(علويات ).. في الذكرى الأولى لرحيل أخي الحبيب علي يحيى الدباني (1)

كتب/ د. عبده يحيى الدباني

بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل أخي الشقيق الأعز علي يحيى الدباني أجد نفسي أكتب كلمة فيه لأنني منذ وفاته رحمه الله لم أستطع أن أكتب حرفا فيه لعلو قدره عندي وجلل مصابنا فيه .

لقد كان وما زال مهيمنا على قلبي فهو مثلي الأعلى وهو الأب الثاني  لي، فلم يكن ذلك أخا فحسب، بل كان أبا وأخا وصديقا ومعلما أيضا رحمه الله .

جزعنا عليه كثيرا في السنوات الأخيرة من حياته، لأن المرض كان قد تمكن منه، ولكن كنا نتلعق بحبل الأمل وعروة الدعاء  له بطول العمر ودوام الصحة، ولكن  قدر الله شاء أن يرحل فرحل عن دنيانا الفانية في يوم  26 مايو عام 2021م  ودفن رحمه الله صباح 27 مايو في مدينة جدة في مقبرة الرحمة .

كنا نعيش أيام ما بعد عيد الفطر من العام الماضي وكنت أعرف أنه مريض وقد تمدد شهرا كاملا في المستشفى في حالة إنعاش فكان خروجه إلى البيت خروجا من الحياة نفسها فقد كان المرض عضالا .

يتوقف قلبه فيعيده الأطباء إلى النبض من جديد ولكن كل ذلك مؤقتا  .

كان الوقت  عشاء وما زلنا سامرين في باحة المنزل ، فاذا بي اسمع ضجة اصوات بكاء  في الداخل فنهضت منزعجا وذهبت لأعرف ما الذي حدث ، فشاهدت ابنتي تبكي بجزع وقالت هذه الجملة التي لم أنسها ولن انساها في حياتي إنها جملة  تتكون من ثلاث كلمات ولكن لها ثقل الجبال على رأسي ، قالت وهي تبكي : (عمي علي مات) جملة صادمة  مزلزلة بالنسبة لي فكان حالي مثل حال  الشاعر اوس بن حجر حين قال :
إيتها النفس أجملي جزعا
إن الذي تحذرين قد وقعا
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم .

فما أكثر ما سمعنا جملا تحكي عن هذا  الأخ الاستثنائي الفذ  كأن تقول بنتي مثلا : عمي علي سافر أو عمي علي وصل أو عمي علي اتصل الى غير ذلك من الجمل الخبرية او حتى عمي علي دخل المستشفى ، وغير ذلك فما اكثر الأخبار القادمة من هذا الرجل الفاعل الحيوي المؤثر في من حوله وفي من هم بعيدون عنه بعد مسافة لا بعد مشاعر ، وكان كثيف الحضور في حياتنا وكثير التواصل مع كل منا حيث كنا .

لكن أن تقول (عمي علي مات) فهذا نبأ ضاقت حتى الجملة به ويصعب تصديقها هكذا من غير مقدمات ولا مؤكدات ، ولكن البكاء والنحيب  وصور الفقيد في الفيس بك وحالات بعض الأهل والأقارب والأصدقاء في الواتس اب كان كل ذلك مؤكدات للخبر الصادم فلم تدع لنا املا ولم تترك شكا ، وهنا يحضر المتنبي :
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بامالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه املا
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي 
غير أن مصابي أشد من مصاب المتنبي ، الذي استطاع أن يبكي ولم استطع أنا ذلك .

ماذا يمكن للمرء أن يعمل في مثل هذه المواقف ؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الصبر عند الصدمة الأولى .

عدت إلى مكاني وأجما ثم شرعت في تهدئة الأولاد والبنات والزوجة وجميع من في البيت ، فكلهم كانوا يبكون بحرقة ، تماسكت وأنا أكثرهم  وجعا وفجعا .

قلت الحمدلله وسالت الله العزاء والصبر ، فالحق أنه لم تمر بي في حياتي فاجعة أشد من هذه فالحمد لله نحن أسرة قليلة الحوادث وقليلة الأحداث الصادمة والرحيل المبكر فما شاء الله ، ماتت أمي قبل أكثر من أربعين عاما ، ولحقها ابي بعد أكثر من ثلاثين عاما ثم أخي الوسط ، هذا  بعد أبي بحوالي خمسة عشر عاما ، فكان هذا هو الحادث الأكبر في حياتي .

رحلت أمي وأنا صغير فلم أجزع كثيرا حينها إلا حين حل المساء بدونها ومع الأيام حين شعرت بفقدانها وجفاف ينبوع الحنان بعدها رحمها المولى تعالى ، ومات أبي وقد كان شيخا كبيرا وقد هده المرض فكان الموت أرحم به من أرذل العمر رحمه الله تعالى ، فبقي يعيش بيننا حيا بكلامه ومواقفه وشعره وغير ذلك .