من مذكرات سالمين.. أسرار جديدة تكشف تدبير عملية إعدامه (28)

إعداد / د. الخضر عبدالله:

تحدثنا في العدد الماضي كيف تم التخطيط لمقتل الرئيس الغمشي ونتابع في هذا العدد مجريات ما تقبى من فصول الحاكية ".

 

مقتل الغشمي والانقلاب على سالمين

عقب عملية الاغتيال أعلنت خمس عشرة دولة عربية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. حيث خرج الرئيس سالمين متوعدا بالانتقام من قتلة الرئيس الغشمي .

 

وفي اليوم التالي من حادثة اغتيال الغشمي دعت اللجنة المركزية لاجتماع استثنائي لغرض تحميل الرئيس سالمين قضية اغتيال الغشمي كمخرج من المأزق الذي كان يحيط بالدولة في الجنوب"

 

تنحي سالمين وإحالته إلى المحاكمة

واتخذت اللجنة المركزية قراراً بتنحية سالمين وإحالته إلى المحاكمة وكلفت المكتب السياسي بالتنفيذ.

 

على إثر ذلك دعا المكتب السياسي لعقد اجتماع في مجلس الوزراء في منطقة الفتح بالتواهي لتنفيذ القرار إلا أنهم أجلوا الاجتماع إلى التاسعة مساء، ولم يشعروه بالتغيير، ولذلك عاد الرئيس سالمين إلى قصر الرئاسة وفي التاسعة مساء تم الاتصال بالرئيس من قبلهم، إلا أنه لم يحضر معتبرا أن هناك تلاعبا بالتوقيت لتفادي حضور"

 

ضابط في أمن الدولة يكشف أسرار اغتيال سالمين

وقال الأخ مهدي محمد صالح سعيد السجر الكازمي ضابط في امن الدولة  في شهادته للتاريخ بحكم عمله في قسم الرصد المجاور للقصر المدور على أحداث يونيو 78م والتي راح ضحيتها اشرف وانزه رجل عرفته بحياتي الرئيس سالم ربيع علي وبحكم أنني رجل عاش وتواجد في قلب الحدث سوف اسجل شهادتي للتاريخ .

 

ولكن قبل الحديث عن أحداث يوم 26 يونيو 78م اريد الحديث عن مقتل الرئيس الغشمي الذي حاول فريق عبد الفتاح في المكتب السياسي تحميل سالمين المسؤولية الكاملة عن مقتله ووجدوا في ذلك فرصة وحجة للتخلص من الرئيس سالمين ...

 

ويضيف :" ولكن الحقيقة هي ان التخلص من الغشمي كان أمر متفق عليه في المكتب السياسي وسوف اروي لكم هذه الحقيقة ... ففي يوم 24 يونيو 78م وهو يوم مقتل الرئيس اليمني الغشمي وبينما نحن في مقر عملنا قسم الرصد الواقع بجانب القصر المدور في الرئاسة مباشرة وعلى غير العادة وصل إلى القسم كلا من : صالح مصلح وعبد العزيز عبد الولي ومحمد سعيد عبدالله وشخص رابع لا اتذكره جيدا ... اعتقد انه حسين الهمزة من فرع الحزب وعندما دخلوا علينا إلى غرفة الأجهزة . قال صالح مصلح : هل في خبر من صنعاء ! ثم طلب مننا متابعة اخبار صنعاء للأهمية القصوى وبعد لحظات وبينما كان أحد الزملاء يتنصت سمع محادثة بين عامل الاتصال في مقر القيادة العامة بصنعاء مع عامل اتصال في قعطبة حيث كان صاحب قعطبة يريد من صاحب صنعاء أن يستلم منه برقية اي رسالة فرد عليه صاحب صنعاء انهم مشغولين جدا ... وعندما ألح عليه قال له صاحب صنعاء نحن مشغولين (فلك ) انتهى !

 

وكلمة ( فلك ) هي ترمز لرئيس الجمهورية فقال زميلنا الذي يتنصت ان صاحب صنعاء يقول ان الرئيس انتهى يعني مات ... وبعد تأكيد الخبر مرة ثانية اخذ الأخ صالح مصلح الهاتف واتصل يبلغ القيادة عبدالفتاح وسالمين وغيرهما من اعضاء المكتب السياسي بان الغشمي انتهى وهذا دليل واضح من ان حضور هؤلاء الوزراء من أعضاء المكتب السياسي إلى مقر الرصد وقيام صالح مصلح بالاتصال وإبلاغ بقية القيادة في المكتب السياسي بنجاح العملية في اغتيال الرئيس الغشمي ... دليل واضح ان عملية التخلص من الرئيس اليمني الغشمي كما اشرت في المقدمة كان مخطط له ومتفق عليه من قبل المكتب السياسي ...

 

ولكن عبدالفتاح وجماعته في المكتب السياسي وجدوا من ذلك فرصة وذريعة وحجة للتخلص من الرئيس سالمين وتحميله المسؤولية الكاملة عن مقتل الغشمي خاصة بعد ردود الفعل العربية والدولية المنددة لهذه الجريمة .

 

ويضيف الكازمي في شهادته للتاريخ قائلا : نعود إلى أحداث 26 يونيو بصفتي شاهد وحاضر فيها بحكم عملي ووجودي في دار الرئاسة حيث كنت اعمل كما اشرت في المقدمة في قسم الرصد الواقع بجوار القصر المدور وهذا القسم تابع لأمن الدولة والذي كانت مهمته التنصت على اتصالات الشمال ... بل وكنت أسكن كذلك في الرئاسة بنفس السكن الذي يسكن فيه حراسة الرئيس سالمين .

 

ويواصل الكازمي سرد شهادته للتاريخ بقوله :" اتذكر في تلك الليلة المأساوية انني جلست في المكتب في قسم الرصد انجز بعض الاعمال وقد علمت من زملائي في حراسة الرئيس سالمين في تلك الليلة ان علي عنتر وصالح مصلح ومطيع كانوا قد ترددوا أكثر من مرة للتوسط بين سالمين وعبدالفتاح وفريقه .. وكان صالح مصلح ومطيع هما آخر من غادرا من عند الرئيس سالمين بعد الساعة 12 ليلا تقريبا صباح يوم 26 ومعهم استقالة سالمين وتم الاتفاق بينهم على سفر سالمين للخارج اليوم الثاني وفعلا قام سالمين بتجهيز شنط سفره استعداداً للسفر .وقد علمت فيما بعد أنه وبعد مغادرة صالح مصلح ومطيع اعطيت تعليمات لحراسة بوابة الشرطة العسكرية الفتح مدخل الرئاسة أنه إذا خرج سالمين أطلقوا النار عليه .

 

وأضاف الكازمي وقد علمنا أنه تم في نفس الليلة اعتقال القيادات العسكرية الموالية لسالمين وهناك عملية حشد وتعبئة لمقرات الميليشيات في مديريات عدن وأنه قد تم إفهام من تم تحريكها من قوات باتجاه الرئاسة من ان الرئاسة تعرضت لهجوم وانزال من الشمال ... الخ

 

واردف الكازمي :" وبينما كان سالمين في غرفة نومه في دار الرئاسة فوجئ بإطلاق النار على سكنه في القصر من الشرطة العسكرية ومن رأس مربط ومن وزارة الدفاع في حدود الساعة الثانية صباحا تقريبا بعد تقديم استقالته وعند سماعي لإطلاق النار هرعت من مكتبي في قسم الرصد بإتجاه دار الرئاسة فوجدت سالمين وعلي سالم لعور وجاعم مع بعض من الحراسة خارجين من دار الرئاسة باتجاه القصر المدور وسمعته يقول عملوها فينا ...

 

تحركنا مع سالمين إلى القصر المدور ثم نزلنا في احد الاخوار ( خندق) القديمة بجانب القصر المدور نحتمي فيها حيث استمر تبادل إطلاق النار بين الطرفين وتعرضت الرئاسة للضرب بمختلف انواع الاسلحة بما في ذلك الطيران والقوارب البحرية وجلسنا في هذا الخور إلى قبل المغرب والمعركة مستمرة ونتيجة لنفاذ الذخيرة على الحراسة وعدم التكافىء العسكري في المعركة والحصار قرر سالمين الاستسلام فكلف احد قادة حراستة ويدعى محمد سعيد الكازمي ان ينادي عليهم لانهم كانوا تحتنا مباشرة وعلى مسافة قريبة جدا وفعلا نادى عليهم بأننا سوف نسلم ومن ثم أرسل سالمين رسالة مختصرة مع واحد من عمال الرصد أتذكر اسمه عبدالله عوض من يرامس موجهه إلى علي عنتر يقول له فيها انه يريد ان يسلم نفسه إلى يده . لكن يبدو أن رسالة سالمين لم تصل إلى علي عنتر وتم الرد على سالمين : يجب ان تسلم نفسك لقائد الحملة الباخشي وخرجنا جميعاً من الخور مع المغرب وكنا نمر فوق مأسورة المجاري حسب طلبهم إلى الجهة الأخرى التي فيها القوة المحاصرة لنا بقيادة الباخشي .

 

وأشار الكازمي إلى أنهم وفي البداية اخذوا سالمين ولعور وجاعم في سيارة ثم تم فرز الضباط عيال امزربه محمد وناصر وصالح شيخ وهود وصالح ومحمد سعيد امامنا بمسافة .

 

ثم اصطفينا بعدهم واخذونا جميعاً مشيا على الاقدام إلى الشرطة العسكرية الفتح ...

 

ثم وزعوا الناس في غرف وبالنسبة لي انا وزملائي من عمال الرصد التابعين لأمن الدولة مننا في حدود خمسة أفراد كما أذكر منهم علي عبادي علي من الضالع وعبدالله عوض من يرامس ولا أتذكر بقية الأسماء تم أخذنا جميعا اليوم الثاني للتحقيق إلى وزارة أمن الدولة ثم معسكر الصولبان ثم استقرينا في سجن الفتح التابع لأمن الدولة .

 

تدبير اغتيال سالمين

وحول الأحداث التي حصلت عقب مقتل الرئيس ( الغشمي ) يروي تفاصيل هذه الحكاية  الرئيس علي ناصر في أحدى مذكراته التاريخية حيث قال :" سهلت استقالة "الرئيس سالمين التي جاء بها صالح مصلح "مكتوبة" مهمة اللجنة المركزية، فقبلت الاستقالة، معتبرة الأمر منتهياً عند هذا الحد. وبعد الاجتماع انتقلنا إلى منزلي مع بعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية لمناقشة تفاصيل إجراءات سفر الرئيس  إلى إثيوبيا بناءً على رغبته، وكان ذلك في ظل أجواء ملبّدة بالغيوم والأخطار، حيث كان الوضع متأزماً في كل ركن ومكتب ومعسكر، وقابلاً للانفجار في أيّ لحظة، وهو ما لم يتأخر.

 

ويضيف في حديثه :" ليس المهم من أطلق الطلقة الأولى والرئيس يستعد للرحيل إلى أديس أبابا، لأن الأصابع كلها كانت على الزناد من الطرفين. لكنّ بعض حراسه الذين كانوا يخشون مصيرهم المجهول بعد رحيل ربيع، سواء بالفصل أو السجن أو القتل، تصرفوا بطريقة خاطئة، وأطلقوا النيران باتجاه اللجنة المركزية، في الوقت الذي كان الرئيس يُعدّ فيه نفسه للسفر. ولا شك في أنه لم يصدر قراراً بالمقاومة، وهكذا حصل الانفجار بإطلاق النار على منزلي بالتواهي، الذي كان فيه عدد من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، وقد نجونا بأعجوبة بعد أن سقطت القذائف على جذع شجرة كبيرة حالت دون انفجارها في المنزل، لكنّ الزجاج المتطاير من النوافذ لشدة الانفجار أصاب البعض بجروح، وأصدرنا الأوامر بالردّ على القصف من دار الرئاسة، وتطور إلى تدخل القوات البرية والجوية والبحرية"

 

ماذا جرى في 26 يونيو؟

وقال الرئيس ناصر في حديثه كشاهد عيان :" في الساعة الثانية والنصف من صباح الاثنين 26 حزيران/ يونيو 1978م انفجر الموقف عندما سُمعتْ أصداء طلقات نارية بالقرب من المدخل الرئيسي لدار الرئاسة في منطقة الفتح بمدينة التواهي، وكان مصدرها معسكر "الشرطة العسكرية" القريب من تلك البوابة، وعلى أثرها بدأ التراشق بالنيران من كل جانب من قبل حراسة الرئيس سالمين وحراستنا، وأضيئت السماء من جراء القصف الذي تردد صداه في منطقة التواهي. وفي الوقت ذاته تقريباً، كانت المعارك قد اشتعلت في منطقة "دلتا أبين"، مسقط رأس الرئيس سالمين.

 

في ذلك الوقت، كان الرئيس في "دار الرئاسة"، ومعه أفراد حراسته وبعض أنصاره الذين لا يزيد عددهم على مئتي رجل. وكان إلى جانبه "جاعم صالح محمد"، عضو المكتب السياسي والسكرتير الأول لمنظمة التنظيم في أبين، و"علي سالم لعور" عضو اللجنة المركزية، وزير الدولة لشؤون مجلس الرئاسة، بينما انتقل بعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية بطائرة عمودية من التواهي إلى قلعة معاشيق بكريتر، حيث سكن الأمين العام عبد الفتاح إسماعيل.

 

لم يستمر صمود أنصار الرئيس طويلاً، فقد قُطعت الكهرباء والماء والهاتف عن دار الرئاسة، لكنهم استطاعوا صدّ بعض الهجمات التي شنتها بعض الفرق العسكرية المسلحة على "دار الرئاسة"، وردّها على أعقابها، في الوقت الذي كان سلاح البحرية يوجه فيه قصفاً بالمدفعية على مقرّ الرئيس والقصر المدور. وشاركت في القصف مدفعية منطقة "رأس مربط". وفي مرحلة لاحقة، اشترك "سلاح الطيران" في القصف، موجهاً قذائفه الصاروخية إلى مواقع أنصار الرئيس.

 

في أثناء ذلك تحركت قوات من "خرز" تابعة للمحور الغربي لمساندة الرئيس، لكنها قبل أن تصل اصطدمت بقوات من معسكر "صلاح الدين"، وقد استخدم الطيران لوقف تقدمها، واستمرت تلك المعارك حتى فجر يوم 27 حزيران/ يونيو 1978".

 

سالمين يسلم نفسه

ويقول متابعون لهذا الشأن :"  أنّ الرئيس سالمين  استمر صامداً حتى الساعة الخامسة والنصف من عصر اليوم الأول الذي انفجرت خلاله المعارك، قَبِلَ أن يستسلم في الأخير، بشرط أن يسلِّم نفسه تحديداً لعلي عنتر الذي كان يعدّه صديقاً، طالباً منه أن يكتب له ضماناً بسلامة حياته. وبالفعل كتب علي عنتر التزاماً بخطّ يده بضمان حياة الرئيس في حالة تسليمه نفسه ووقف إطلاق النار.

 

ووافق الرئيس على ذلك، فتوقفت المعركة في دار الرئاسة، وسلَّم الرئيس نفسه ومعه جاعم صالح وعلي سالم لعور ومئة وخمسون من أنصاره كانوا يقاتلون معه. وأرسل الثلاثة إلى منطقة "معاشيق" حيث كان "المكتب السياسي" في حال انعقاد في المنزل الذي يقطنه الأمين العام عبد الفتاح إسماعيل، ووضعوا في منزل مجاور حتى يُبَتّ في أمرهم".

 

(للحديث بقية)