قصة (بين فُراقين)

كتب/ محسن فضل

في كل يوم يخرج الطفل إلى الطريق التي أنشئت قبل بضع سنوات متأثراً لما كان يسمعه من نساء القرية اللاتي كُن يسألن أمه ؛ هل عاد زوجك؟ ألم تقولين أنه سيعود نهاية الأسبوع ؟
الأم: بلى... بلى هو آتٍ في الطريق.

وفي إحدى الليالي  تحتضن الأم  طفلها للنوم وهي تقول في نفسها: هو آتٍ الآن- تقصد بذلك زوجها- بعد أن سلبني الزمن الكثير من الجمال وتغيرت ملامح جسدي  طوال فترة غربته الطويلة.

وبينما الأم منهمكة مع ذاتها تتذكر آخر لحظة جمعتها بزوجها قبل تسع سنوات فإذا بطفلها يناديها متذمرا ً؛ أماه، لقد تعبت وأنا أصعد إلى الطريق على مدى الخمسة الأيام الماضية لأنتظر أبي الذي لم يأتي بعد ؛ فكم عليً أن انتظر يا أمي؟.

الأم : لا عليك يا بني سيعود ... سيعود .

الطفل : سأصعد غداً إلى الطريق لأنتظره للمرة الأخيرة.

الأم : حسناً.

الطفل : ولكن يا أمي كيف لي أن أتعرف إلى أبي ؟ كيف هو شكله ؟.

الأم : هو من سيعرفك فقد فارقني وأنت ابن عشرة أيام فقط ؛ أظن أنه يتذكر جيدا العلامة التي عليك .

الطفل : ألم تقولين لي يا أمي أن عمري الآن صار تسعة أعوام ً؟

الأم: بلى ... بلى ... هو كذلك .

الطفل يحدث نفسه هي سنوات طويلة التي تركنا أبي وحيدين هنا .

وفي الصباح وكما هي العادة يسير الطفل متجهاً نحو الطريق لينتظر أباه ، الأم لا شيء يخيفها من أن يصيب ابنها فهو بحسب اعتقادها يذهب نحو طريق نادراً ما تسلكها مركبات النقل .

وبينما الطفل يجلس بجانب الطريق يرسم على الرمل الناعم أشكالاً يفضلها فإذا به يسمع صوتاً يأتي من الأعلى دون أن يرى من أين مصدره ؛ يقترب الصوت رويداً ؛الصوت ليس بالمخيف ؛ يتوسط الطفل الطريق محدثاً نفسه هذا هو أبي قد أتى ؛ الصوت يقترب بسرعة يحاول الطفل أن يدقق بنظره إلى ما هو قادم نحوه لكنه لم يستطع ذلك فسائق المركبة كان يقودها بسرعة جنونية جعلت الطفل يلفظ أنفاسه الأخيرة لقوة الصدمة ؛ السائق لم يهتم لما حدث فهو يعتقد أن ما ارتطم به قد يكون أحد حيوانات الجبل .

لم تمر سوى لحظات فيأتي الأب يقود مركبته بهدوء وهو يتلذذ بهواء القرية النقي كما لو أنه يتمنى أن يتذوقه ؛ وعند وصوله إلى مكان الحادثة يترجل من على مركبته يتقدم بخطوات ثقيلة نحو ذلك الطفل المفرغة دمائه يرفعه من على الأرض يقلبه بين يديه وهو يقول: من يكون هذا الطفل ؟ من يكون؟ تقع عيني الأب على جبين الطفل فيرسل يده لتمسح تلك الدماء لمعرفة ما تغطيه فكانت المأساة أن رأى تلك العلامة السوداء التي تحتفظ بها ذاكرته فقط  من شكل طفله المولود قبل تسع سنوات ، يضم الأب طفله إلى حضنه وهو يبكي بكاءً شديدا ً؛  ترك مركبته بكل ما فيها من هدايا مفتحة الأبواب فهو لم يعد يتذكرها ؛ يمشي بهدوء حاملاً بين ذراعيه طفله الصريع ؛ يقترب من المنزل ، الأم يخفق قلبها بشدة تتساءل وهي تضع يدها على صدرها ما سبب كل هذا الخفقان اليوم؟ تسعى نحو الباب مسرعةً فهي تشعر أنها بحاجة إلى هواءٍ نقي فكانت الحسرة أنها وجدت من يقف على الباب منً يحمل بين ذراعيه طفلها المضجر بالدماء ، الأب لا يستطيع أن يتكلم وكأنه أبتلع لسانه بنفسه ، فما كان من الأم إلا أن مدت يديها لتأخذ ابنها ودموعها تسيل بغزارة وهي تقول لزوجها الواقف بصمتٍ أمامها وبصوتٍ حزين متقطع : جئت لتنقذني من ألم فراقك ليً ؟ها أنذا  الآن قد أصبحت في فراقٍ آخر هو عليً أشد ألماً من سنوات فراقك .