(تقرير).. من خدع الناس؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل لواقع سوق المشتقات النفطية وأزمات الوقود المتتالية في عدن والمحافظات الجنوبية بعد السيطرة عليه من أطراف بعينها..

عقب إخراج العيسي من حلبة المنافسة.. ما أسباب أزمة المشتقات النفطية في عدن؟

هل أثبت الواقع الجديد عدم قدرة المنافسين على التحكم بسوق الوقود وتوفير المشتقات النفطية؟

كيف أثبت هذا الواقع أن كل الاتهامات الموجهة للعيسي كانت "كاذبة"؟

لماذا تحول محاربو "فساد العيسي" إلى تجار للمشتقات النفطية أكثر فسادًا؟

لماذا بدت الأطراف الأخرى غير قادرة على ضبط سوق الوقود؟

كيف كشفت السنوات الماضية أن هناك "متاجرة" بشعارات سياسية ضد أطراف معينة؟

عدن الغد) القسم السياسي:

لسنوات طويلة، كان الشيخ أحمد العيسي التاجر "المحتكر" لاستيراد وتوريد المشتقات النفطية والوقود للدولة اليمنية، في فترات ما قبل الحرب.

ولسنوات طويلة أيضا كان العيسي، الذي يشغل منصب نائب مدير عام مكتب رئاسة الجمهورية للشئون الاقتصادية، متهما بارتكاب عمليات فساد تجاري فيما يتعلق بشحنات الوقود.

كانت الاتهامات تطال العيسي، بالتسبب تارةً بأزماتٍ لمحطات التوليد الكهربائي، وتاراتٍ أخرى لمحطات وقود المركبات، رغم أنها أزماتٍ لم تكن بالحدة التي تعيشها اليوم عدن ومدن محافظات الجنوب قاطبة.

إلا أن العيسي كان يمضي في توريد المشتقات النفطية للدولة ومرافقها ومؤسساتها الخدمية، وبالآجل أيضًا، عبر سفنه وناقلاته النفطية التي كانت تجوب البحار اليمنية، بالرغم من استمرار الاتهامات التي تطاله بالفساد.

لكن الواقع التي عاشته عدن ومحافظات جنوب اليمن عقب 2015، كان أقوى من أكبر هوامير وحيتان النفط والتجار الكبار، الذين لم يجرؤ أحد منهم على الاستمرار مثلما استمر العيسي.

كانت ثمة حرب اقتصادية للتضييق على العيسي الذي يبدو أنه انصاع لكل تلك الضغوط، التي توّجت بقرار رئاسي بتحرير سوق المشتقات النفطية، في 2018، وسط توقعات بوضع قرار كهذا حدا لأزمات الوقود.

إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث، وتواصلت الأزمات النفطية في عدن ومدن الجنوب، بشكل كان أسوأ من ذي قبل، فتفاقمت مشاكل محطات التوليد، وتكررت أزمات محطات وقود المركبات بطريقة انعكست على الوضع الخدمي وأثقلت كاهل المواطنين.

بل أن الأزمات المتلاحقة ارتبطت بتصاعد أسعار الوقود، والذي ارتبط كثيرا من قبل بأسعار النفط في الأسواق العالمية فقط بحكم كونه سلعةً مدعومةً من الدولة قبل تحرير أسواقه.

غير أن قرار تحرير سوق المشتقات ارتبط بتقلبات العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، وليس فقط بتقلبات أسعار النفط عالميا، وهو ما فاقم المعاناة والأزمات على المواطنين.

لكن اللافت في كل هذه القضية تورط عدد كبير ممن يطلق عليهم الشارع "الثورجيين الجدد"، الذين تولوا زمام التوريد والاستيراد النفطي في المحافظات المحررة، وتحديدا في عدن وما جاورها.

فبعد إزاحة العيسي، تحت مبرر احتكاره وتسببه بالأزمات في سوق الوقود، تحكم ثلة ومجموعة من المنتسبين للثورة الجديدة، والمنتمين للواقع السياسي والعسكري الناتج عقب 2017، بكل مقدرات سوق المشتقات النفطية.

فعادت الأزمات تتوالى، ولم تنته كما توقع البعض بعد تحرير سوق الوقود، وللأسف فإن من تولوا هذه المسئولية هم أنفسهم الذين كانوا وراء إزاحة العيسي تحت مبرر فساده والأزمات التي يتسبب بها.

احتكار من نوع جديد

يلاحظ عدد من المراقبين والمحللين، في ثوار اليوم، أنهم يمارسون أساليب من الاحتكار تفوق في حدتها تلك الممارسات التي كانت اتهامات ومآخذ على العيسي نفسه.

وبحسب هؤلاء المراقبين فإن التجار الجدد الذين خلفوا العيسي في عمليات توريد واستيراد الوقود والمشتقات النفطية، احتكروا الوقود في إطار مجموعة محددة من التجار، يتحكمون في سوق المشتقات بشكل مخيف.

وما زاد من هذا الاحتكار أن التجار (الثورجيين) يمتنعون عن توريد عائدات الوقود إلى خزائن الدولة كما كان يفعل العيسي، بالإضافة إلى الأسعار التي ارتفعت منذ تحرير سوق المشتقات النفطية بشكل خيالي.

لا يمكن اعتبار هذا الحديث بأنه دفاع عن العيسي، بقدر ما هو توصيف للوضع الحالي الذي تعيشه عدن من خلال الأزمات المتلاحقة في سوق الوقود، مقارنةً بالوضع الذي كانت عليه المدينة في فترة احتكار العيسي.

وفي كلا الحالتين فإن هناك عمليات احتكار وممارسات لا يقرّها أحد، وأزمات أيضا، لكن أزمات العيسي التي كان يفتعلها كانت نتيجة تأخر مستحقاته لدى الحكومة اليمنية، للضغط عليها حتى يتم الإفراج عن أمواله.

فيما لا يورد تجار اليوم من الثورجيين الجدد أي عائدات إلى خزينة الدولة، لكن في نفس الوقت تتوالى الأزمات وترتفع الأسعار أضعاف ما كانت عليه.

وهو ما يثبت أن المحتكرين الحاليين والمتنافسين الجدد في الاستحواذ على سوق الوقود بعدن والمحافظات الجنوبية، فشلوا في توفير المشتقات النفطية، كما فشلوا في تحقيق الاستقرار لهذا السوق.

حقيقة الاتهامات

كانت فترة احتكار العيسي لسوق الوقود مليئة بالاتهامات التي طالت الرجل بأنه يعمل على ممارسة الفساد في جانب النفط والمشتقات النفطية.

غير أن الواقع الحالي الذي تعيشه مدينة عدن والمحافظات في جنوب اليمن تؤكد أن تلك الاتهامات يمكن إعادة النظر فيها.

فاللافت أن عدن خاضعة لأزمة وقود تتكرر كثيرا؛ ولا يمكن اعتبار هذه الأزمات عفوية أو تلقائية نتيجة طلب وعرض السوق، ولكنها مرتبطة بشكل كبير بالمنافسة الجارية حاليا بين التجار الثورجيين الذين تولوا الاحتكار بعد العيسي.

ويبدو أن محاربي "فساد العيسي" بالأمس باتوا اليوم أكثر فسادًا منه فيما يتعلق بسوق المشتقات النفطية، وأن الاتهامات التي كيلت ضد العيسي تكاد تكون "كاذبة"، عطفا على واقع اليوم.

وقد لا يكون هناك مؤشرات لطبيعة هذا الفساد أو تفاصيله، الذين يمارسه التجار الجدد، ولكن يكفي أن يتسبب هذا التنافس بأزماتٍ تضر بالمواطنين، حتى يتأكد أن ما يجري هو الفساد بعينه.

مجرد شعارات سياسية

ما سبق من تحليل، لا يمكن تبريره إلا بكونه يحمل طابعا سياسيا حزبيا من جهة، وبصبغة انتهازية ومحاولة الاستحواذ على سوق يدر الكثير من الأموال والمكاسب المادية من جهة أخرى.

ويعتقد متابعون ومهتمون أن الاتهامات التي طالت العيسي خلال السنوات التي تلت تحرير المحافظات الجنوبية من مليشيات الحوثي جاءت بهدف التخلص من التاجر العيسي والاستحواذ على السوق الواعدة في عدن.

خاصةً وأن تعطيل موانئ اليمن كافة جعل من ميناء عدن والموانئ القليلة العاملة في المحافظات المحررة منفذا لتوزيع الوقود في طول البلاد وعرضها، حتى في مناطق سيطرة الحوثي، ما يعني مزيدا من المكاسب.

إلا أن مهاجمة العيسي نتيجة علاقته وقربه من صناع القرار في الحكومة الشرعية بحكم منصبه الرسمي يعطي ترجيحا لقضية إزاحته وكواليس التخلص منه، لإتاحة المجال أمام تجار ومحتكرين من طرف سياسي آخر مناهض للشرعية.

ولعل هذا السبب وعلاقته بالشعارات السياسية هو المرجح، بهدف المتاجرة بها من قبل قوى ومكونات سياسية، وتوظيف هذه الشعارات لضرب خصوم القوى والمكونات المناهضة.

وهو ما اكتشفه المواطنون في المحافظات الجنوبية ومدينة عدن تحديدا، بعد تورط الثوار الجدد بقضايا تعذيب الشعب بالخدمات، عقب سنوات من اتهامات مماثلة طالت مناهضيهم وخصومهم السياسيين.

وللأسف فإن هذا التعذيب يتم وسط تواطؤ وصمت مريب من القوى العسكرية والمكونات السياسية المسئولة عن سلطات الأمر الواقع في عدن والمحافظات الجنوبية، والتي يتطلب منها القيام بواجباتها، إذا هي تريد بالفعل مصلحة المواطنين.