جار الله عمر يروي تفاصيل اليوم الدامي في المكتب السياسي (الحلقة الاخيرة )

(عدن الغد) خاص:

إعداد/ د. الخضر عبدالله/ محمد الدباء :

في الحلقة الفائتة تطرقنا إلى  ذكر أحداث صباحية يوم الاثنين من 13  يناير وما رافقها من أحداث كانت سببا لمقتل عدد ليس بالقليل من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني , وهامات المكتب السياسي , كما تناولنا  أسباب الخلاف والطريقة التي كانت ممهدة لا نفاجر الوضع في اليوم " المشؤوم " الذي يعد يوماً أسود في تاريخ الجنوب لا يمكن نسيان أحداثه المأساوية التي أودت بحياة قرابة 13 الف مدني في عشرة أيام ، ففي مثل هذا اليوم قبل 35 عام تحولت مدينة عدن إلى ساحة حرب دموية بين مراكز قوي متصارعة في اطار من يكسب رهان الحرب ليستولي على الحكم .

وفي هذا العدد سنتطرق إلى  مارواه  السياسي اليمني  الراحل جار الله عمر الذي كان  شاهدا للعيان على مجزرة المكتب السياسي حسب ما أورده في مذكراته وأيضا ما جاء في تقرير الصحفي القصلي ..  فتعالوا معنا إعزائي  القراء  نتابع اهم مجريات الأحداث التي كانت سبباً في مجزرة لم يشهدها التاريخ في جزيرة العرب..

>هذا ما رواه جار الله عمر

يقول السياسي اليمني الراحل جار الله عمر في مذكراته عن يوم 13 يناير 1986م :" عيّن يوم ١٣ يناير موعداً لحسم قضيّة الدائرة التنظيميّة. وكنتُ مصاباً بشيءٍ من الإنفلونزا، وجاءني علي عنتر إلى المنزل ليلاً ليبلغني أنّه سيتمّ التصويت في اجتماع الغد على مصير الدائرة التنظيميّة، وأنّ حيدر العطّاس مسافر وقد انحاز إلى جانبنا، وأنّ لدينا نقصاً في الأصوات ويجب أن نحصل على أغلبيّة، فقلت له إنّي مريض ولا أستطيع الحضور.

ويضيف جار الله في حديثه :" و أصرّ عنترعلى حضري وأقنعني  «بالقوّة، حتى إذا كنتُ على السرير يجب أن تحضر الاجتماع، لأنّه إذا لم نستطِع أن نكسب أغلبيّهً تصوّت لجانب المقترح غداً مش ح يعود الموضوع يعرض من جديد وح تفوّت علينا الفرصة»(هذا قول عنتر ) .

ويتابع جار الله :" قبلتُ على مضض حضور الاجتماع يوم ١٣ يناير. وكان موعده العاشرة صباحاً. والنّقطة الرئيسة على جدول الأعمال هي الدائرة التنظيميّة. عند السّاعة التاسعة والنّصف كنتُ جاهزاً للتحرّك بسيارتي «البيجو» إلى الاجتماع في منطقة التواهي. وكان يجب أن أصل بسرعة وأعيد السيارة لنقْل الأطفال إلى المدرسة.

> الوصول إلى المكتب السياسي

ويواصل جار الله عمر كما جاء في مذكراته :"بينما أنا أستعدّ لركوب السّيّارة وصل إليّ اثنان من الكوادر القياديّة في محافظتَي إب والبيضاء، عبد الرّحمن سيلان، وهو كادر قياديّ مثقّف وعضو سكرتاريّة البيضاء، والشّيخ عبد الكريم الجهمي، القياديّ في محافظة إب، الذي سوف يُستشهد لاحقاً. كانا يتابعان بعض مستحقّات أسَر الشهداء في هاتَين المحافظتين ومعهما رسالة يتعيّن عليّ أن أراجعها وأوقّعها، لم أعدْ أذكر الجهة التي ستحال إليها. قالا: يجب أن توقّعها قبل أن تذهب إلى الاجتماع. قلت: اعذروني لديّ اجتماعٌ ويجب أن أحضر في الوقت المحدّد، ويجب أن أعيد السيارة للأولاد لتقلّهم الى المدرسة. غضِبا وقالا: على القيادة أن تستمع للنّاس. خشيتُ من غضبهما فقبلت التّأخير. أرسلْت سيارتي إلى المدرسة والتزما بنقْلي بسيارتهما إلى الاجتماع.

ويقول جارالله عمر كشاهد عيان على يوم 13يناير  :" بعد إكمال العمل تحرّكنا إلى التواهي، ولم نصل إلّا وقد مضى على الاجتماع عشرون دقيقة. لدى وصولنا إلى باب اللّجنة المركزيّة سمعنا من داخل المبنى أصوات رصاص بدت لنا خافتة مثل بنادق الصّيد, وكان العسكر يُغلقون باب مبنى المكتب السياسيّ، فتساءلنا جميعاً ما هذا الذي يجري في الداخل؟ قلت يبدو أنّها بنادق صيد وأنّهم يصطادون الغربان, وكانت هناك حملة للقضاء على هذا الطائر بسبب ما يُلحقه من أذى بالحدائق وصوته المزعج للسكّان, فردّ عليّ الأخَوان الاثنان اللّذان كانا معي أنّ هذا رصاص، وأنّ هذه بنادق وهناك معركة داخل المكتب السياسيّ. فقلت: لندخلْ ونرَ ماذا يحصل، فقالوا: تدخلّ ماذا تفعل؟ تدخل لتموت؟ يجب ألّا تفعل شيئاً، يجب أن تعود من الباب. أمسكوا بي بقوّة ومنعوني من الدّخول إلى قاعة الاجتماعات. وكان باب اللجنة المركزيّة قد أُغلق فعدنا أدراجنا نبحث عن الّذي حصل وأين نذهب.

>بداية إطلاق الرصاص

ويشير جار الله :" وعند عودتنا من مبنى المكتب السياسيّ إلى التّواهي لاحظْنا حركةً في الجبال المحيطة بالمدينة وبداية إطلاق الرّصاص. وعندما وصلنا إلى خور مكسر لاحظنا أناساً مسلّحين يفتّشون السّيّارات عند المستديرات, لم نخضع للتّفتيش ولم يسألْنا أحدٌ لأنّ السّيّارة التي كنّا نستقلّها كانت عاديّة وغير معروفة، وليستْ تابعة لأيٍّ من الأطراف المتصارعة المعروفة. جلْنا على بيوت أعضاء المكتب السياسيّ. ذهبنا إلى منزل صالح مصلح وزير الدفاع وهو يقع في خور مكسر وسألنا عنه. قالوا لنا إنّه ذهب إلى الاجتماع وحضَرَ تلقائيّاً, وعلي ناصر لم يكن يريده أن يحضر.

واستطرد جار الله عمرفي مذكراته :" وقد أكّد عبد الغني عبد القادر فيما بعدُ أنّهم لم يكونوا يفكّرون بقتل صالح مصلح، وهذا ما أكّده أيضاً محمّد علي أحمد المتواجد الآن في بريطانيا، وكان هو الرّجل الذي يعتمد عليه علي ناصر محمّد، لكنّه ما لبث أنْ اختلف معه وقرّر العودة إلى الحزب, بعدما تعاون محمّد علي أحمد مع علي عبد الله صالح بعد يناير ١٩٨٦ وقرّر العودة إلى الحزب الاشتراكيّ اليمني، قال: «نار صنعاء ولا جنّة ذمار»، وهو مثل شعبيّ. وأكّد لي محمّد علي أحمد أنّه ذهب إلى صالح مصلح ليلة ١٣ يناير وسهر معه حتى الصباح كي يمنعَه من حضور اجتماع المكتب السياسيّ في اليوم التالي.

>السيطرة على وزارة الدفاع

ويردف الراحل جار الله عمر في كلامه :"  ثمّ ذهبْنا إلى منزل حسين الهمزة، عضو المكتب السياسيّ، نسأل إذا كان قد حضر الاجتماع أمْ لم يحضر. وجدناه في البيت يقرأ أوراقاً ولم يكن جاهزاً لحضور الاجتماع. وكان لحسين صِلاتٌ بعلي عنتر وعبد الفتّاح وبعض العسكريّين أكثر منّا وسبَقَنا في تحديد الموقف, وأخبرَناه بوجود إطلاق رصاص وأنّنا لم نعلم بشيء وأنّنا وجدنا مبنى اللجنة المركزيّة مغلقاً، وكان الهاتف غير مقطوع. وهذا واحد من أخطاء المهاجمين، إذ لم يقطعوا الهاتف، فاتّصل بنائب وزير أمن الدولة ثابت عبده حسين، وهو ضابط شجاع وطيّب، ووجد أنّ هاتفه مقطوع، وكان واضحاً أنّه هوجم وقُتل، واتّصل مرة ثانية بحسّان حسين، نائب قائد الاستطلاع السياسيّ، ، فسأله حسين الهمزة عن الوضع لديهم وعمّا قد حصل. فردّ عليه بأنّه قد حصل انقلاب وأنّنا محاصَرون في طرف وزارة الدّفاع، وأنّ الطرف الآخر قد استولى على وزارة الدفاع وهناك أناس قتلوا, . سأله حسين إن كانوا قد استولوا على كلّ شيء؟ قال :نعم، سيطروا على وزارة الدفاع وغرفة العمليّات وهناك إطلاق نار في اللجنة المركزية، فوجّه له تعليمات بالانسحاب من هناك، والباقي منهم يتوجّهون إلى خارج عدن إلى حيث الوحدات العسكريّة المؤيّدة للطّرف الآخر، فانسحب حسّان حسين وذهب إلى خارج المحافظة، ولعب دوراً كبيراً فيما بعد. قلت له أنا وحسين الهمزة أن يهرب من عنده، ففعل. هيثم قاسم طاهر الذي صار بعد الأحداث النّائب الأوّل لوزير الدّفاع، كان حينها قائد سلاح المدرّعات. سمع إطلاق النّار في وزارة الدّفاع فهرب من هناك إلى منطقة صلاح الدين حيث قيادة سلاح المدرّعات."(1)

>البيان عقب  المجزرة

وحول الأحداث التي أعقبت مجزرة  المكتب السياسي  يقول عبده القصلي :" في الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، أصدر علي ناصر بيانا بثته الإذاعة الرسمية، يعلن عن إعدام عبدالفتاح إسماعيل، وعلي سالم البيض، وعلي عنتر، وصالح مصلح قاسم، بعد محاكمة خاصة في المكتب السياسي، وسمع إسماعيل والبيض نبأ إعدامهما لكنهما لم يتمكنا من الخروج إلا مساء حيث وصلت إلى المكان دبابتان بصعوبة فائقة، فاستقل أحدهما عبدالفتاح إسماعيل، والثانية علي سالم البيض، فتعرضت الأولى للاحتراق، ولم يعرف مصير عبدالفتاح إسماعيل، واختلفت الروايات حول اختفائه، بين قائل بأنه احترق في الدبابة التي كان يستقلها، وقائل بأنه رؤي بعد ذلك بفترة ولكنه فاقد الذاكرة، وقائل بأن أنصاره هم الذين قتلوه من أجل أن يستحوذوا على السلطة. أما الدبابة الثانية، فقد اختبأت في حفرة وخرج منها علي سالم البيض، وهو مصاب برصاصة في بطنه، وذهب سيرا على الأقدام إلى مقر وزارة الدفاع لقيادة العمليات".(2)