شهيد محراب المظفر

((عدن الغد)): بقلم الكاتب الصحفي /عبدالسلام القيسي

 

زرت صباح امس الثلاثاء جامع المظفر الرسولي، لأشاهد المحراب الذي أستشهد فيه جدي الشيخ سعيد بن سعيد المخلافي، عام ٧٢، وكنت صحبة مروان مقبل، ووصلنا الباحة، دلفنا الى حيث باب دخول المسجد وعليه حارس، من ابناء المدينة القديمة، منعنا من الدخول،تعرض الجامع للنهب وللسرقات فيقفلوه بعد كل صلاة، سألته عن استشهاد الشيخ المخلافي، فحدثني وعن زمنه،هو يعرفه وقال بصوت متهدج : الله يرحمه
كنت فقط أريد أن ألج الجامع ليريني اين أستشهد جدي ولفظ أنفاسه الأخيرة،وهو يقرأ،فلقد كان يقرأ بضحى رمضان سورة الفتح،ودمه يوشي المصحف، فلم يسمح لي،سألته عن المصحف الممزوج بدم جدي وكلام الله،فحدثني عن سرقة أغلب المخطوطات التي كانت في الجامع وبيعت وهربت ويدري عن المصحف ولا يعرف عن مصيره،باقياً أم لا، ومع ذلك اخبرني أن البركاني،مدير الأوقاف ،ربما يعرف مكانه .

أردت أن أشاهد المكان الذي أستشهد فيه،وعجزت، وأريد أن أشاهد المصحف الذي كان  يمسح دمه ويقول الله فاشهد ويطبعه على المصحف، وقلت لصديقي مروان مقبل : كان يقرأ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ..
يسألني مروان في سره وما ادراك ؟لأنه كان يوشي صفحتي السورة تلك،أي كانت مشرعة له وهو يقرأ، ولهذا فتح الله له أبواب الجنة

أريد أن أشاهد ولو قطرة دم من دماه لأستعيده في روحي،الشيخ الذي بلا صورة ولا أعرفه،الرجل الذي كان الكلمة الأولى في وسط اليمن، كان سعيد بن سعيد شيخاً قبلياً اذا قال قولا رددته خلف مئات الألاف من الرجال،ومن البنادق، وكان سعيد بن سعيد فاضلاٍ وهو الوحيد من بين مشايخ كل المراحل جمع بين المكانة القبلية والقوة والصيت والعز والجاه والمال والى جانب الفضل، لا يجتمع كل هذا الى جانب الفضل ولم يجتمع الا بشخصية جدي سعيد ولقد كانت خسارته إحدى الخسارات الكبيرة لمحافظة تعز ولليمن الأسفل،خسارة

لو تحدثت عن  سعيد بن سعيد فلي الكلام الجوهري، أنا حفيده، ومع ذلك يجدر بمن لا يأخذ شهادة حفيد عن جد ان يسأل جده عن سعيد بن سعيد،سوف يجيبك آآح آآح،كان شيخا قويا وفاضلاً، وكان موته وان كان موتاً نبوياً فاجعة حلت بكل تعز،فجعت تعز بل فقدت ركنها الأول، والشديد، وكانت يوم مقتله فاجعة دامت البلاد، وكان بكاء النساء حول مخلاف من قرية الى قرية،لم تبكي المخلاف دفعة واحدة ولم تصرخ ولم تتصل دموع الرجال والنساء لليال كاملات سوى بموته، فاجعة إغتياله،فهو سعيد،سعيد.

لهي الفاجعة العظمى،ولعقود بقي الناس يواسون من فقد عزيزاً بهذه الصيغة : مات سعيد بن سعيد، فالموت حق،اصبر وصابر.

يعرف الناس أن مشايخ العهد المنصرم هم كانوا طغاة صغار، إقطاعيون، وكان أفضلهم لا يخلو فيه التعنجه والاعتزاز بنفسه،إلاه جدي رغم كونه أقواهم وأثراهم وأشجعهم كان لا يماري، أو يحابي، يخضع أقرب الناس اليه للعقاب، وحكايته الشهيرة أنه كشيخ يخرج للبت في القضايا بين الناس ومتى دفعوا الأجرة،أجرة الحكم، كان لا يمسها بيده،وكان يزحزها بعصاه من بعيد ويقول لواحد من أتباعه خذها الى الدار وقل للشيخة تضعها بالصندوق الفلاني، لا يمسسها بيده، لا يريد الشيخ أن يأخذ ثمن تحقيقه العدالة،فسأله أحدهم ولماذا تأخذها ؟ أجابه أن أخذ غرم وأجرة من المتخاصمين يمنع خصوماتهم في المستقبل،وذلك الصندوق الذي يضعها فيه يوزعه للفقراء والمساكين،ولا يأخذ منها شيء

إنه جدي، دمه دمي، ولا زلت الى اللحظة والفينة أذكر باسمه،يفتح لي كل باب،يقعدني كل مجلس، ويمنحني البهاء، فذكراه لا زالت عطرة، وهو حديث كل الناس ومضرب للمثل بين شيوخ المرحلة، ولسان حال المتحدث مخاطباً الآخر : نعم انك الشيخ سعيد بن سعيد،زعم أنه حكم سعيد بن سعيد،وبالبلاد كل الأحكام التي صدرت منه وكل ترسيمات الحد والإرث ومهما بلغ الخلاف بين احفاد العائلات المتصارعة اذا وجدوا حكماً أنفذه الشيخ سعيد بن سعيد قبل خمسين سنة لا يمكنه تجاوزه، يقفون أمامه بإجلال وكإنما نص نبوي، طالما هذا القول قول سعيد نافذ وطالما هذا الوثن زرعه سعيد بن سعيد فهو الحق، لا يمكن لوثن في أرض وضعه بيده أن يقلع من مكانه،مهما بلغت خلافات الرعية .

هناك في جامع المظفر أستشهد جدي،الذي دونته عقود تعز واليمن، ولا يليق بسعيد بن سعيد الا أن يموت كسلطان مظفر في جامع المظفر وبتلك الطريقة الخالدة،فالقتلة الذين أغتالوه ولسنوات عجزوا عن إغتياله فحوله صناديد البلاد،اذا مشى تمضي خلفه البلاد، والذين يحمونه بألف روحه، وكان أحيانا في تعز يقضي أوقاتا كبيرة مع السلطة ولشأن وشؤؤن وشيد لنفسه في المدينة القديمة بجانب المظفر داراً كبيراً لميقاته في تعز، حاضرة البلاد، ولكنه يخرج الى المسجد وحيداً،فيرتاع الناس ومرافقيه،يبحثون عن ثغرة لقتلك، لا تفعلها، لكنه يرفض ويقول لن يدجج بيت الله بالبنادق لحراسته، ويكمل لهم،بنية الحب والشهادة : الذي سيقتلني بالمسجد قبلوه في رأسه، يا لسعيد السعيد .

انا ابن ذلك الرجل،دمه يسري في أوردتي.

في محراب هذا المظفر أرتقى شهيداً،وسوف أكتب عنه كثيراً ولربما أكتب قصته،الخالدة .