بعد تشكيل المجلس الرئاسي استبشر الناس خيرا.. لكن ما الذي حدث؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول أسباب استمرار التدهور الاقتصادي في اليمن رغم التغييرات السياسية والوعود الخليجية..

أين ذهبت الوعود الخليجية بشأن الوديعة البنكية.. وهل عدنا إلى نقطة الصفر؟

ربع عام منذ إطلاق الوعود الخليجية بدعم اليمن اقتصاديًا.. هل ذهبت تلك الوعود أدراج الرياح؟

الاشتراطات الخليجية لتسليم الوديعة.. هل كانت صعبة ولماذا لم تنفذها الحكومة اليمنية؟

ما هو الحل لتدارك الوضع الاقتصادي المتدهور ومعالجة انهيار العملة؟

الانقسامات السياسية هل كانت السبب.. ولماذا استمر الوضع بالتردي رغم التوافق السياسي؟

هل ما زالت هناك انقسامات سياسية بين الفرقاء اليمنيين وداخل المجلس الرئاسي؟

هل يحتاج الوضع لمزيد من تدخل التحالف العربي وتقديم مزيد من الحلول؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

تلعب السياسة دورا كبيرا في التحكم بالوضع الاقتصادي، فمهمة السياسيين والدولة عموما تكمن في توفير الرفاه المعيشية للشعب، والحفاظ على مستوى مناسب من الاستقرار الخدمي.

غير أن الوضع في اليمن يبدو غير متاح، فحتى اللحظة لم ينجح السياسيون في كبح جماح التدهور الاقتصادي والمعيشي الذي بات منفلتا منذ ثماني سنوات، وحتى بعد استقرار المحافظات المحررة، وتوقف الحرب والمواجهات العسكرية فيها.

ورغم هذا الفشل الذي تجسد في مهمة السياسيين، إلا أن الشعب ما زال يُمني نفسه في أن يعمل قادة البلاد شيئا لمعالجة التدهور المعيشي والاقتصادي الذي طال أمده وتضررت مصالح الناس وحياتهم بسببه.

الأمنيات الشعبية قائمة على الوعود التي ينثرها في كل مكان كل من التحالف العربي والحكومات اليمنية المتعاقبة، وكل حين يعلق اليمنيون آمالهم في أن تؤتي هذه الوعود ثمارها وتحقق استقرارا معيشية واقتصاديا طال انتظاره.

ولسان حال اليمنيين كالغريق الذي يتشبث بقشة، وسط بحر متلاطم من الأزمات الاقتصادية والخدمية في كل المجالات الحياتية، فهذا الشعب لا يملك سوى أن يثق بالمسئولين والسياسيين وحتى دول الخليج والنازحين الدوليين الذين يكيلون الوعود دون أن تتحقق.

> آمال المجلس الرئاسي

حتى المجلس الرئاسي، الذي بُنيَ على أسسٍ من التوافق بين قوى سياسية أقل ما توصف به أنها متباينة الأهداف والرؤى، علّق اليمنيون عليه آمال كبيرة- وما زالوا يعلقون- لإخراج البلاد من أزماتها الاقتصادية المتكررة.

وقد يكون من المبكر جدا الحكم على أداء المجلس الرئاسي في انتشال الوضع المعيشي من تدهوره المزمن، لكن الأمر أيضا مرتبط بتطلعات اليمنيين الذين يريدون حلولا ناجعة وعاجلة، تغير من أحوالهم المتردية، رغم استبشارهم خيرا بتشكيل المجلس.

كما أن ما يجعل من السخط الشعبي مقبولا، حتى لو كان المجلس الرئاسي لم يقم عمليا بأي شيء هو الأزمات التي أثقلت كاهل الناس وأوجعت واقعهم وأحالته إلى مأساة كبيرة، رغم أن الآمال في اليمنيين باقية مهما تغيرت السلطات والمسئولون.

ولعل هذا الانتظار الذي يميز الشعب اليمني، وتوقه للفرج مع كل تغيير سياسي يجعل الآمال المعقودة على المجلس الرئاسي باقية، بل إن الفترة القصيرة لعمل هذا الأخير تمنحه مزيد من فرص الصبر عليه حتى يقوم بما يستوجب منه.

ويمكن أن تكون الجولة الأخيرة التي قام بها المجلس الرئاسي إلى عدد من الدول العربية والخليجية، تأتي من منطلق هذا التحرك الذي استشعر للمجلس الرئاسي وجوبه، عقب ثلاثة أشهر من تشكيله ومباشرته عمله.

وفي الوقت الذي يطالب فيه مراقبون بمنح مزيد من الوقت للمجلس الرئاسي، فالتركة الاقتصادية والمعيشية ليست بالهينة، ولا بالبسيطة، وبحاجة إلى جهد وفترة زمنية لمعالجتها، في ذات الوقت ينادي آخرون بأن الوضع المتردي لا يخفى على أحد، حتى على قيادة المجلس، الأمر الذي يستوجب منه حلولا عاجلة وليس مجرد تسويف وتأجيل للحل.

ورغم كل الآراء المتضاربة، فإن المجلس الرئاسي ليس بمقدوره فعل أي شيء سوى انتظار المساعدة ومد يد العون من الخارج، بالقيام بأي عمل بشكل منفرد ووحيد بدون أي دعم دولي أو إقليمي لن يحقق أي نتائج.

> وعود الخارج

قبيل تشكيل المجلس الرئاسي بشهور عديدة، أطلقت مجموعة الرباعية الدولية، وعودا اقتصادية بدعم البنك المركزي اليمني ومساندة جهود إنعاش الاقتصاد اليمني، كان ذلك في ديسمبر/كانون أول 2021، بعد أسابيع من تعيين محافظ جديد للبنك ومجلس إدارة جديد أيضا.

غير أن شيئا من ذلك الدعم لم يحدث، ولم يتحصل البنك ومحافظه الجديد على أي يذكر، حتى اليوم، وهو ما فاقم المشكلة الاقتصادية في البلاد، وساهم في مزيد من تدهور العملة المحلية، التي تحسنت بشكل طفيف بمجرد تعيين إدارة جديدة للمركزي اليمني.

لكن الوعود بقيت حبيسة التصريحات الشفوية ولم تتحول إلى جانب تنفيذي، بالرغم من الجولات المكوكية لمحافظ المركزي اليمني إلى عواصم خليجية كالرياض وأبو ظبي، وعاد بخفي حنين، خاصة وأن الوعود السعودية والإماراتية أنعشت آمال اليمنيين بالحصول على وديعة بنكية، غير أنها لم تنعش اقتصادهم حتى اللحظة.

ومع تشكيل المجلس الرئاسي، وعملية نقل السلطة إلى ممثلي أكبر القوى السياسية اليمنية الفاعلة والمؤثرة في البلاد، تدفقت وعود الخليجيين والمجتمع الدولي مرةً أخرى، بالتعهد بانتشال الوضع المعيشي من حالته، إلا أن الأشهر الثلاثة الأخيرة منذ تشكيل المجلس الرئاسي مرت دون أي تغيير يذكر.

وهو ما دفع المتابعين إلى التساؤل عما يحدث من خفايا أو أسباب قد تمنع حصول اليمن على أي دعم خليجي أو دولي حتى الآن، رغم الوعود الخارجية، ورغم الانتقال السياسي الذي رحب به العالم وأيده المجتمع الدولي والإقليمي والأمم المتحدة عبر مجلس الأمن حتى.

ويبدو أن الوعود الخليجية بوديعة بنكية ذهبت أدراج الرياح، وعاد اليمنيون إلى نقطة الصفر من جديد، حين تجاوز سعر الدولار الأمريكي حاجز 1600 ريال يمني، وها هو اليوم يقترب من هذا الرقم، وما يلبث أن يصل إليه إذا استمر الوضع على هذا الحال.

فهل هناك ما يمنع من وصول الدعم الدولي، أو السعة البنكية الخليجية، رغم كل التغيرات في المشهد السياسي اليمني، والجهود الدولية والأممية بإحداث تسوية سياسية للأزمة اليمنية؟.

> اشتراطات الحصول على الدعم

يرى مراقبون أن الوديعة الخليجية مرهونة بالعديد من الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية التي اشترطتها دول الخليج على اليمن والبنك المركزي لتنفيذها، على ما يبدو أن هذه المطالب لم تُنفذ ولم يتم إنجازها خلال الفترة الماضية، ولعل هذا سبب تأخير الوديعة.

فيما يرى آخرون أن الأشقاء ليس في نيتهم تقديم أي دعم إلا بمقابل سياسي أو بالحصول على مكاسب معينة من المجلس الرئاسي الذي تم تشكيله تحت أعينهم وبمباركتهم.

وهو ما قد يفسر الجولة الأخيرة التي قام بها المجلس الرئاسي إلى دول كالكويت ومصر والبحرين، للفوز بدعم وتسهيلات اقتصادية تنعش ما تبقى من اقتصاد يمني متدهورة، بعد أن فقد المجلس الأمل في السعودية والإمارات لتنفيذ وعودها.

غير أن مثل هذه الرؤى تبقى مجرد افتراضات، في ظل وجود مؤسسة مالية مهترئة كالبنك المركزي اليمني، تعاني من تصدع واختلالات إدارية وهيكلية، وحتى تجاوزات يرقى لمستوى الفساد ضرب جنبات هذه المؤسسة.

وهو ما حال دون تنفيذ أية إصلاحات وإجراءات يمكن من خلالها الحصول على الدعم والوديعة المنتظرة، أضف إلى ذلك أن الدول التي زارها المجلس الرئاسي تدور في فلك الرياض وأبو ظبي ولا تخرج عن هذا الإطار، فالأمر ليس كما يبدو أنه البحث عن بدائل بقدر ما هو تأكيد على الارتباط باللاعبين الرئيسيين، السعودية والإمارات.

وهاتان الدولتان هما من رعى المجلس الرئاسي وساهم في تأسيسه، ونقل السلطة إليه، فمن الواجب على الرياض وأبوظبي دعم هذا الكيان حتى يحقق النجاح المطلوب، الذي هو في الأخير نجاح للدولتين الجارتين.

> ما هو الحل؟

كانت السماعة التي علّق عليها المتابعون أسباب الفشل الاقتصادي في اليمن منذ ما بعد 2015، هي الانقسامات السياسية بين المكونات والقوى المختلفة.

وكان لتشكيل المجلس الرئاسي أن يمنح الأمل مجددا في التغلب على هذا السبب الرئيسي وراء تدهور العملة وتردي الاقتصاد، لكن المشكلة استمرت، رغم تعهد القوى السياسية بالتعاون ومساندة بعضها بعضا لتحقيق الاستقرار المعيشي.

غير أن مراقبين يرون أن هذه التعهدات هي "مجرد أقوال"، وإلا فإن الصراعات بين القوى المكونة للمجلس الرئاسي ما زالت تدور "من تحت الطاولة"، وهو ما جعل الأزمة المعيشية والاقتصادية متفاقمة ومتواصلة.

ويبدو أن المجلس لم ينجح المجلس في تجاوز هذه الصراعات بين القوى السياسية المتباينة، وبقي التوافق داخل المجلس شكليا، بل إنه ظهرا متصدعا منذ اللحظة الأولى لقراءة القسم واليمين الدستورية، وهي كلها ملامح تلقي بظلالها على الوضع الاقتصادي والمعيشي للبلاد.

الأمر الذي يدفع بالمتابعين إلى الحديث عن إمكانية لجوء التحالف العربي ممثلا بالسعودية والإمارات، لصيغة أخرى من التوافق السياسي أكثر واقعية، لإخراج البلاد من عنق الزجاجة وانتشال الريال اليمني والاقتصاد الوطني من محنته التي طالت وأثرت على البسطاء وزادت أبناء هذا الشعب بؤسا على بؤسه.