باصرة ..رجل التاريخ الذي أصبح تاريخا ( الاخيرة )

(عدن الغد) خاص :

 

إعداد / د. الخضر عبدالله :

 من خلال تتبع السيرة والمسيرة للدكتور صالح باصرة. فقد كانت مدينة عدن لباصرة حاجة ثانية فهي مدينة حضارية وخليط من سكان الجنوب العربي والجاليات الأخرى عكس مدينة المكلا بحسب سرده في المقابلة التلفزيونية مع قناة السعيدة من حيث الانفتاح والاختلاط في الدراسة مع الفتيات في التطور والانتعاش التجـاري والحضاري بعد الحقبة الاستعمارية بأربع سنوات وغيرت في حياته الكثير وتعرف فيها بناس كثيرة ومن مختلف شرائح المجتمع العدني وصقلت مواهبة وتعلم الكثير من النظم والقوانين واللبس والمظهر والشياكة من لبس البنطالون والجزمة والكرافتة ... إلخ . وسكن في السكن الجامعي الخاص بالطلاب بالبراق في مبنى كلية التربية العليا سابقا وكانت جهوده مركزة ، بدرجة أساسية على الدراسة التي تحدد مستقبله"

 

باصرة من  نجاح إلى نجاح  

وهكذا سارت حياة الباصرة من نجاح إلى نجاح ، ثم شغل منصب رئيس قسم التاريخ في العام 1978 م ، وخلال المدة التي قضاها في عدن بعد التخرج معيداً عاش في عدن في وضع سكني صعب ، إذ ظل لسنوات في غرفة -  في عمارة التلال - التي كانت فيما سبق فندقاً وهي في موقع مرتفع في كريتر الخساف يطل على مقهى زمزم الشهير الذي يرتاده الحضارم . ولكنه لم ييأس ولم يستسلم للظروف التي مر به ظـل كتلة من النشاط والحماس يشارك في مؤتمرات علمية منها مؤتمر المؤرخ الشباب في ليبيا ، وفي العام 1980 م ابتعث للدراسة العليا إلى المانيا الشرقية ولمدة ست سنوات بماقيها دراسة اللغة الألمانية في مدينة ( كارل ماركس ) ( کامينتس حاليا ) وبعد ذلك انتقل إلى مدينة لايبزج للدراسة إذ مكث فيها مع زميله محمد سعيد داؤود مدة خمس سنوات ونصـف فـي غرفتين منفصلتين من الطابقين العلويين من السكن الجامعي ، وكانت دراستهم في قسم علوم إفريقيا والشرق الأدنى بجامعة لايبزج وكانت رسالة الماجستير "عن الحركة الوطنية في جنوب اليمن لنيل الاستقلال 1967 م " وكان مشرفه العلمي أستاذ أكاديمي متخصص في تاريخ اليمن وكـان يتبوأ منصباً أكاديميا وإدارياً عالياً في الجامعة . وفي العام 1982 م ناقش باصرة رسالة الماجستير مع زميله محمد سعيد داؤود أمام لجنة علمية واحدة في جلستين متتاليتين في قاعة واحدة ، ثم عاد إلى أرض الوطن بعد أن سجل موضوع أطروحته للدكتوراه وكـان موضوعها تشكل حركة الشباب والطلاب في جنوب اليمن ودورها في النضال من أجل تحقيق الاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي ( منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى 1973 م . ويقول زميله محمد سعيد داؤود أنه تأخر في عدن لمدة ستة شهور لغرض تحصيل الحقائق والمعلومات اللازمة لإعداد أطروحته العلميـة للـدكتوراه وللزواج . ولذلك أكملت دراستي قبله وغادرت ألمانيا في العام 1985 م . وقد ودعني في مطار برلين وعلامات القلق من احتمال انفجار الوضع السياسي والعسكري في عدن التي كانت واضحة على ملامح وجهـه . ويردف المؤرخ محمد سعيد داؤود في موضوع آخر في هذا الصدد قائلا : " وعندما تفاقمت الصراعات السياسية بين القيادات التاريخية للجبهة القومية في الحزب الاشتراكي اليمني على السلطة في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي ، وقفت القوى البعثية في الحزب الاشتراكي اليمني إلى جانب الرئيس على ناصـر محمـد رئيس الحزب والدولة لاقتناعهـا بوجاهـة نهجـه وأطروحاته الموضوعية من ناحية ، ولأنه كان يستجيب لمطالبهم المشروعة ومنها على سبيل المثال قيامه في العام 1982 م بمنح الأمان والسماح بالعلاج في الخارج للجريح علي سالم الغرابي مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي بالمكلا المطار سياسياً في حضرموت منذ العام 1972 م من ناحية ثانية كان باصرة يتبوأ في المانيا بعد عودته من الوطن وعبر الانتخابات منصب السكرتير الثاني لمنظمة الحزب الاشتراكي اليمني ، التي كانت منقسمة على مجموعتين بوصفها امتداداً طبيعياً للصراعات السياسية الدائرة في الوطن ، وكان باصرة يقف حينذاك على رأس المجموعة المؤيدة للرئيس علي ناصر محمد ومجموعته ، ولم تقتصر تداعيات هذه الحرب على داخل الوطن ، بل امتدت تأثيراتها إلى المانيا وغيرها من الدول الاشتراكية الأخرى ، وكنتيجة طبيعية لهذه الحرب سيطر الجناح المنتصر على السلطة والحكم وقيادة الحزب والسفارة اليمنية في ألمانيا ، وبدأوا في الانتقام من خصومهم المؤيدين للفريق المهزوم في تلك الحرب.

 

باصرة وأحداث 86

 

ومن الانتقامات قيامهم باتخاذ قرار سياسي يقضي بفصل باصرة وبعض رفاقه البارزين من الحزب ، وإيقافهم عن مواصلة دراستهم العليا في المانيا وترحيلهم إلى عدن . لقد شكل هذا القرار صدمة قوية لباصرة لم يكن يتوقع أن يصل حقد رفاقه عليه وانتقامهم منه إلى هذه الدرجة من العداوة غير الأخلاقية ، لاسيما أن الصراعات التي دارت بينهم في ألمانيا كانت سياسية وسلمية .. وهذا القرار كان أكبر مشكلة واجهها باصرة في حياته لأنها جاءت وهو في اللمسات الأخيرة من إنجاز أطروحته للدكتوراه ، ومن أجل حماية نفسـه مـن تداعيات هذا القرار سارع باصـرة في الاتصال بمشرفه العلمي وأخبره بمضمون هذا القرار الجائر ، فأكد له المشرف بأن الجامعة والحكومة الألمانية لن تعتمد هذا القرار الناجم عن صراعات حزبية داخليـة ، وبعد ذلك جاء وفد حزبي رفيع المستوى من عدن لتوضيح أحـداث 13 يناير ونتائجها لمنظمات الحزب الاشتراكي اليمني في الدول الاشتراكية ومن ألمانيا ألغي هذا القرار . غير أن باصرة ورفاقه قرروا عدم العودة إلى الحزب .

وبذلك انتهت علاقته بالحزب الاشتراكي اليمني من دون ان يطلق عليه شيئاً من النعوت الحزبية التي تم اطلاقها على رفاقه الآخرين بالحزب بعدن مثل ( الطغمة ، الزمرة ) الذي كان على رأس فريق المدافع بشراسة واقتناع على موقفه الحزبي هو ورفاقه في تلك المرحلة .

وهكذا وبعد الأحداث التراجيدية لكارثة 13 يناير والصراع الحزبي نال باصرة شهادة الدكتوراه في العام 1986 م وقرر العودة إلى أرض الوطن عدن مقر عمله الذي تعيش فيه أسرته رافضاً كل العروض والإغراءات باللجوء السياسي أو القدوم إلى صنعاء ، أو الهروب إلى دولة أخرى ، وعاد باصرة إلى عدن وإلى عمله في الجامعة في العام نفسه وفي ظروف عصيبة للغاية ولكنه كان محل تقدير واحترام من كل زملائه والمسؤولين في الجامعة . حيث تولى بعد بضعة شهور رئاسة قسم التاريخ في كلية التربية بعدن ، وغين عميدا للبحث العلمي والدراسات العليا في جامعة عدن في العام 1991 م ، وفي العام 1993 م عين قائماً بأعمال نائب رئيس جامعة عدن للشؤون الأكاديمية وفي أكتوبر من العام 1995 عين رئيساً لجامعة عدن بقرار جمهوري ، كان الباصـرة أستاذاً أكاديميا بامتياز نقل جامعة عدن إلى مستوى الجامعات العربية ، وفي عهده الذي امتد تسع سنوات ، كانت جامعة عدن حافلة بالإنجازات والنجاحات الكبيرة ، وحظيت شخصية باصرة بالاهتمام الكبير مـن قبـل الساسة والشخصيات الأكاديمية العربية وأساطير الإعلام ، واختير بوصفه شخصية ثقافية عربية في حفل بهيج ، ولفت انتباه القيادة السياسية ، وكان نتيجة ذلك الانتباه تعينه رئيساً لجامعة صنعاء ، ثم وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي ، وأصبح الرجل الأول في التعليم العالي في اليمن وهذا ما سنتحدث عنه في المباحث الأخرى من هذا الدراسة" .

 

وفاة باصرة

 

وتوفي صالح علي باصرة في 20 نوفمبر 2018 م بمرض السكري الذي كان يعاني منه لسنوات طوال ولم يرحمه حتى آخر لحظة في حياته ، وقبر بمقبرة القطيع كريتر . وقد أسف الناس عليه لما بلغه من درجة عالية في العلم والمعرفة والريادة والتنوير العلمي في اليمن ."