تحليل يتناول مغادرة محافظ البنك المركزي اليمني مدينة عدن في ظل تدهور أسعار الصرف

(عدن الغد) خاص:

تحليل يتناول أبعاد ومآلات مغادرة محافظ البنك المركزي اليمني مدينة عدن في ظل تدهور أسعار الصرف..

لماذا غابت أخبار الوديعة رغم مرور أكثر من شهر على تعيين قيادة جديدة للبنك المركزي؟

هل ترتبط الوديعة بتنازلات سياسية معينة يجب على الحكومة أن تقدمها؟

ما المؤشرات التي حملتها مغادرة محافظ البنك المركزي عدن؟

لماذا لا تكافح الحكومة والبنك المتلاعبين والمضاربين بالعملة؟

ما الذي خرج به اجتماع رئيس الحكومة الأخير بمحافظ البنك قبل أن يغادر عدن؟

ما وراء المغادرة؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

استبشر الناس كثيرا بإجراءات الحكومة اليمنية بتغيير إدارة البنك المركزي اليمني في عدن، وتعيين محافظ جديد، قبل ما يزيد على شهر.

وسبب الاستبشار أنه وعقب قرارات التعيين تلك تحسن الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، وشهد تعافيا ملحوظا في قيمته، غير أن هذا التعافي لم يدم طويلا، وسرعان ما عاد إلى التدهور مجددا.

وخلال فترة الشهر الماضي، ورغم مباشرة محافظ البنك المركزي اليمني للعمل في مقر البنك بعدن، محملا بوعود الوديعة البنكية والدعم الدولي للاقتصاد اليمني.

غير أن هذه الوعود لم تنفذ حتى الآن، كما ان أخبار الوديعة البنكية انقطعت تماما، بالرغم من مرور أكثر من شهر على تعيين قيادة جديدة للبنك المركزي، ما سمح لسعر الريال بالتدهور والتراجع أمام العملات الأجنبية.

وهو ما تسبب بانهيار آمال الناس والبسطاء، الذين عوّلوا كثيرا على التغييرات الإدارية الجديدة، وتاقت أنفسهم وترقبت بدء الإجراءات التنفيذية ذات الطابع الاقتصادي والمالي البحت، لتثبيت التحسن الذي طرأ سريعا في أسعار الصرف، وسرعان ما عاد سيرته الأولى من الانهيار.

الأمر الذي دفع الكثيرين للإشارة إلى أن تأخر الوديعة البنكية يعود لأسباب سياسية، عبر انتظار حصول قوى إقليمية ودولية على تنازلاتٍ ما تقدمها الحكومة اليمنية.

وما يعاضد هذه الرؤية، ما يجري مؤخرا من حديث حول مصير بعض الأجنحة السياسية "غير المرغوب بها" في معسكر الشرعية اليمنية، بحسب رغبات دول وقوى متداخلة في الأزمة اليمنية.

غير أن تأخير الدعم المالي للاقتصاد اليمني، وربطه بعوامل وطلبات سياسية يصفه البعض بأنه نوع من أنواع "الابتزاز" الذي يلقي بظلال مؤثرة على الوضع المعيشي بشكل حاد ومباشر على المواطنين.

هذا الابتزاز يبدو أنه ارتبط بأوضاع وأمور عديدة، يبدو أن محافظ البنك المركزي الجديد استشعرها، فشد رحاله خارج عدن، في إجراء وتصرف مفاجئ للكثيرين، بغض النظر عن مبررات السفر الأسرية المعلنة.

> ما وراء مغادرة المحافظ؟

تأخر وصول الوديعة البنكية تسبب بصدمة كبيرة لآمال المواطنين التي واجهت تأخر الوديعة بالكثير من الأسف والحسرة، فاقمتها مغادرة محافظ البنك المركزي اليمني، المعيّن حديثا، أحمد المعبقي.

ومن المؤكد ان هذه المغادرة لمحافظ البنك حملت معها الكثير من المؤشرات "السلبية" التي لا تبشر بالخير للأسف، خاصة وأنه لم يمضِ شهر كامل على مباشرته لعمله ووظيفته الجديدة على رأس مركزي عدن.

ورغم إعلان المعبقي أن زيارته تلك تأتي لأسبابٍ أسرية، وزيارة عائلته في مصر، إلا أن بعض المراقبين كان له رأي آخر، حين حاول تفسير مغادرة محافظ البنك لمدينة عدن وهي تعيش تردٍ جديد في سعر العملة، وجب مواجهته ومعالجته، وليس المغادرة، حتى ولو لأسباب عائلية.

المراقبون استغربوا من عدم استمرار اتخاذ البنك لإجراءاته التي كان يقوم بها بإيقاف شركات الصرافة ومحلات المضاربة المشبوهة، قبل تعيين المحافظ الجديد؛ للحد من آثار المضاربة وممارسات المتلاعبين بالعملة في عدن.

على الأقل من باب الحفاظ على أسعار صرف الريال اليمني في مستوى التعافي الذي تسبب به تعيين المحافظ الجديد والإدارة الجديدة للبنك، خاصة في ظل تأرجح أسعار الصرف.

إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث، رغم أهمية هذه الإجراءات للحفاظ على المكاسب المحققة للعملة المحلية، في انتظار وصول الوديعة المرتقبة.

في المقابل، يربط البعض مغادرة محافظ البنك المركزي اليمني لمدينة عدن بالاجتماع الأخير الذي جمعه مع رئيس الحكومة اليمنية الدكتور معين عبدالملك.

ورغم الحديث الإيجابي الذي خرج به الاجتماع -بحسب وسائل الإعلام الرسمية- عن انفراجة وشبكة للوضع المعيشي، إلا أن مغادرة المعبقي كإجراء عملي يناقض البشرى التي حملها رئيس الوزراء اليمني حول مستقبل الاقتصاد والريال اليمني.

> بشرى الانفراج

وسط كل هذه المؤشرات السلبية للوضع المعيشي والاقتصادي العام في البلاد، تصر قيادات الدولة اليمنية على تطمين الناس، وإطلاق البشرى بوجود انفراجة اقتصادية وشيكة، رغم عدم وجود دلائل عملية على الأرض بعد.

هذه البشارات جاءت خلال ترؤس رئيس الوزراء، يوم السبت في عدن، اجتماعا لقيادة مجلس إدارة البنك المركزي اليمني ووزارة المالية والجهات التابعة لها.

الاجتماع هدف إلى مناقشة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على ضوء تطورات أسعار صرف العملة الوطنية، والإجراءات المطلوبة على مستوى السياسات النقدية والمالية.

وفي الاجتماع أكد رئيس الحكومة اليمنية أن الأوضاع على الجانب الاقتصادي ستشهد انفراجا كبيرا في القريب العاجل وسيلمسها كل المواطنين قريبا.

وتعهد رئيس الوزراء اليمني معين عبدالملك بتعزيز التحسن الملحوظ في سعر صرف العملة الوطنية بالمزيد من الإصلاحات والدعم من شركاء اليمن من الاشقاء والأصدقاء في الفترة القريبة القادمة.

ورغم عدم ملامسة الدعم المالي لدول التحالف حتى الآن، إلا أن رئيس الحكومة اليمنية قدم الشكر للأشقاء في تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على دعمهما السخي والمستمر لليمن وشعبها وفي كل المجالات.

وقال عبدالملك ان المعركة الاقتصادية لا تقل اهمية عن المعركة العسكرية، وسنحقق فيها نصرا يتوازى مع الانتصارات الميدانية العسكرية المحققة في شبوة ومأرب وبقية جبهات القتال ضد مشروع إيران الدموي في اليمن عبر وكلائه من مليشيا الحوثي.

وفي ذلك إشارة إلى ربط الجانب الاقتصادي بالجوانب العسكرية والميدانية، وهو أمر يتأثر به الاقتصاد بشكل حقيقي.

كما توعد عبدالملك بتحركات حكومية لمكافحة الفساد وتصحيح جوانب الاختلالات التي سادت وعدم التهاون في هذا الجانب.

ولفت الدكتور معين عبدالملك، الى المضي في تنفيذ خطة الإصلاحات الحكومية بالجوانب الاقتصادية والمالية والإدارية دون أي تباطؤ وأهمية تحمل الجميع لمسؤولياتهم في هذا الظرف الاستثنائي.

ونوه بالجهود الكبيرة التي تبذلها قيادتي وزارة المالية والبنك المركزي اليمني في مساندة وتنفيذ جهود الإصلاحات والسير بخطى ثابتة في تفعيل مبادئ الشفافية والحوكمة.

كل ذلك تم في اجتماع بمعية محافظ البنك المركزي اليمني قبل أن يغادر عدن بساعات بسيطة، ورغم إيجابية الاجتماع إلا أن بعض المراقبين يرون أن هناك شيئا دفع المعبقي للمغادرة، ربما لأمرين اثنين.

> حث وتنسيق

يرى البعض أن محافظ مركزي عدن غادر المدينة لجلب مزيد من الدعم بحسب وعود المجتمع الدولي ودول التحالف، وحث هذه الدول على تسريع وعودها.

بينما يظن آخرين أن المعبقي غادر بهدف تحقيق مزيد من التنسيق مع الجهات المالية المعنية، سواء محلية أو دولية، وهو ما أشار إليه الاجتماع مع رئيس الوزراء.

حيث ناقش الاجتماع التنسيق القائم بين السياسة المالية والنقدية وجوانب التكامل لضبط أسعار صرف العملة الوطنية وتعزيز الإيرادات العامة، ومعالجة أوجه القصور في الجوانب الإدارية بشكل عاجل، اضافة الى مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة.

وشدد الاجتماع على تنفيذ اتفاق البنك المركزي مع وزارة المالية بوقف التمويل التضخمي لعجز الموازنة، لما له من آثار سلبية على استقرار سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم.

وقدم وزير المالية تقرير حول خطة الوزارة لتنمية الإيرادات الضريبية والجمركية ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي والعمل على تطوير وتنمية الإيرادات النفطية، وتحصيل ضريبة الأرباح التجارية.

مشيرا إلى التنسيق القائم مع البنك المركزي اليمني لتقليص النفقات وحصرها على الضروري منها وبما يتلاءم مع تدفق الإيرادات، إضافة إلى تفعيل عمل لجان تخطيط النقدية ومراقبة الإنفاق.

كما قدم محافظ البنك المركزي اليمني خطة العمل المستقبلية التي سيتم تنفيذها بدعم مقدر من الأشقاء والأصدقاء والهادفة إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة والتحكم بالأسعار واستعادة التوازن لمنظومة الاقتصاد الكلي.

وهذه الجزئية الأخيرة، هي ما يبدو أنها وراء مغادرة محافظ البنك المركزي، بحسب تفاؤل المراقبين ومتابعي الشأن الاقتصادي في البلاد.