نهاية الحمدي والغشمي.. كيف تولى صالح الحكم؟ (5)

(عدن الغد)خاص:

إعداد / د. الخضر عبدالله :

مقتل الحمدي ..والجريمة ضد مجهول !.

في الحلقة الماضية من الذاكرة السياسية للرئيس علي صالح تطرقنا إلى الأحداث والاختلالات التي وقعت قبل توليه السلطة .. ومن ضمن  مسلسل الأحداث انه  في الحادي عشر من شهر أكتوبر 1977 م لقى المقدم إبراهيم الحمدي حتفه في اغرب مقتل ، إذ سجلت الجريمة ضد مجهول لأول مرة في مقتل الرؤساء وقيل فيها عدة أقاويل كلها في صالح الحمدي) . كما قتل بجواره شقيقه المقـدم عبـد الله الحمـدي ، وتم اغتيال الرائـد علـي قـنـاف زهـرة ، قـائـد قـوات الاحتياط ، واستمر الغموض حتى بعد صدور البيان الرسمي بعد أسبوع من حالة الاغتيال ، إذ أعلنت الحكومة في صنعاء يوم السابع عشر من أكتوبر ، في البيان الرسمي الأول عن ظروف الاغتيال ، إن الجريمة اكتشفت بعد فترة ليست قصيرة من وقوعها. وشيع نعشه في اكبر مظاهرة جماهيرية عرفتها صنعاء ، وتسلم المقدم أحمد حسين الغشمي مقاليد السلطة في الثاني عشر من شهر أكتوبر 1977م.

ورغم اختلاف الروايات عن كيفية مقتل الحمدي إلا أنه يمكن القول إن هناك مسببات توفرت للإطاحة بالحمدي وذلك نتيجة لعدة عوامل من بينها :

1- . انفراد الحمدي بالسلطة .

2-  موقفه السياسي من رموز القبائل والمشائخ .

3- موقفه السياسي تجاه عناصر حزب البعث .

4-  تجهيزه جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل لحماية مدخل البحر الأحمر ، فكان ذلك أمرا مزعجاً لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ، وقبل أن تبدأ هذه الفرقة عملها تم اغتياله .

5- قرار الحمـدي الذهاب إلى اليمن الجنوبي لاستكمال بعـض الإجـراءات الوحدوية بناء على اتفاق لقاء قعطبه في منتصف شهر فبراير 1977 م .

وقد تم اغتياله في اثناء مأدبة الغذاء التي اقامها الغشمي في منزله قبل ذهابه الى عدن بيوم واحد."

> اغتيال الغشمي

وبعد ستة أيام من وصول الرئيس الغشمي إلى السلطة تعرض لمحاولة اغتيال نجى منها بأعجوبة . كما بدأ الغشمي يتخذ إجراءات إصلاحية كان أولها إعادة مجلس الشورى ، حيث أصدر إعلانا دستوريا بتشكيل مجلس الشعب التأسيسي من تسعة وتسعين شخصا في 6 فبراير 1978 م وفي الثالث والعشرين من إبريل 1978 م تم انتخاب المقدم أحمد حسين الغشمي رئيسا للجمهورية وقائدا عاما للقوات المسلحة.

وفي أواخـر مـايو 1978 م تم تشكيل الحكومة برئاسة عبد العزيز عبد الغني . وفي أول حديث للرئيس الغشمي ؛ أكد على أنه لا يسمح بعودة الولاءات القبلية والشللية داخل القوات المسلحة وان ولاؤها سوف يظل فقط للسلطة المركزية حتى تتمكن من أداء دورها الوطني  .

استمر المقدم الغشمي في الحكم ثمانية أشهر حتى انتهت حياته كما قيل بعبـوة ناسفة حملـها مـوفـد مـن اليمن الجنـوبـي إليـه في مكتبـه في 24 يونيو 1978 م واتهمت صنعاء عدن بتدبير الحادث ، وفسر اغتيال الغشمي بأنه رد على اغتيال الحمدي الذي عمل على توطيد العلاقات بين شطري اليمن ، وصفت صنعاء الحادث بأنه يتنافى مع العرف الدولي والمبادئ الإنسانية ، ونفت حكومـة عـدن آنذاك الاتهامات التي وجهتها سلطات صنعاء بتدبير عملية الاغتيال ، ولكن حكومـة عدن لم تقدم أي تبرير للشحنة الناسفة التي كان يحملها مندوبها .

وقدمت حكومة صنعاء شكوى الى الجامعة العربية تطلب فيها التحقيق ي حالة الاغتيال ، وقد اقرت الجامعة العربية في اجتماعها الطارئ الذي عقد بناء على طلـب مـن حكومة صنعاء مقاطعة عربية جماعية لحكومة عدن، حيث اتفـق علـى تجميد العلاقات السياسية والدبلوماسية بين دول الجامعة العربية واليمن الديمقراطي ، كما قرر المجلس وقف العلاقات الاقتصادية والثقافية والمعونات الفنية التي تقدمها الدول العربية الى عدن على اعتبار ان العمل الذي أقدمت عليه اليمن الديمقراطية يتنافى وروح احكام ميثاق الجامعة العربية  "

> ترشيخ صالح رئيسا

وأصبح النظامـان في شـطـري الـيـمـن علـى شـفـا حـرب جديدة واخـذت التغيرات الداخلية تساعد على المواجهة ، وتولى القاضي عبد الكريم العرشي نائب رئيس الجمهورية الرئاسة لمدة أربعين يوما ، ثـم أجمع مجلس الشعب التأسيسي على ترشيح علي عبد الله صالح رئيسا للجمهورية .

كما القت حادثة اغتيال الغشمي بظلالها على مجريات الأحداث في الشطر الجنوبي من اليمن حيث فجرت صراعا على السلطة بين الجناح الذي كان يمثله الرئيس سالم ربيع علي ، والجناح المتشدد الذي يرأسه عبد الفتاح إسماعيـل أمـيـن عـام الجبهة القومية الذي نجح في الانقلاب على منافسه السياسي بدعم سوفيتي انتهى بتنفيذ حكم الإعدام في سالم ربيـع علـي ورفاقه في 26 يونيو 1978 م "

> اضطرابات سياسية معقدة

في هذه الظروف الصعبة والمعقدة التي كان يعيشها اليمن عام 1978 م فقد عصفت رياح الاضطراب السياسي وصراعات السلطة بقوة في بني الحكم اليمنية في كل من صنعاء وعدن ، فالواقع الذي كانت تعيشه اليمن حينها معقد للغاية إلى درجة جعلت الكثير مـن هـواة السلطة ينفرون منها ، واصبح كرسي الرئاسة شؤماً على كل من يعتليه وأفزع كل الشجعان لأنه رادف القتل العنيف واصبح الطموح إليه فرارا منه ، فقبل سنة لقي الرئيس إبراهيم الحمدي حتفه في حادث غاشم ولم يكد العام يمضي حتى لقي خلفه المقدم أحمد حسين الغشمي مصرعه في حادث ( الحقيبة الدبلوماسية ) القادمــة مـن عـدن ، وبعـد يومين من الحادث قتل في عدن الرئيس سالم ربيع علي .

هذه الظروف الصعبة والمعقدة والعصيبة وصل علي عبد الله صالح في 17 يوليو 1978م الى منصب رئاسة الجمهورية بطريقة ديمقراطية وعبر المؤسسة التشريعية مجلس الشعب التأسيسي ، وفوضت هذه المؤسسة ومعها ظروف اليمن في ذلك الحين على عبد الله صالح تحمل مهمة تاريخية صعبة لم يرغب احد في تحملها "

وحول  الظروف المعقدة لوصـول الرئيس علي عبد الله صالح إلى الحكم يقول مراقبون في الشأن اليمني : " كان يعتبر منصب رئيس الجمهورية في اليمن اخطر منصب في العالم يهرب منه أقوى الرجال ، فتحمل المسئولية حاملا راسه في يديه.

> هذا ما قاله صالح !

ويذكر الرئيس علي عبد الله صالح . الذي كان حينها قائدا للواء تعز ومعسكر خالد بن الوليد .عن حادثة مقتل الرئيس الغشمي في 24 يونيو 1978 م بفعل الحقيبة الدبلوماسية الملغومة ، أنه تلقى يومها اتصالا مفاجئا بالراديو من ضباط من أمن القيادة في صنعاء يبلغوه أنه وقع حادث انفجار في القيادة من دون ذكر أي شيء آخر ، وتبادر إلى ذهنه الى إن هناك حركة انقلابية ، كما يذكر أيضا عن ذلك اليوم الذي كان فيه في تعز ويقول ::"كان البرنامج المعد لذلك اليـوم أن يـأتـي مـن صنعاء إلى تعـز رئيس الأركان المقدم علي صالح الشيبة ليوزع معي الأوسمة على الضباط والصف والجنـود مـن مـعـسكر خالد في منطقة المفرق وإذا بنا نفاجأ باتصال مـن بـرج صنعاء يطلب من الطائرة التي كانت تقله وهـو نـوع / داكوتا / العودة إلى صنعاء لكننا أقنعنا قائد الطائرة بالهبوط في المفرق

حتى أتمكن من الذهاب معهم الى صنعاء ، وعندما عادت الطائرة بنا الى مطار صنعاء كنـت حـذرا وحائرا لأنني توقعت أن يكون المطار محاصرا بحكم وقوع محاولة انقلابية لكنني وجدت الحركة في المطار عادية ، وفي صنعاء جرى اتصال بيني وبين القيادة حيث طلـب مـني الضباط المجتمعون هناك المجيء بسرعة للمشاركة في الاجتماع الذي كان منعقدا ويضم قادة كافة الفروع والأسلحة مع رئيس مجلس الشعب التأسيسي القاضي عبد الكريم العرشي ورئيس مجلس الوزراء عبد العزيز عبد الغني ، وعندما وصلت سألتهم عما حصل فروا لي القصة وأدركت للمرة الأولى حقيقة ما حدث ... ، شاركت في الاجتماع وسألتهم ما العمل ؟ ثم اقترحت بان تسند الرئاسة إلى الأخ عبد العزيز عبد الغني ولكنه رفضها ، وقال بعض الضباط نختار رئيس مجلس الشعب التأسيسي القاضي العرشي ولكن القاضي قال بما ان الدستور ينص على أن رئيس الجمهوريـة هـو القائد العام للقوات المسلحة فإنني أطالب بتعديل دستوري ، قلنـا لـه إن الوقـت لا يسمح الآن ، كمـا أن المجتمعين هنا لا يملكون صلاحيات ذلك ، ثم أبدى أحد الضباط وهـو المقـدم عبد العزيز البرطي نائب رئيس الأركان الشيبة ليكون رئيسا للجمهورية وقائدا عاما للقوات المسلحة فأعلن الشيبة موافقته ؛ لكن مقترحاً جاء من القاعة يسأل لماذا لا يشكل مجلس جمهوري " .

كما يذكر علي عبد الله صالح بأنه تقدم باقتراح بتشكيل مجلس رئاسة مؤقـت مـن أربعة أشخاص ينتخبهم المجتمعون إلى أن يتم انتخابهم مـن قبـل مجلس الشعب التأسيسي وصوت الحاضرون لصالح هذا المقترح ، وخوفـا مـن الجدل الكبير حول أسماء المرشحين قدمت مقترحا ينص " على أن يكون المجلس الرئاسي المؤقـت مـن رئيس مجلس الشعب التأسيسي ورئيس مجلس الوزراء ورئيس الأركان ، ويختار المجتمعون الشخص الرابـع مـن بيـنهم ، فقـدم المقـدم محمد ضيف الله قائد القوات الجوية آنذاك اقتراحا باسمي لأكون الشخص الرابع في مجلس الرئاسة فصوت عليه المجتمعون بالإجماع واتفقنا على أن يكون القاضي العرشي رئيسا لمجلس الرئاسة المؤقت وإستمر هذا الحوار والجدل مـن الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الخامسة عصرا ".

وفي اليوم التالي اصدر العرشي قرارا بتعيين علي صالح الشيبة قائداً عاماً للقوات المسلحة وقرارا آخر بتعيين علي عبد الله صالح رئيساً للأركان وترقيته الى رتبة مقدم ، وفيما انهمك العرشي وعبد العزيز عبد الغني بترتيب الأوضاع في الجهاز المدني اتجه الشيبة وعلي عبدالله صالح لإدارة أوضاع القوات المسلحة ومحاولـة لملمـة صـفوفها . وبعـد أسبوعين مـن حـادثـة اغتيال الرئيس السابق ( الغشمي ) بدا أن الأوضاع أصبحت مهيأة لتجاوز الفترة العصيبة والعودة للعمل بموجب الإعلانات الدستورية فبدأت المشاورات للإعداد لانتخاب رئيس الجمهورية.

فإلى جانب الأسباب الدستورية فإن الأوضاع العامة لم تكن لتحتمل أي انشقاق او صراع بين العسكريين والمدنيين ، إضافة إلى احتمالات المواجهة المسلحة مع الشطر الجنوبي المتسبب في قتل الرئيس الغشمي و لذلك كانت الظروف تقتضي أن تكون السلطة بيد العسكريين ، ولم يتبق إلا تحديد اسم المرشح للرئاسة ولم يكن هناك إلا أحد الخيارين هما القائد العام أو رئيس الأركان ، وفي يوم 17 يوليو 1978 م دعا رئيس مجلس الرئاسة المؤقت القاضي عبد الكريم العرشي مجلس الشعب التأسيسي للانعقاد بصفته رئيس المجلس ووقع اختيار 75 % من أعضاء المجلس على المقدم علي عبد الله صالح رئيسا للجمهورية وقائدا عاما للقوات المسلحة.( للحديث بقية ).