قراءة في مقابلة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي الأخيرة وخيارات مصير الجنوب

(عدن الغد) خاص:

قراءة في مقابلة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي الأخيرة وخيارات مصير الجنوب التي أعلن عنها..

كيف‭ ‬بدأ‬ الرجل‭ ‬أكثر‭ ‬اعتدالاً‭ ‬وقرباً‭ ‬من‭ ‬الجميع؟

ما‭ ‬الذي‭ ‬استجد‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الوحدة‭ ‬أمراً‭ ‬عادياً؟

ما‭ ‬الخيار‭ ‬الممكن‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتبناه‭ ‬الشعب‭ ‬بحسب‭ ‬الزبيدي؟

ما‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬الوحدة‭ ‬والفيدرالية‭ ‬والأقاليم‭ ‬لمنافسة‭ ‬خيار‭ ‬الانفصال؟

ما‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الأقرب‭ ‬للناس‭ ‬في‭ ‬المحافظات‭ ‬الجنوبية؟

الانتقالي.. الاقتراب من الجميع

(عدن الغد) القسم السياسي:

يتفق المراقبون والمتابعون للشأن اليمني أن التطورات والمستجدات على الساحتين العسكرية والسياسية باتت جلية وواضحة، وأن مستقبل البلاد صار يتجه نحو التشكل والتكوين.

وهذه المآلات المتوقعة للوضع اليمني تحتاج إلى خروج كافة التيارات والقوى والمكونات لإعلان موقفها من التحضيرات الجالية لرسم وتشكيل مستقبل البلاد.

الأمر الذي جعل كثيرا من المراقبين يتوقعون أن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي خرج في مقابلة تلفزيونية مؤخرًا مدفوعًا من القائمين على تشكيل ورسم ملامح اليمن القادم، ليقدم رؤية تتماشى مع المشروع الذي تُقبل عليه اليمن.

هذا المشروع، الذي تعاضده وتؤكده تغيرات في الميدان العسكري وتحركات سياسية إقليمية ودولية، حتى تجاه طريقة التعامل مع مليشيات الحوثي، هو الذي جعل رئيس الانتقالي يخرج بالحديث عن خيارات جديدة للمصير الجنوبي.

فقد أعلن أن الجنوب، أو المحافظات الجنوبية من اليمن، لديها ثلاثة خيارات، إما الانفصال والعودة إلى ما قبل 1990، أو القبول بنظام فيدرالي في إطار الوحدة اليمنية، أو القبول- وهو المفاجأة- بالوحدة اليمنية بشكلها الحالي الاندماجي.

هذه الخيارات لم تكن أبدًا في أجندة الانتقالي قبل أقل من عام، وهو الذي تمسك وفق تصريحات كبار قياداته بالخيار الأول فقط، وما يتعلق به من فك الارتباط وتقرير المصير للمحافظات الجنوبية.

تحول كهذا جعل من حديث الزبيدي الأخير عبر قناة (الحدث) لافتا للكثير من المراقبين، ومدعاة للقراءة والتمحيص وتبيان أبعاده، خاصةً وأنه ألقى الكرة في ملعب الشعب، المناط به الاستفتاء على تلك الخيارات الثلاثة السابقة.

لكن ما يلفت في الأمر أن الزبيدي أعلن، ربما بقصد، تراجعا واضحا في موقف الانتقالي، بناءً على ضغوطات دولية كما يبدو، عطفا على المتغيرات التي تشهدها اليمن والإقليم برمته.

ورغم أن البعض يرى في هذا التحول أمرا عاديا وطبيعيا، كون الانتقالي مكون سياسي في المقام الأول، ويخضع للتنازلات وسياسة فن الممكن وفقا للمتغيرات السياسية، إلا أن آخرين لا يرون الأمر هكذا.

> خيارات الناس

بقراءة بسيطة لما جاء في المقابلة التلفزيونية للزبيدي، يمكن استخلاص التراجع الذي طرأ في موقف المجلس الانتقالي الجنوبي، لكن الرجل كان من الذكاء بحيث رمى الكرة إلى ملعب الناس والشعب، ولم يحملها المجلس الذي يرأسه.

صحيح أن الانتقالي اعتاد على الحديث عن تعهده بتنفيذ تطلعات الشعب والجماهير التي خرجت لتفويضه مرارا حتى ينفذ رغباتها وطموحاتها في استعادة الدولة، وهو هدف واحد ورغبة واحدة وطموح واحد تمثل في استعادة الدولة، بمعنى الانفصال ولا شيء غيره.

غير أن ما أعلنه رئيس الانتقالي لا يمكن تسميته سوى بأنه "تراجع عن هذا التفويض" ورمي الكرة في ملعب الشعب حتى يقرروا هم ما يرونه مناسبا من خيارات سياسية، وليس المجلس الذي فوضوه قبل نحو خمس سنوات!.

وبناءً على هذه المستجدات في حديث ومنطق الانتقالي، ستتفاوت بالتأكيد رغبات الناس وخياراتهم، ما دام الأمر مفتوحا على كل الاحتمالات، خاصةً مع مرور سنوات عديدة في ظل سلطة الأمر الواقع التي يمارسها الانتقالي.

فالكثير من الأخطاء التي وقع فيها المجلس الانتقالي منذ سيطرته على عدن والمحافظات المجاورة في أغسطس/آب 2019، وحتى اليوم، وعدم قدرته على تحمل مسئولية الخدمات، ونزاعات وصراعات بعض قادة تشكيلاته العسكرية التي بلغت مستويات دموية، وبسط البعض الآخر على الأراضي ومداهمة المنازل واعتقال المعارضين، بل والهروب إلى الأمام عبر تحميل الحكومة الشرعية التي طردتها فصائل الانتقالي من عدن مسئولية تردي الأوضاع في المدينة، كلها أخطاء يستوعبها الناس جيدا.

وهو ما يعتبر انتقاصا في رصيد المجلس الانتقالي الذي أفسح المجال عبر هذه الأخطاء والنكبات أمام ولوج خيارات أخرى، غير الانفصال واستعادة الدولة، حتى إلى أذهان مناصريه ومؤيديه واكبر المخلصين له.

إن الناس ببساطة، يدركون ما يجري حولهم، ويعلمون من هو المتسبب بما آلت إليه الأوضاع، حتى وإن لم يكن بشكل مباشر، ولكنه يتحمل جزءا كبيرا من المسئولية أيضا، جعل الخيارات التي نادى بها بعض قادة الجنوب ورموز فصائل الحراك الجنوبي ذات يوم، تعود من جديد اليوم، وعلى لسان الزبيدي نفسه.

> خيارات قديمة جديدة

الخيارات الثلاثة التي ساقها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي قد تكون جديدة من رأس هرم المجلس، وشخصية بحجم الزبيدي، لكنها ليست كذلك بالنسبة للمآلات والخيارات السياسية لمصير الجنوب، والتي جاءت على ألسنة عدد من القيادات الجنوبية الأخرى.

فكثير من تلك القيادات وعلى رأسها، رئيس اليمن الجنوبي الأسبق، علي ناصر محمد، والقيادي في الحراك الجنوبي محمد علي أحمد، سبق وأن نادوا بخيارات شبيهة بتلك التي طرحها الزبيدي مؤخرا.

فقد نادوا بالحكم الفيدرالي للمحافظات الجنوبية في إطار الوحدة اليمنية، ونادوا أيضا بتغيير شكل الوحدة اليمنية بما تتناسب مع الوضع المغاير الذي يعيشه عالم اليوم.

غير أن هذه القيادات لاقت نصيبها من تهم التخوين والعمالة بسبب طرحها لمثل هكذا خيارات كانت واقعية إلى أبعد الحدود، وكان يمكن أن تتحقق في حينه، إذا وجدت من يلتف حولها ويدعمها، بما يحقق مكاسب للجنوب، وليس تخوين أصحابها وكل من تبناها.

واليوم.. ها هي هذه الخيارات التي رفضت بالأمس تعود على لسان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان مفوضا من الشعب باستعادة الدولة، أو هكذا زعم الانتقالي، ما يؤكد أن تهم التخوين التي ألقيت جزافا على القيادات الجنوبية المنادية بالفيدرالية في إطار الوحدة كانت "تهما مسيّسة" إلى حد بعيد.

غير أن المنطق يؤكد ان تلك القيادات كانت أكثر دراية واستيعابا للواقع السياسي، وكادت أن تنجز مكاسب في حالة وجدت من يدعم رؤاها السياسية آنذاك، على العكس من بعض المكونات السياسية اليوم التي باعت الوهم للناس، وعادت القهقري بعد أن فوضها الشعب.

> ما الذي قد يختاره الناس؟

لا يمكن الحديث إطلاقا عن تحديد وحصر النظام السياسي الأقرب للناس في المحافظات الجنوبية، لكن الشيء البديهي والأكيد هو ان هناك تفاوتا في رؤاهم وتطلعاتهم وخياراتهم.

حتى أن هناك نسبة كبيرة من الناس ما زالت متمسكة بخيار الانفصال واستعادة الدولة الجنوبية على حدود ما قبل مايو/آيار 1990، بغض النظر عن ممارسات المجلس الانتقالي وتصرفات بعض فصائله المسلحة التي أساءت له.

حيث يرون أن دولة الجنوب كانت دولة ذات نظام وقانون، ووجب استعادتها للخروج من المشكلات التي تعاني منها عدن والمحافظات الجنوبية.

فيما آخرون لا يفضلون الاستمرار بآلية نظام الوحدة الاندماجية التي عايشوها لمدة تزيد عن ثلاثة عقود، والبحث عن طريقة أخرى تضمن حياة أفضل وتتحرر من قبضة المركزية والبيروقراطية.

لكن عموما، يرى مراقبون أن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ظهر خلال المقابلة الأخيرة متقمصا دور الرجل السياسي المدرك لمآلات الواقع الراهن، والضغوط التي تمارسها أطراف إقليمية ودولية عليه وعلى كافة المكونات اليمنية بما فيها الشرعية.

فالمرحلة المقبلة التي تُقدم عليها اليمن مغايرة تماما، فالعالم والدول الإقليمية تبدو أنها تعكف حاليا على صيغة ما لاستقرار اليمن وإنهاء الصراع، واستيعاب كافة المكونات في بوتقة جديدة ولوحة جديدة يتم رسمها حاليا بكل تفاصيلها، وهو ما استوعبه المجلس الانتقالي ورئيسه الزبيدي جيدا.