بعد حوالي 54 عاماً.. لماذا لم يلتمس الناس خير الثورة والاستقلال؟

(عدن الغد) خاص:

قراءة في نتائج ثورة 14 أكتوبر وعيد الجلاء 30 نوفمبر.. ونظرة للمراحل السياسية التي أعقبتها..

هل كانت الثورة مجرد شعارات حرفها الرفاق وغرقوا في صراعات طويلة؟

توحيد السلطنات والمشيخات.. ألم تكن أحد أهم مكاسب الثورة؟

كيف دفعت عدن والعدنيون الثمن لممارسات رعناء أقصت كوادر الدولة ونفتها؟

هل أنصفت الثورة الجميع وقدمت دولة قوية؟

لماذا تتعاقب مشاعر الحنين لكل مرحلة زمنية وسياسية؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

حوّل الاحتلال البريطاني مدينة عدن (1839 - 1967) مركزا تنويريا وتجاريا واقتصاديا يشار إليه بالبنان، طيلة أكثر من 125 عاما.

وباتت عدن الخاضعة للتاج البريطاني درة من درر هذا التاج، الذي لم تغب عنه الشمس، وامتدت امبراطوريته من الشرق إلى الغرب، بل أن عدن كانت في القلب من هذه الإمبراطورية.

ويعود ذلك عطفا على إدراك الإنجليز للأهمية التي يمثلها ميناء عدن، وموقعه الاستراتيجي المتحكم بتجارة الشرق والغرب، والملاحة الدولية بين ثلاث قارات.

وبناء على هذه المزايا التي استوعبتها بريطانيا جيدا، اهتمت بعدن وأولتها رعاية خاصة، وجعلت منها قبلة ومنارة فكرية وإعلامية وتجارية واقتصادية في منطقة الجزيرة العربية والخليج.

فكانت عدن مدينة عالمية مفتوحة، استوعبت كافة الأجناس والهويات واستقرت فيها الأعمال وازدهرت التجارة، وشهدت بدايات التطور والتقدم التقني والخدمي، وكانت الأولى في كل المجالات.

لكن هذا الحال الزاهر لمدينة عدن لم يستمر، رغم أحلام أهاليها التي تعلقت بما قد يجنيه الناس بعد نيل الاستقلال من جنات وحياة مليئة بالرخاء والرغد، أو على الأقل استمرار الوضع في زمن الإنجليز على ما هو عليه.

ورغم التضحيات العظيمة التي قدمها الثوار الأنقياء في سبيل تحرير الوطن من التواجد الأجنبي، إلا أن شيئا من تلك الأحلام الوردية لم يتحقق، وعلى العكس تماما، تحولت جنات عدن إلى ساحة للصراعات بين الرفاق ومصادري الثورة.

كانت دعوات الثورة وطرد المحتل، بريئة وعفوية، وكان أصحابها الفدائيون يحلمون بالفعل بوطن بلا وصاية أو استغلال، وكانوا يسعون لتجسيد "العدالة" و"المساواة"، وإلغاء "الفوارق الطبقية" بين الجميع.

غير أن هذه الدعاوى ظلت مجرد شعارات في فترة ما بعد الاستقلال، ولم يتحول أي منها إلى واقع، ولم تتحقق الأحلام أو الجنات الموعودة، والأسوأ أن المستفيدين استغلوا هذه الشعارات ضد خصومهم.

وكانت هذه الصورة هي ما سيطرت على المشهد العام خلال فترة الربع قرن التي تلت خروج الإنجليز من عدن، ومحميات الجنوب، بل أن هذا المشهد تكرر اليوم، بعد 54 عاما من الاستقلال.

ولم يبق من حقيقة ثورة أكتوبر واستقلال نوفمبر، سوى التضحيات البريئة والعفوية التي قدمت قربانا في سبيل رؤية الوطن خاليا من التواجد الأجنبي، إلا أن الناس لم يلتمسوا خيرات هذه التضحيات العظيمة، وراح القادة الجدد ينخرطون في موجات صراع واحدة تلو الأخرى، تسببت في خلخلة الوطن من كوادره المؤهلة التي أُقصيت منذ اللحظة الأولى للاستقلال وإعلان الدولة الوليدة.

>الثورة.. لماذا لم تحقق وعودها؟

بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال الوطني عن بريطانيا العظمى، وبعيدا عن أسباب رضوخ دولة كبرى مثل بريطانيا للخروج من جنوب اليمن، إلا أن ثمة تساؤلا يتكرر كل عام، طيلة 54 عاما.

هذا التساؤل هو: لماذا لم تتحقق وعود الرفاق، ولماذا لم يلتمس الناس خير الثورة والجلاء حتى اليوم، رغم حجم الشعارات وتعددها التي لم تفارق أدبيات الثورة وألصقت بها ونسبت إليها زورا وبهتانا.

فالثورة بريئة مما ارتكب باسمها لاحقا، كما أن الاستقلال هو الآخر براء من الصراعات التي تلته، واستمرت حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، دون أن يلمس المواطنون خيرات الثورة أو الاستقلال.

حيث كانت الشعارات هي الطاغية، وبشكل نظري بحت، "فالاشتراكية" أو "العدالة الاجتماعية" لم تتحقق بشكلها المبشر به في أدبيات الأيديولوجية التي اعتنقها الرفاق عقب الاستقلال.

فتم تهميش ميناء بحجم ومكانة ميناء عدن، رغم موقعه وطبيعته التي فطن إليها الإنجليز ولم يستغلها رفاق ما بعد الاستقلال، وكان يمكن أن يجعل الميناء من عدن قبلةً للعالم كما كان خلال المائة والعشرين عاما الماضية.

إلا أن سبب كل ما شهدته عدن وجنوب اليمن من صراعات، وإهمال توفير خيرات الناس وتحسين الوضع العام، هو تطبيق النظرية العلمية الاشتراكية، التي تجنبتها دول عربية وعالمية عديدة رغم اعتناق أحزابها اليسارية نفس الفكرة، وتركتها لدولة جنوب اليمن.

غير أن هذه الأخيرة فشلت في تطبيق مبادئ الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية، كما روج لها المنظرون والمفكرون اليساريون، وراحوا يسلبون الأغنياء من مقومات استقرارهم المعيشي، وجعلهم مجرد فقراء لتحقيق ما تخيلوا أنه رفاهية.

وطيلة الفترة من 1967 حتى 1986 غرق الجنوب في صراعات مدفوعة بنظريات الاشتراكية العلمية وشعاراتها التي لم تتجسد حقيقةً على الواقع، ولم يرَ الناس خيراتها المزعومة حتى اليوم.

وهو ما دفع الناس إلى الحنين مجددا وتكرارا لعهد الاحتلال البريطاني الذي شهد استقرارا وازدهارا، وكان عصرا ذهبيا لمدينة عدن على وجه الخصوص.

وهو الحنين الذي يتكرر كل عام، مع مجيء ذكرى الجلاء والاستقلال الوطني ورحيل بريطانيا، ويعود سببه إلى الصراعات المتواصلة حتى اليوم بين الرفاق، والتي وصلت دمويتها حدا لا يطاق.

>أليس هناك من جانب مضيء؟

الأمر لا يعني الهجوم على الثورة ومبادئها أو الاستقلال الوطني، فكلاهما براء من ممارسات الشخصيات والقادة والمنظرين الذين رسموا أحلاما لم ولن تتحقق.

ليس فقط في جنوب اليمن، الدولة الوليدة، ولكنها نظريات وشعارات وأحلام لم تتحقق حتى في كبريات دول المعسكر لشرقي آنذاك التي انهارت كقطع "الدومينو"، وبقيت شعاراتها ونظرياتها حبيسة كتب "كارل ماركس" وخطابات "فلاديمير لينين".

غير أنه ليس من الإنصاف إغفال عدد من الجوانب المضيئة التي حققتها ثورة أكتوبر واستقلال نوفمبر، مثل توحيد منطقة شاسعة، كانت مقسمة لمئات السنين ما بين مشيخات وسلطنات، ومجموعة إمارات لا حول لها ولا قوة.

وحوّلت الثورة ذلك التشظي الذي حاول الاحتلال الإنجليزي تلميعه بمشروع استعماري أسماه "الجنوب العربي" إلى دولة قوية كأحد مكاسب الثورة، التي رفضت التواجد الأجنبي على تراب الوطن، كما رفضت مشروع الجنوب العربي، الذي يحاول البعض استعادته اليوم.

وهو مشروع سلاطيني مشيخي بدأت إرهاصاته تعود اليوم في المهرة وشبوة وسقطرى ويافع مع عودة عدد من أبناء وأحفاد أمراء ومشايخ فترة الاحتلال البريطاني و"الجنوب العربي".

وهو المشروع الذي رفضته الثورة والثوار بعد أن استوعبوا خطورته، غير أنه يعود اليوم بدوافع خارجية مشبوهة.

>هل بنت الثورة دولة قوية؟

جانب آخر للثورة، يحمل في طياته الكثير من الجدل، والنظرات المتباينة، التي نالها الكثير من النقاش.

ويتمثل هذا الجانب في تكوين دولة قوية في منطقة جنوب اليمن، استفادت من علاقاتها مع المعسكر الشرقي خلال ذروة الحرب الباردة التي شهدها العالم حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي.

وهي الدولة التي كانت مهابة في المنطقة، نظرا لامتلاكها أضخم ترسانة عسكرية في جنوب شبه الجزيرة العربية، والمتحكمة بأهم منافذ العالم، باب المندب.

كما التزمت الدولة بضبط النظام والقانون والذي اشتهرت به، ويتذكره الناس ويحنون إليه حتى اليوم.

لكن في المقابل، يرى مراقبون أن دولة جنوب اليمن، لم تكن سوى مجرد "عصا" وشرطي في المنطقة للاتحاد السوڤييتي، الذي راح يدعمها بترسانته العسكرية المتهالكة التي خرجت من دهاليز الحرب العالمية الثانية، ودخلت بسببها في معارك وحروب خاطفة وصراعات مع شمال اليمن وجيرانه الخليجيين.

بينما أغفل المعسكر الشرقي الاشتراكي دعم الجنوب اقتصاديا ومعيشيا، لدرجة أن الجنوب مضى في استيراد "طوابير وتعاونيات" المعسكر الشيوعي في مواجهة قلة الموارد، التي تسببت بها سياسة الانعزال عن العالم وإغلاق ميناء عدن في وجه التجارة الحرة.

ونتيجة لذلك ظل الشعب في هذه المنطقة محروما من الكثير من الفرص والموارد الاقتصادية، حتى انفتح على دولته الجارة الشمالية عقب الوحدة اليمنية، ليواجه صدمة حضارية مفاجئة اقتصاديا واجتماعيا.

>عدن.. الخاسر الأكبر

وسط كل هذه المعمعة، والصراعات التي خلفتها فترة ما بعد الاستقلال، اضطر الجنوب للارتماء في أحضان وحدة يمنية غير متكافئة.

وسبب عدم التكافؤ هو أن دولة الجنوب دخلت دولة الوحدة وهي خالية تقريبا من الكفاءات والكوادر التي إما تم إقصاؤها أو تصفيتها منذ غداة الاستقلال، وحتى عشية الوحدة اليمنية، بسبب المذابح والمجازر المتكررة.

وفي هذا الخضم، كانت مدينة عدن هي الخاسر الأكبر، والتي دفعت ثمن كل تلك الصراعات والإقصاءات التي انتهجها الرفاق، في حرب الجبهتين والدمج القسري في 1966، وإقصاء صانعي الاستقلال في يونيو 1969، وتصفية سالمين ورفاقه في 1978، ودموية 1986.

وكل تلك الصراعات كانت ساحتها عدن، وكوادرها من الشخصيات السياسية المؤهلة، مثل لقمان، وباهارون، وبيومي، وغيرهم ممن تولوا مناصب إدارية واقتصادية وسياسية في زمن الاحتلال.

وجميع تلك الشخصيات إما نفيت أو أقصيت أو تم تصفيتها بشكل دموي عنيف وأرعن.

لهذا السبب، ولتلك العوامل السابقة، نشهد حنينا جارفا من المشاعر التي تحن للمراحل الماضية، من تاريخ عدن ومحافظات جنوب اليمن، بدايةً من أيام الاحتلال والتواجد البريطاني.

تماما كما هو الحنين اليوم لمراحل سياسية في اليمن، يعود تاريخها إلى قبل عشر سنوات مثلا، بسبب صراعات الرفاق الجدد في عدن والمحافظات الجنوبية.

فهل يستمر الحنين للمراحل السياسية المتعاقبة، أم نجد من يضع حدا للصراعات المتواصلة، والأوضاع المتدهورة التي تعيشها عدن وجنوب اليمن عموما؟.