حرب الاتصالات في اليمن.. هل بالفعل لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل لوضع قطاع الاتصالات والصراع الجاري بين الحكومة ومليشيات الحوثي بالسيطرة عليها..

ما حقيقة استخدام الحوثيين قطاع الاتصالات للتجسس وضرب أهداف وقيادات عسكرية؟

لماذا لم يتم إيجاد معالجات حقيقية في مجال الاتصالات منذ ثماني سنوات؟

لماذا لم نرَ شركة اتصالات واحدة فعالة خلال كل تلك السنوات؟

ما الذي يمنع الحكومة من تحرير قطاع الاتصالات من أيدي الحوثيين؟

هل هناك لوبي داخل الحكومة يعمل لصالح الحوثيين.. أم أن القضية لها أبعاد أخرى؟

قضية شركة (YOU).. ما حقيقة ما يجري وهل ما زالت الأمور تدار بعشوائية؟

هل هناك صراع بين نافذين ومستفيدين أدى إلى توقيف شركة (YOU) وابتزازها ماديا؟

تهديدات الحوثيين بقطع كافة الاتصالات.. هل يجرؤ على تنفيذها.. وما هو البديل؟

حرب الاتصالات

(عدن الغد) القسم السياسي:

تعيش اليمن حروبا على مختلف الأصعدة، فالحرب العسكرية لم تقف تأثيراتها عن حد معين، بل إن التداعيات طالت كل المجالات والقطاعات الإنسانية والمعيشية والاقتصادية، ومزقت النسيج المجتمعي للبلاد.

كما أتت الحرب على كافة مؤسسات الدولة، وأكلت يابسها قبل أخضرها، وما تبقى من تلك المؤسسات بات محل صراع وتنازع بين طرفي الحرب الرئيسيين، الحكومة اليمنية ومليشيات الحوثي الانقلابية.

ولعل من أهم تلك المؤسسات التي صارت اليوم محل صراع ومحاولات استحواذ بين الجانبين، هو قطاع الاتصالات ومؤسساته وشركاته، التي تدر مليارات الدولارات، يستفيد منها في الغالب الانقلابيون الحوثيون، بحكم تواجد عمليات التحكم في مناطق سيطرة المليشيات.

هذه الاستفادة الحوثية من قطاع مدر للأموال وذي أهمية قصوى مثل قطاع الاتصالات؛ أثارت الكثير من التساؤلات حول عدم تحرك الحكومة اليمنية لتحويل ونقل مؤسسات الاتصالات من صنعاء، عاصمة اليمنية المختطفة، إلى مدينة عدن، العاصمة المؤقتة، أو إلى المناطق المحررة الأخرى.

خاصة وأن قطاعا مهما لهذه الدرجة، كان يستوجب أن يفرض على الحكومة اليمنية الدخول في حرب مفتوحة مع المليشيات لانتزاعه من بين أنيابها، فالحرب الاقتصادية والمعلوماتية المتعلقة بهذا الجانب ليست أقل ضراوةً من الحرب العسكرية المباشرة.

فخلال ثماني سنوات، ظلت الاتصالات تحت تصرف الحوثيين، يتنعمون بخيرات ملياراتها، ويسيطرون على شركات الاتصالات الخاصة، ويفرضون عليها جبايات خيالية، دفعت هذه الشركات إلى بيع أصولها تارة، أو الهرب صوب المناطق المحررة تارات أخرى.

لكن الأشهر الأخيرة، وخاصة الأيام القليلة الماضية، شهدت حالة من الحرب لا تخفى على أحد، فقطاع كبير من اليمنيين تضرر بانقطاع خدمات شركة (YOU)، والتي نسجت حولها العديد من السيناريوهات حول حقيقة ما يجري في كواليس هذه القضية المعقدة.

فهناك من يقول إن الحكومة اليمنية عبر وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات لم توافق أو تُصرح بعمل الشركة في مناطق المحافظات المحررة، وأنها لم تسمح بنقل ملكية الخدمة من شركة MTN إلى YOU، وبذلك تكون هذه الأخيرة غير قانونية، وتعمل بلا تصريح.

وهو ما فسره مراقبون بالحملة التي شنتها بعض القوى عبر وحداتها الأمنية على محلات بيع شرائح شركة YOU، حتى وصل الأمر إلى توقف خدماتها خلال الأيام الماضية.

لكن هناك من يعتقد أن القضية لم تكن مجرد خلاف على تصريح أو تشغيل خدمة بشكل غير قانوني، بقدر ما أن هناك الكثير من الخفايا التي تدار خلف الكواليس، لا يعلمها كثيرون، وبحاجة إلى تحليل ورصد ومتابعة.

> تفاصيل الشركة العُمانية اليمنية

من الواضح أن شركة YOU تتبع قيادات حوثية من الصف الأول الجماعة الانقلابية، وهذا أمر معروف ولا يسعى الحوثيون إلى إنكاره أو إخفائه، وهي قيادات متواجدة بشكل متواصل في سلطنة عُمان.

خاصة وأن الجماعة ذات علاقات قوية جدا بالسلطات الرسمية في السلطنة، ويتخذ وفدها المفاوض الذي يترأسه محمد عبدالسلام فليته مقرا ثابتا له، وربما نتج عن هذا التواجد المستمر تشبيك علاقات تجارية واستثمارية مع تجار ومستثمرين عُمانيين، كان أن تمخض عنها شركة اتصالات، ورثت تركة الشركة الراحلة عن اليمن MTN.

وقد تكون تبعية هذه الشركة اليمنية العمانية المتحدة للاتصالات والتي يرمز لها اختصارا بـYOU والتي يرجح أنها تتبع القيادي الحوثي محمد عبدالسلام المتحدث الرسمي، سببا وراء رفض الحكومة اليمنية عبر وزارة الاتصالات منحها ترخيصا للعمل بشكل مشروع في المناطق المحررة.

خاصة وأن هناك الكثير من الاتهامات التي تطال الحوثيين باستغلال قطاع الاتصالات للتجسس على القيادات السياسية اليمنية، وتهديد وضرب الأهداف والقادة العسكريين عبر إحداثيات تواجدهم عند مجرد الاتصال بهم.

لكن هذه الاتهامات لم تكن أبدا وليدة اليوم، بل كانت تتداول ليس فقط منذ بداية الحرب عام 2015، وحتى ما قبل ذلك حين تم تسريب مكالمة هاتفية بين الرئيس اليمني السابق عبدربه هادي منصور والأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني آنذاك الدكتور أحمد عوض بن مبارك، قبيل الانقلاب الحوثي بشهور.

وأثناء تلك الفترة، بل وحتى خلال سنوات الحرب الثمانية لم تحرك الحكومة اليمنية ومؤسساتها المسئولة عن قطاع الاتصالات أي ساكن، ولم تقم بأي معالجات حقيقية لتحرير هذا القطاع الهام من أيدي الحوثيين وحلفائهم، رغم خطورته البالغة، ولم نرَ حتى وجود شركات اتصالات حكومية فعالة طيلة تلك السنوات، باستثناء "عدن نت" البائسة بخدماتها المترهلة.

بل أن الحكومة تركت قطاع الاتصالات تحت تصرف المليشيات بإمكانياته وأصوله الضخمة وإيراداته الخيالية، طيلة السنوات الماضية، وهو ما يجعل التحرك الأخير بحث شركة YOU غير متناسق مع سنوات الإغفال الماضية، فما الذي استجد الآن يا ترى؟.

> ما الذي يمنع الحكومة؟

تساؤلات قد لا نجد لها إجابات شافية حول ترك الحكومة اليمنية لقطاع الاتصالات تحت رحمة المليشيات الحوثية، تستغل ملياراتها في تغذية الحرب وقتل اليمنيين.

هذه التساؤلات، دفعت البعض إلى الحديث عن وجود ما يشبه الـ"لوبي" داخل أروقة الحكومة اليمنية الشرعية، يعمل لصالح إبقاء أصول الاتصالات الضخمة وإمكانياتها الجبارة في أيدي الحوثيين.

حتى أن التحركات الأخيرة في إيقاف شركة YOU ومنع بيع وشراء شرائحها لن تقم به الحكومة اليمنية بشكل علني أو رسمي، ولكنه يُحسب لجهات أمنية تتبع مكونات أخرى، اتخذ طابعا "ابتزازيا" أكثر منه حفاظا على مقدرات وأصول البلاد.

فالبعض يرى أن إيقاف الشركة لا يعلم به حتى وزير الاتصالات في الحكومة اليمنية، وأن الوزارة نفسها توقفت عن محاربة YOU بمجرد استصدار بيان يتحدث عن عدم قانونية نقل أصول MTN إلى الشركة الوليدة، وهو ما قد يلمح إلى أن الأمور تسير وتدار بشكل عشوائي بحت.

وهؤلاء يعتقدون أن ثمة مكونات سياسية تستخدم وحداتها الأمنية للسعي نحو ابتزاز الحوثيين والعُمانيين منعا للحصول على مكاسب مادية، وبعدها يمكن السماح لـ YOU بالعمل بكل أريحية في مناطق سلطات الحكومة اليمنية وليس فقط في مناطق سيطرة الحوثيين.

خاصة وأن الحكومة ليس بمقدورها عمل شيء يذكر، سواءً لشركة YOU أو غيرها، وأن ما يجري حاليا هو عمل جهات أخرى، تعمل على جلب مصالحها وتقديمها على غيرها من المصالح الوطنية التي لم يعد أحد يبحث عنها.

> صراع النافذين

وإذا صدقت مثل هذه التحليلات المبنية على وقائع وشواهد كثيرة، فإنها تكشف عن وجود صراع مصالح، يديره نافذون ومستفيدون في مناطق سيطرة الحوثيين وفي المحافظات المحررة.

وكلا الطرفين يعمل بجد واجتهاد من أجل تحقيق مآربه الخاصة، والفوز بأكبر ربح مادي ممكن على حساب عامة الشعب والناس، فلا المليارات التي يجنيها الحوثيون تذهب لصرف مرتبات الموظفين، ولا مكاسب الحكومة أو بعض القوى السياسية تجلب الخدمات للمواطنين في المناطق المحررة والاستقرار الأمني والمعيشي.

ويعتقد مراقبون أن المسألة برمتها ليست سوى ابتزاز مالي، وبمجرد أن ينجح هذا الابتزاز فإن الأمور ستعود إلى مجاريها عقب صفقات يتم طبخها في الظل وفي كواليس النافذين والمستفيدين.

حتى أن التهديدات التي زعم البعض أنها منسوبة للحوثيين، بقطع كافة الاتصالات الأرضية والإنترنت وشركات المحمول الأخرى عن المناطق المحررة لن يجرؤ عليها الحوثيون ولن تتم إذا صدقت تلك المزاعم؛ لسبب بسيط وهو أن المليشيات تجني منها الكثير ولن تغامر بمزيد من الخسائر بعد أن تكبدت الكثير منها بسبب شركة YOU.