصعب حصرها.

أنه الرجل النبيل والشخصية الاجتماعية المحبوبة حسين حسن مهدي "أبو مختار"، المقيم حالياً في نيويورك.. وكما يُروون عنه فهو سباق في عمل الخير، ولا يريد الحديث عن بصماته الخيرية، وينفق بسخاء وهناء نفس، بحيث لا تعرف شماله ما قدمت يمينه، وشملت مساعدته كثيرين ممن أخذ بيدهم فور وصولهم إلأى أمريكا ووقف إلى جانبهم داعماً ومشجعاً حتى استقاموا على أرجلهم. 

وكان أبو مختار داعماً وبقوة للثورة السلمية الجنوبية منذ بداياتها الأولى عام 2007م، وواصل الدعم السخي للمقاومة الجنوبية أثناء مواجهة الغزو الحوثي-العفاشي عام 2015م، وظل قريباً بقلبه وروحه مما يعتمل في الوطن، ويترقب بشوق ساعة الخلاص وإستعادة الدولة الجنوبية التي اضعناها في لحظة تسرع عاطفية بوحدة (ظيزى) ما زلنا ندفع تباعاتها حتى اليوم.

شخصياً سمعت عنه وعن مواقفه النبيلة منذ عام اجتياح الجنوب عام 1994م، من عدد من الأصدقاء الذين اضطروا لمغادرة الوطن وكانت وجهتهم أمريكا بحثاً عن اللجوء السياسي، بعد تنقلهم في دول عدة، فكان "أبو مختار" خير من استقبلهم وقدم لهم المساعدة اللازمة فور وصولهم بسخاء نفس، بغض النظر عن انتماءاتهم المناطقية، بل ودون صلة قرابة أو سابق معرفة شخصية تربطه بهم، فجميعهم بالنسبة إليه إخوة جنوبيين دفعتهم ظروف الاحتلال الغاشم لمغادرة الوطن مكرهين للنجاة بأنفسهم، وقد كان خير عون لهم، كما أخبرني كثيرون منهم، ممن لم ينسوا له هذا الصنيع ويكنُّون له في قلوبهم كل امتنان وتقدير لمواقفه النبيلة تجاههم وتجاه قضايا الوطن في اللحظات الصعبة التي تكشف معادن الرجال. 

ولأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله- كما جاء في الحديث الشريف- فأنني أعترف هنا أنه حينما تتالت إصداراتي في التاريخ والتراث وبمجرد سماعه عنها من بعض أصدقائه حتى وصلني دعمه دُون طلب مني، ودُون سابق معرفة تربطني به، واعتبر ذلك تشجيعاً منه في التخفيف من تكاليف إعداد وتأليف وطبع إصداراتي العديدة، التي أرسلت له نسخاً منها مع بعض الأصدقاء من قبل وعبّرت له عن جزيل شكري وتقديري.

وفور وصولي شيكاغو في 22مايو الماضي كان من بين أوائل من تواصلت معهم، ثم كانت زيارتي الأسبوع الماضي لنيويورك فرصة للتعرف عليه واللقاء به مباشرة لأول مرة، حيث تعانقنا عناق الأصدقاء، وأهديته نسخاً من إصداراتي الأخيرة ، وخَصَّص من وقته يوماً كاملاً اصطحبنا فيه بمعية الصديقين أبو بشار القعيطي وأبو وضاح القعيطي في جولة سياحية كان فيها دليلنا ومضيفنا منذ انطلاقتنا صباحاً وتجوالنا في أحضان الطبيعة الخضراء شمال نيويورك المسماة (أَبْستيت نيويورك Upastate New York)، وهي هضاب مرتفعة مكسوة بالغابات الخضراء والمزارع اليانعة التي تجود بمختلف أنواع الفاكهة التي تنمو فيها مثل التفاح والعنب والفرسك والفراولة والكرز..الخ. 

وقد تجول بنا في أكثر المواقع جاذبية على النهر وفي المرتفعات، ومشينا على الأقدام في أكثر من مكان ، وفي طريق العودة التي استغرقت ساعتين أياباً ، ومثلها ذهاباً، توقف بنا لشراء بعض الفاكهة الطازجة في أماكن مخصصة على أطراف المزارع، ووقت الغداء استضافنا في مطعم هندي على وجبة بحرية من الأسماك اللذيذة والخضار أثقلت بطوننا فاضطررنا للراحة وتناول الشاهي لنستأنف الرحلة الممتعة مجددا..

وفي المساء اختتمنا الجولة التي استمرت من الصباح في جلسة لطيفة في شرفة منزل مضيفنا أبو مختار الذي يطل على مرتفع تكسوه الغابات السامقة وتحيط به أشجار الفاكهة والزهور وتناولنا بعض الفاكهة وأقداح الشاي، واستمعنا منه إلى موجز عن سيرته وحياته العملية التي بدأها مطلع شبابه في عدن بالعمل في الخدمات الطبية، حيث حصل على تأهيله الطبي وعمل في الجيش منذ مطلع ستينات القرن الماضي، أثناء الاحتلال البريطاني، وتنقَّل للعمل مع اللواء السادس إلى شبوة، وتحديداً إلى بلاد العوالق، وقدم خدماته الطبية هناك، وتنقل في أكثر من منطقة.

وكان ممن التحقوا بالجبهة القومية للكفاح ضد الاستعمار البريطاني، وقدم خدماته لها من موقعه في الخدمات الطبية، وظل في عمله بعد الاستقلال حتى الإطاحة بالرئيس قحطان الشعبي، ومع مطلع السبعينات كان مرشحاً للتأهيل التخصصي بالطب في الاتحاد السوفيتي، لكنه لم يتحمس لذلك عملاً بنصيحة بعض أهله واضطر إلى مغادرة الوطن والاتجاه مباشرة إلى أمريكا، وهنا بدأ حياته من الصفر، يعمل ويكد في مجتمع يقدس العمل وأخذ يكوّن نفسه بعيداً عن تخصصه الطبي، حتى حقق ذاته بالتدريج في الأعمال التجارية مثله مثل كثير من الطيور المهاجرة التي تستغل الفرص السانحة في هذا البلد فتحقق النجاح تلو النجاح، بالجهد والكفاح. 

ودَّعنا مضيفنا الكريم بعد أن استمتعنا برحلة أسطورية لا تنسى.. وأحاديث ممتعة من شريط الذكريات.. ورغم أنه يعيش في رفاهية ورغد هنا فإنه يشتاق للعودة إلى الوطن وقد تحقق حلمه وحلم شعبنا في استعادة الدولة وسيادة النظام والقانون.. 

ختاماً تحية تقدير وعرفان لأبي مختار.

وجعله الله أسوة لأمثاله من الأخيار.