العنقاء.."قصة"

كتب/ احمد الجعشاني

كان طائرا كبيرا يحلق في الفضاء ، يبسط جناحيه مظللا السماء ، يحجب النور و ضياء الشمس ، وكأن المدينة اغرورقت في الظلام . كان يطير على ارتفاع شاهق ، يحلق فوق الجبل الذي تعلوه القلعة ، رفع عينيه ليرى هيئة الطائر الكبير  ، فكان يقترب ويقترب ، حتى حط حواف مخالبة على  الساحل فوق بحر صيرا ، واطلق صيحته الكبيرة مخترق سمعه ، مثل ذوي حاد وصوت صفير إنذار . فصحى من نومه ، مذعورا فزعا  مبلل جسده بالعرق ، كان الخوف قد اعتراه من رويئة هذا الكابوس . نهض من فراشه واعتدل في جلسته . ومضى يفكر ويتأمل . ماذا يعني هذا الطائر الكبير . هل هي طائر العنقاء الأسطورة الذي اختفى قديما . ولاوجود له الا في الكتب والروايات . هل هي من تحلق فوق القلعة . وتغرق المدينة في الظلام . وصوتها الذي يشبه صوت ذوي صفير الانذار . حاول ان يجد تفسير او معنى لهذا الكابوس . لم يجد اي علامه او اشارة  قد تدله الى فهم هذا الكابوس.

  ، في وسط المدينة حاولت ان أشرع  قليلا في المشيء ، دون ان أرى الى الخلف ، كنت أظن بأن هناك أشخاص يتتبعون خطواتي و يراقبوني . كنت احسستهم ، واشتممت  ريحتهم ، وكنت أسمع وقع خطواتهم خلفي . كان ذلك حدس مني  ينتابني ، ولم تكن لدي الرغبة . للوقوف والتأكد من ذلك . كنت قد خرجت من البيت ، في هذا اليوم ، الشديد الحر الذي بدأ الصيف فيه بموسم حار ، مع سطوع للشمس و زرقة في السماء الصافية ، الا اني واصلت المشيء راجلا ، كل تلك المسافة في وسط السوق ، لا لشيء الا للجلوس في المقهى ، هي بلوى كنت قد ادمنتها ، او قدر محتوم كتب علي ، هي عادة وادمان ، السيجارة وكوب الشاي العدني ، التي اتلذذ به وأستنشق رحيق ذلك التبغ ، الذي الفته منذ دخولي الثانوية العامة ، فكان يستهويني نفث الدخان الاسود ، و هو يخترق الفضاء الخالى من اي شيء ، بعد كل رشفة شاي ، مع مجموعة اصحاب زملاء الدراسة ، نلتقي كل يوم  للدردشة ، والحديث في كل شيء، السياسة والكرة ، والفن وكل شيء ، طالما هناك ، كوب من الشاي  العدني وسيجارة  تعدل الرأس ، تلك لحظات المتعة والتلذذ . كان ذلك نوع من التسلية  والراحة من ضغط العمل . ومن بعض القلق والخوف ، التي كانت تنتابني في الآونة الأخيرة  ، كان ذلك بعد صلاة العصر حتى اذان العشاء ، نمط الحياة كل يوم الذي لم يتغير ، قد تكون حياة مملة وعاديه . دائما ما كنت  أسئل نفسي ، هل أنا من اختار عملي . ام هو من اختارني ؟ ، ربما يكون  عملي هو من اختارني ، لطالما كان عملي ، جزء من شخصيتي ، او قد تكون هويتنا مرتبطة بعملنا  . وقد يكون هذا من تأثير العمل على الشخصية . فتصبغ المهنة تأثيرها على الشخصية ، وذلك يسمى التأثير المهني في الشخصية . وقلت في نفسي  . ليس غريبا ان يكون عملك . أن تكتشف الغموض وتزوير المستندات ، والغش والتلاعب ، وكشف الحقيقة ، تلك مسؤوليه كبيرة . ومسؤولية خطرة ، في بلد يتنازعه المليشيات والساسة ، ووجهاء القبائل ، وقادة كبار ، وتجار ومسؤولين في الدولة . فهي ايضا مخاطرة ، امام هذا الغول من الفساد ، مثل اخطبوط هائم في محيط واسع ، يتسم بالمرونة والتملص من كل شيء ، جسم لزج يصيبك بالغثيان والتقيؤ ، وذراعات طويلة تمدد و كثيرة ، قادرة على امتصاص و اجتذاب الفريسة اليها ، وجذبها وابتلاعها بسهولة . ربما يكون القدر من رسم لي ذلك . وهو من اختارني لهذا العمل ، فأنا لا زلت اتذكر الماضي ، حين كنا صبيان صغار ، كانت تستهويني حل الالغاز وفك الرموز . وكثيرا ما كنا نمارس مثل هذه الألعاب. وفي الدراسة كانت مادة الرياضيات مادة محببه لي ، كنت أستطيع حل المسائل الرياضية بسهولة ويسر ، وحين بدأت امارس عملي ، في هذا الجهاز الحساس ، اردت أن اثبت لنفسي اولا ، أني امتلك الخبرة والموهبة .  كنت قد واجهة في عملي مشاكل كثيرة ، وايام صعبة وقاسية .  لكني كنت قادرا على السير في هذا العمل ، فهي مثل ارض رخوة و محفوفة بالمخاطر ، فعليك ان تكون حذرا من كل خطوة تخطوها ، قد تزل قدمك في هاوية لا قرار لها . عندما كنت اصوغ هذا  التقرير عن هذه المنشأة الفاسدة . شغلتني الكثير من الهواجس والكوابيس خاصة ذلك الكابوس طائر العنقاء المرعب . الذي يراودني كل ليله في المنام ، فأثار في نفسي  شيء من الخوف والقلق . واحسست اني مقبل على شيء ، لم تتضح ملامحه بعد ،  او اشارة كان علي ترجمتها وقراءتها . كانت هناك اسماء كثيرة  وشخصيات كبيره ، كانت متورطة في هذا الاحتيال . وكلها قضايا فساد و نصب اراضي الدولة وتزوير عقود ملكيه . حين تتفحص الاوراق تجد كلها مجموعة اسماء لشركات وهميه . ليس لديها مكاتب ، مجرد اسماء فقط على الورق ، ومرتبطة بشركات اخرى وهميه . بغض النظر عمن يكونون . فهم يجيدون التخفي وراء تلك الشركات الوهمية . ولا تقدر تمسك عليهم شيء . اذا واصلت التعقب ستجد متاهة خلفها متاهة ، ومن شركة وهمية الى شركة وهمية اخرى ، ولكن في الاخير تنتهي كلها ، عند مجموعة من الاسماء النافذة والمسؤولة ، تتخفى وراء هذه الشركات الوهمية . شبكة عويصة من الغموض ، يتم التلاعب بالكثير من الأشياء .  أدركت انني امام قضيه فساد كبيرة .

 في التاسعة مساءا ، رن جرس الباب مرتين ، فتحت الباب وجدت شخصان غريبان،  اول مرة اشاهدهما ، كانت تعابير وجوهما صارمة . كأنهم جاءوا لتأدية مهمة ، طلب الدخول لحديث معي ، ترددت قليلا ، قال احدهما لدينا امانه لك ، ثم سحب حقيبة كبيرة من خلفة ، مثل حقائب السفر الكبيرة  ، دخلا وجلسا ، قال هذه الحقيبة لك من ..  قال اسم .. لم اعرفه اول مرة اسمع به ، اعتذرت وقلت ، لم أعرف من هو ، ولا استطيع ان اخذها ، بدأ عليهما الارتباك قال احدهم . بعد ابتسامة خبيثة وماكره . ليس الموضوع كما تظن ، انها هديه من شخص يقدر عملك ، ثم فتح الحقيبة ، كانت مملوءة عملات نقديه ، مبلغ كبير جدا من المال ، فهمت انها رشوة .. لاجل وقف التقرير ، لم اقبلها طبعا الا اني ، فكرت كثيرا بعد خروجهم  .. لم أكن مرتاح لما يحدث ، وجدت نفسي اخيرا شخص اخر ومشوش التفكير .. وكأن عقلي افرغ من التفكير . ولم اجد جواب مقنع لما افعله . وقلت في نفسي ، هل سيأتي يوم وتخرج التقارير  من درج المكتب . وتذهب يوما الى القضاء .. لا اعرف ولم اجد جواب لكل اسئلتي . ولكني اشفقت على نفسي . و بعد خروج الرجلين اليوم . كنت قد تيقنت انهم هما من كانوا يراقبوني . 

في صباح هذا اليوم . تأخرت في الخروج على الغير العادة . كنت متعبا . لازال الكابوس الطائر  يطاردني كل ليلة . شاهدته يقف فوق راسي . وهو يغرس مخالبة في صدري . ويطير بي الى السماء . كنت في هذا اليوم  قد قررت عدم الذهاب الى العمل ، كان عقلي مشوشا .. ولم استطع النوم جيدا ، كنت طول الليل وانا افكر في كابوس العنقاء  . ربما كان الامر اكبر مما ظننت .كنت عاجز عن فهم  الأشياء وهي ترسم نفسها امامي .  ، كنت قد انهيت التقرير. ولم اقرر بعد ، هل اتجه الى العمل واسلم التقرير . او اذهب الى النيابة واعمل بلاغ . واسلمهم التقرير . كنت محتار ولم اقرر بعد . كان في الماضي اذا اشرت بأصبعك ، على فلان من الناس انه سارق او فاسد ، كان يخاف ويختبئ من أعين الناس ، حتى قبل ان يقبض عليه ويدان ويحاكم . كان للدولة هيبه . وللقانون قوة في هذه الارض  . وضعت نفسي في حيرة . حتى بعد اول خطوة اخطوها ، وانا خارج من البيت ، وقفت أمام الباب ، اتأمل الشارع الذي امامي ، وكأني ابحث سبب او عذر  للرجوع . اول مرة اكون فيها متردد . ولا اعرف اين اتجه ، بينما السماء كانت ملبدة بالغيوم . وركام من السحب الرمادية . تحجب ضياء الشمس . وبدا الشارع خاليا من المارة . كنت امشى بخطوات متأنية . عدا شخص وحيد يقف امام الكشك . قبالة الشارع ، أحسست بنظرات عينيه تخترق جسدي ، وقبل ان يشيح بوجه . كانت العنقاء تحلق في السماء  ، رفعت رأسي ارى العنقاء وهي تقترب . وفي لحظة خاطفة كأنها ومضة برق . كان هناك من يطلق النار نحو صدري . لمحت رأسه كان رأس طائر العنقاء . وصوته الذي يدوي مثل صوت صفير انذار قوي . طلقات اخرى في  صدري . وغرس مخالبة في صدري . ورفع جثتي  طائرا  محلق يرف رف جناحيه ، ويبتعد ويبتعد بعيدا  في اعالي السماء .