هواجس الأمن الغذائي في ظل انعدام القمح والدقيق باليمن.. كيف يمكن مواجهتها؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يقرأ في واقع الأزمة الغذائية والإنسانية الراهنة التي تعيشها اليمن وتجعلها على شفا هاوية المجاعة..

المخزون المحلي من الدقيق والقمح المستورد قد لا يكفي الشهرين القادمين.. ما حقيقة ذلك؟

برنامج الغذاء العالمي أعلن تقليص مساعداته لليمنيين بنسبة 50%.. ما مدى خطورة هذا الإجراء؟

كيف ستواجه الحكومة شح السلع الغذائية الأساسية.. وما المعالجات الممكنة؟

أين دور التحالف العربي الذي يفترض أنه المسئول الأول عن الملف اليمني؟

ماذا لو حدثت المجاعة في اليمن.. هل سنرى اقتتالا أهليا من أجل كسرات الخبز؟

اليمن.. على شفا المجاعة!

(عدن الغد) القسم السياسي:

صنفت المنظمات الأممية والمؤسسات الدولية الإنسانية اليمن بأنها "ترزح تحت أسوأ أزمة إنسانية على مستوى العالم بأسره"؛ وذلك نتيجة الحرب الدائرة في البلاد منذ ما يزيد على سبع سنوات.

وكثيرا ما كانت تلك المنظمات تخرج للعلن للحديث عن حدوث "مجاعة" في اليمن جراء تلك الأزمة التي تفاقمت خلال سني الحرب الفارطة، وما زالت تلقي بظلالها على قادم ومستقبل البلاد.

لكن التحذيرات التي أطلقتها المنظمات والهيئات الأممية باتت احتمالات تحققها اليوم أكثر من ذي قبل، ليس فقط بسبب الحرب، ولكن أيضا نتيجة العديد من العوامل المحلية والعالمية التي تجعل من هذه "المجاعة" قاب قوسين أو أدنى.

ولعل في العوامل الدولية المتمثلة في الحرب الروسية الأوكرانية والتي ألقت بظلالها وتأثيراتها على الأمن الغذائي العالمي، تأثير عميق أيضا في الحالة اليمنية، التي تكالبت عليها العوامل الداخلية والخارجية.

فالحرب الدائرة جنوب شرق أوروبا، منعت تصدير الغذاء الأساسي إلى بقية دول العالم، وجعلت من مخزون القمح والحبوب الأوكراني والروسي حبيس مخازن موانئ البلدين على البحر الأسود، مما تسبب بأزمة عالمية.

واليمن ليست بمنأى عن هذه الأزمة التي باتت تشكل تهديدا قد ترمي بالبلاد إلى أتون مجاعة لا تُبقي ولا تذر، وهو ما تؤكده المؤشرات والدلائل والتصريحات الصادرة عن المنظمات والهيئات المسئولة عن الغذاء في العالم.

بالإضافة إلى ما سبق من عوامل دولية وخارجية، فإن الأوضاع المحلية والداخلية في اليمن تتسبب هي الأخرى بتفاقم الأزمة الغذائية، التي إذا استمرت ستقود حتما نحو شفا هاوية "المجاعة".

ومن أبرز هذه العوامل المحلية تدهور سعر العملة الوطنية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية التي ما زالت متواجدة في الأسواق، مع تهديدات بانتهاء المخزون اليمني من الحبوب والقمح خلال فترة أقل من شهرين، بحسب مصادر اقتصادية.

جميع ما تم ذكره أعلاه يزيد من حجم المخاوف والهواجس المتعلقة بالأمن الغذائي اليمني، في ظل انعدام سلع أساسية كالقمح والدقيق، ووسط غياب المعالجات الرسمية من السلطات الحكومية تجاه أزمة تحدق بالسواد الأعظم من البسطاء المطحونين.

> ما حقيقة التهديدات الغذائية؟

التهديدات التي طالت الأمن الغذائي لليمن، تجلت بكل وضوح من خلال إعلان برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، تعليق أنشطته في بلادنا، معللا هذا الإجراء بـ"نقص التمويل".

وبرنامج الغذاء العالمي واحد من العديد من المنظمات والكيانات الإنسانية التي اضطرت لتعليق أو تقليص أعمالها الإغاثية في اليمن، نتيجة نقص التمويلات المقدمة من قبل المانحين الدوليين.

وقال البرنامج إنه بحاجة إلى 1.5 مليار دولار لمواجهة المتطلبات الإنسانية في اليمن خلال الشهور الستة القادمة، وأشار في تقرير إنساني إلى أنه ونتيجة نقص التمويل وجد نفسه مضطرا لـ"قطع المساعدات الإضافية"، ما لم يتم الحصول على أموال إضافية بشكل عاجل.

برنامج الغذاء العالمي حذر من تعطيل إمدادات القمح في ظل الحرب الأوكرانية الروسية يهدد بتفاقم أزمة الغذاء في اليمن.

وكان البرنامج قد قال في تقارير سابقه إن أكثر من نصف سكان اليمن، أي 16.2 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، وأن نصف الأطفال دون سن الخامسة 2,3 مليون معرضون لخطر سوء التغذية.

وحسب البرنامج فإنه يحتاج إلى 813 مليون دولار لمواصلة مساعدة الفئات الأكثر ضعفًا في اليمن حتى شهر أيار/مايو ويحتاج في عام 2022 إلى 1.97 مليار دولار لمواصلة تقديم المساعدات الغذائية الحيوية للأسر.

ويأتي إعلان البرنامج توقيف أنشطته في ظل أوضاع اقتصادية سيئة يعيشها السكان في اليمن، وسط استمرار الصراع والحرب، وانهيار العملة وارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى الضعف، وتوقف صرف المرتبات، خاصة في المناطق التي تسيطر عليها مليشيات الحوثي.

> تحذيرات دولية

ما يؤكد أن اليمن يمر بخطر حدوث المجاعة، التحذيرات التي أطلقتها مؤخرا ‏منظمة الأمم المتحدة، وكيانات حقوقية دولية، خلال الأيام الماضية، بشأن تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن بعد إعلان تقليص المساعدات.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك خلال مؤتمر صحفي بالمقر الدائم للمنظمة الدولية في نيويورك، إن الجوع في اليمن وصل إلى أعلى مستوياته منذ عام 2015.

وأضاف أن برنامج الأغذية العالمي اضطر، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إلى خفض الحصص الغذائية لثمانية ملايين شخص بسبب فجوات التمويل واضطر إلى إجراء تخفيضات أخرى في مايو/ أيار الماضي، وأشار إلى أنه سيحصل الآن 5 ملايين شخص على أقل من نصف احتياجاتهم اليومية، وسيحصل 8 ملايين شخص على أقل من ثلث احتياجاتهم اليومية.

ولفت إلى أنه بحلول يوليو/تموز الجاري، قد تضطر اليونيسف إلى وقف تقديم العلاج لأكثر من 50 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، وأضاف أن اليونيسف ستعلق عملها أيضًا في مجال توفير المياه ودعم صحة الأم والطفل وخفض نصف أنشطتها للتوعية بمخاطر الألغام.

وفي ذات السياق، اعتبر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن تقليص المساعدات في اليمن "مؤسف وينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون منذ أكثر من 7 سنوات"، وقال في تغريدة عبر تويتر إنه "لا ينبغي ترك ملايين الضعفاء في مواجهة المجاعة، ويجب ضمان استمرارية تمويل البرامج

الإنسانية".

كل تلك التهديدات الماثلة والتحذيرات تؤكد أن اليمن مقبل على حالة من "المجاعة" وسط غياب أو على الأقل ضعف المعالجات الحقيقية لكبح جماح التدهور الذي يقود البلاد نحو المجهول.

> مواجهة تهديدات الأمن الغذائي

لا يقل الأمن الغذائي للمواطنين أهميةً عن أمنهم واستقرارهم وسكينتهم وعيشهم في سلام وأمان، فهو أحد أساسيات الإنسان الوجودية، والتي تسعى إليها الفطرة السوية القائمة على غريزة البقاء.

وهذا الأمن الغذائي هو من مسئولية السلطات والحكومات التي تضطلع بتوفيرها لرعاياها من المواطنين، وتسهر على تأمينها، وعليها تقع مهمة ضمان حصول جميع الرعايا على حقوقهم من الدولة والحكومة.

ورغم اعترافات الدولة اليمنية ممثلة برئيس مجلسها الرئاسي بوجود اختلالات في عمل الحكومة وسلطاتها للحد من الأزمة، إلا أنه وعد بالعمل على معالجة تلك الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتدهورة، خاصة فيما يتعلق بشح الموارد والقمح والسلع الأساسية.

لكن الدولة اليمنية، بسلطاتها المعنية غير قادرة على القيام بمواجهة الشح في القمح والدقيق والسلع الرئيسية الأخرى، ولا تملك بشكل ذاتي مقومات توفير احتياجات الناس الأساسية.

ففي ظروف الحرب، لا إمكانيات متاحة، ولا إيرادات تُورد، ولا ثروات تُستغل، ولا موانئ أو مطارات تعمل أو تستورد أو تصدّر، وهذا يفاقم من ضعف قدرات الحكومة بإيجاد معالجات حقيقية للأزمة المحدقة باليمن وتهديدات المجاعة المتربصة باليمنيين.

وهذا يطرح تساؤلات حول الأعمال التي يمكن للحكومة القيام بها وسط هذا العجز الملحوظ لمؤسساتها وسلطاتها المعنية.

> أين دور التحالف؟

لا يمكن الحديث عن أية حلول يمكن للحكومة اليمنية تقديمها لأزمة الغذاء والمجاعة المرتقبة، بمنأى عن دور التحالف العربي، بصفته المسئول عما يجري في البلاد، بشكل أو بآخر.

كما أن لا شيء يمكن أن تقدمه الحكومة سوى استجداء وطلب المعالجات من الأشقاء في الإقليم القريب والملتصق باليمن، وعلى رأسه دول الخليج العربي الغنية، وهذا ما أكده رئيس المجلس الرئاسي في تغريداته الأخيرة لمعالجة الاختلالات، عبر الحصول على مساعدات من الأشقاء.

فمن غير المعقول ولا المنطقي أن يترك المحيط الغني دولةً فقيرة كاليمن أنهكتها الحرب تواجه نصير المجاعة وحيدة، وحتى وإن حدث مثل هذا الأمر- وهو مستبعد- فإنه سيكون "مثلبةً" و"عيبا" في حق الجيران الأغنياء.

وهو ما يحتم على دول الخليج تقديم المساعدات واستيعاب احتياجات اليمن ضمن قائمة أولوياتها، لان أي مجاعة قد تحدث ستؤثر بطريقة أو بأخرى على الجيران الخليجيين، فالتأثيرات لن تقف عند الحدود الداخلية اليمن.

فالمجاعة قد تقود اليمنيين إلى الاقتتال الداخلي من أجل الحصول على "لقمة عيش" أو "كسرة خبز"، لكن أي اقتتال من هذا القبيل ستصل تداعياته لا محالة إلى النطاق الإقليمي والخليجي، وعلى الجيران التنبه لهذا التهديد ومد يد العون والمساعدة لليمنيين.