(تقرير).. أين الوديعة؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل للوضع الاقتصادي في البلاد عقب عودة تدهور سعر صرف العملة المحلية وتأخر وصول الوديعة..

 هل سنعود مجددا إلى مزيد من تدهور الريال وارتفاع الأسعار؟

لماذا تعافت العملة المحلية فترة قصيرة ثم عادت مجددا إلى التدهور؟

ما خفايا الصراع بين البنك المركزي وصرافي عدن؟

هل الوديعة مرتبطة بأجندة سياسية أو عسكرية على الأرض؟

ما دور الحكومة اليمنية في هذا الشأن؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

قبل نهاية العام الماضي، تنفس المواطنون اليمنيون في المحافظات المحررة، الصعداء بعد تعافٍ ملحوظ ولافت لسعر صرف الريال اليمني.

صحيح أن هذا التعافي لم يعمل على خفض أسعار المواد والسلع الغذائية الرئيسية كما يحلم به المواطنون البسطاء، إلا أن هذا التحسن في سعر الريال رفع سقف الآمال في إمكانية إصلاح الوضع الاقتصادي في البلاد.

خاصةً وأن أخبار التحسن جاءت متأثرة بتعيين محافظ جديد للبنك المركزي اليمني في عدن، وتغيير إدارة البنك، الأمر الذي انعكس على سوق الصرف بشكل واضح خلال شهر ديسمبر/كانون أول الثاني.

غير أن هذا التحسن والتعافي الذي عاشه الريال اليمني لبضعة أسابيع، لم يدم طويلا، فسرعان ما عاد التدهور مجددا إلى الواجهة، وارتفعت أسعار صرف العملات الأجنبية بشكل ملحوظ.

حيث قارب سعر صرف الدولار الأمريكي خلال تعاملات يوم أمس الأحد، من مستوى 1200 ريال يمني، فيما تجاوز سعر صرف الريال السعودي- الأكثر تداولا- حاجز 300 ريال يمني.

بالتالي فإن التجار وملاك محلات بيع السلع مستعدون لرفع الأسعار تلقائيا وبشكل خيالي وسريع جدا، على العكس تماما من رفضهم تخفيض الأسعار حين تراجع سعر صرف الريال السعودي إلى ما دون 200 ريال.

وهذا ما يضاعف أعباء الحياة على اليمنيين، ويثقل كاهلهم، ويضيف مزيدا من المعاناة المعيشية التي ما زال المواطنون يترقبون انفراج أزماتها وتعافي الاقتصاد والريال اليمني.

وهذا الترقب من المواطنين، والآمال التي رفعوا سقفها عاليا لم تكن لتتجسد حقيقةً في أذهانهم لولا التغييرات الجديدة في هيكل إدارة البنك المركزي اليمني، والوعود التي أطلقها المجتمع الدولي، وعلى رأسها الرباعية الدولية، والدول الكبار الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

كما أن هذه الوعود بدعم الاقتصاد اليمني، من قبل المجتمع الدولي، والتي كان أبرزها الوديعة البنكية التي وعدت بها مجموعة الرباعية الدولية، والتي تضم السعودية والإمارات، والولايات المتحدة وبريطانيا، ذات اجتماع.

لكن الوعود الصادرة من كبرى دول الإقليم، والدول العظمى في العالم، لم يتحقق منها شيء حتى الآن، وما زال الريال اليمني يترنح، ومعه تتهاوي أسعار القوت الأساسي للناس البسطاء في عموم المحافظات المحررة.

ما أسباب التراجع الجديد؟

كان التحسن الذي حققه الريال عقب تعيين قيادة جديدة للبنك المركزي يبشر أن الأمور في طريقها للتحسن، وأن الأوضاع المعيشية ستشهد تعافيا مع قدوم ومساندة الوديعة البنكية المرتقبة.

هذا التعافي لم يستمر سوى بضعة أسابيع، لتتحول الأمور إلى سيرتها الأولى وتعود العملة المحلية للتراجع وتخسر قيمتها مجددا أمام نظيراتها الأجنبية.

ومن هنا فُتحت أبواب التفسير والتحليل لما حدث في الأسابيع الأخيرة من ديسمبر/كانون أول الماضي، نهاية العام، وتبرير التعافي الذي شهده الريال بالتزامن مع تعيين وتغيير إدارة البنك.

فاقتصاديون يؤكدون أن التحسن الذي طرأ في الريال ارتبط بنهاية السنة التي تشهد خمولا وسباتا للحركة التجارية للموردين ومستوردي السلع الأساسية، والذي يقومون بعملية جرد بضائعهم مع انتهاء العام.

لهذا كان الطلب على العملات الأجنبية ضئيلا، وأدى هذا إلى تحسن سعر صرف الريال؛ لأنه ببساطة لا أحد يبحث في هذا التوقيت من السنة عن دولارات أو ريالات سعودية، ولا أحد يستورد بضائع، بسبب الحسابات الختامية.

في المقابل، ثمة رأي آخر يدحض هذا التحليل، ويُرجع تحسن الريال اليمني حينها إلى أسباب أخرى، لا علاقة لها بتراجع الطلب على العملات الأجنبية.

ويستشهد أصحاب هذا الرأي الآخر بأن قيمة التحسن والتعافي للعملة المحلية كان كبيرا، حيث تراجع سعر صرف الريال اليمني من 450 ريالا مقابل ريال سعودي واحد، إلى ما دون 200 ريال.

ويعتقد هؤلاء أن التعافي هذا يعود إلى أسباب معنوية، جاءت مترافقة مع تغيير إدارة البنك، والوعود التي أطلقتها قيادات بنكية وآخرين مسئولية في الحكومة عن قرب قدوم الوديعة البنكية؛ لإحداث مزيد من التحسن في قيمة الريال.

مصير الوديعة البنكية

يتساءل كثيرون عن مصير الوديعة البنكية التي وعدت بها مجموعة الرباعية، والتي وفق تأكيدات أنها ستكون سعودية كما هي العادة.

خاصةً وأن الحكومة اليمنية كانت قد أعلنت سابقا عن أنها تلقت موافقة من الجانب السعودي حول الوديعة البنكية، غير أن إيداعها بدى البنك المركزي تأخر، ولم تتم حتى اليوم.

ويبدو أن التحسن الذي يطرأ في سعر الريال اليمني ارتبط بشكل كبير بآمال عالية عطفا على قدوم مرتقب للوديعة، والتي من المؤكد كانت ستعمل على إحداث مزيد من التعافي في قيمة العملة المحلية.

وهو ما أكده أيضا المحافظ الجديد للبنك المركزي اليمني بعدن، أحمد المعبقي، الذي كشف عن دعم سعودي ومن دول الخليج، وذلك في تصريحات له خلال اجتماع لإدارة البنك مؤخرا.

إلا أنه ورغم كل هذه التأكيدات إلا أن الوديعة البنكية لم تصل بعد، ولعل هذا ما تسبب في تراجع جديد للريال اليمني، وعودة تدهوره مرة أخرى بعد أن شهد أسابيع من التحسن.

وحول ملابسات تأخر الوديعة البنكية، يتكهن ويخمن كثير من المراقبين عن أسباب وعوامل غير اقتصادية حالت دون اعتمادها وإيصالها إلى مؤسسات الحكومة اليمنية، بالإضافة إلى عوامل اقتصادية ومالية أيضا.

أسباب تأخر الوديعة

هناك من يربط تأخر إيداع ووصول الوديعة البنكية إلى خزينة البنك المركزي اليمني بعدن إلى عدم التزام الحكومة اليمنية بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية لمطلوبة من الدول الكبرى والرباعية الدولية، خاصةً فيما يتعلق بهيكلة البنك المركزي.

كما ان مراقبين اقتصاديين يؤكدون أن خفايا الصراعات المتواصلة والمستمرة بين البنك المركزي اليمني بعدن، وبين شركات الصرافة "المفرّخة" والتي تتوالد بمثرة منذ ما بعد عام 2015، ساهم أيضا في هذا التدهور، وما هو مطلوب من الحكومة اليمنية لتنفيذه وحل مثل هذه الإشكاليات.

وهي إشكاليات حقيقية أثرت وتؤثر على وضع الريال اليمني، الذي يتعرض للمضاربة، والكثير من المعاملات المشبوهة، والتي بسببها كانت الاتهامات المتبادلة بين البنك المركزي والصرافين.

ورغم أن الحكومة استجابة جزئيا لمطالب المجتمع الدولي، وأصدرت قرارات بتغيير محافظ البنك ومجلس إدارته، وتم اعتماد مزادات إلكترونية لبيع العملات الأجنبية، بحسب معايير الشفافية التي طلبها صندوق النقد الدولي، إلا أن دول العالم الكبرى والإقليم تبدو أنها تريد المزيد من الإجراءات.

وبعيدا عن الأسباب الاقتصادية لوصول الدعم الدولي للاقتصاد اليمني، يرى آخرون من المراقبين أن هناك أسباب وعوامل غير اقتصادية تسببت بتأخر وصول الوديعة البنكية لإنقاذ الريال اليمني.

ومن تلك العوامل والأسباب أن للوديعة مرتبطة بأجندات ومخططات سياسية وعسكرية تسعى الدول الإقليمية والمجتمع الدولي تمريرها وانتزاعها من الحكومة اليمنية.

غير أن مثل هذه المساومة بأقوات الشعوب، وخاصة الشعب اليمني الذي يمر بأسوأ أزمة إنسانية في العالم بحسب المنظمات الدولية، هي مساومة غير مبررة، خاصة أنه يتم توظيفها سياسيا، وهذا يتنافى ويتعارض مع المعاناة المعيشية المأساوية لليمنيين.

وهو ما يحتم على الحكومة اليمنية مصارحة شعبها، والحديث بشفافية عما يجري من حرب اقتصادية ومعيشية، إلى جانب الحرب العسكرية، التي يتم من خلالها التضييق على اليمنيين بأقواتهم.