الحنين للاستعمار!! تفكيك خطاب ما بعد الكولونيالية

عدن ((عدن الغد))خاص:

 

د. مجيب الرحمن الوصابي

" سرده الخالي من أي مساومة مع الاستعمار" جاءت هذه الجملة المختزلة على لسان الأكاديمية السويدية ولجنة حكامها؛  تتويجا للروائي التنزاني من أصول يمنية وفوزه بجائزة نوبل للآداب 2021م , أثار هذا الأمر لغطا في الأوساط الثقافية العربية واليمنية واستغرابا!  لا لأن الروائي ( عبدالرزاق قرنح ) يعد مجهولا في الساحة الأدبية العربية واليمنية فحسب! ... بل ومدلول لفظة ( الاستعمار ) بوصفه اعترافا صريحا بما يشبه الإقرار بالذنب من ( الآخر ): الغرب المستعمر إذ يبدو هذا التقييم حكما مؤسسا في عمقه على نقد المركزية الغربية في علاقته بالهامش
وما ينبثق عنه من أبعاد الهيمنة الكولونيالية ثقافيا وسياسيا وفرضها لأنماط جاهزة من الثقافة والفكر، مستهدفة احتواء الخصوصيات الثقافية، ومنابع التحرر في الثقافات على تنوعها واتساعها واختلافها.
الإشكالية  : (الأصل المغيب والبديل المفروض)

الذات الغربية انطلقت في تأسيس خطابها الكولونيالي الثقافي في الشرق وفقا للمرجعيات التالية وهي:
# الخطاب الاستشراقي المشكل في الساحة الثقافية والفكرية الغربية عبر مراحل زمنية طويلة ساعدت في خلق صورة مغايرة للآخر عن الذات أو الأنا الغربية؛ استفيد منها في صياغة الخطاب الكولونيالي التمييزي الذي تكون فيه صورة التفوق حاضرة في الذهنية الغربية في مقابل الصورة الدونية للآخر الشرقي.

#ثانيا: الخطاب الفلسفي والفكري الغربي الذي أسهم في رسم صورة فكرية متضخمة للأنا التي وظفت في بناء صورة العقل الغربي المتفوق على حساب الآخر الذي اتخذ من الجنس والغرائبية أساسا لحياته وتفكير.

ثالثا: الخطاب الفني والأدبي من خلال تسويق صورة الشرق المغاير عن صورة الذات الغربية؛ إذ أسهم هذا الخطاب في إيجاد فوارق بين الشرق والغرب من خلال المنتج الثقافي الأدبي الفني؛ تم توظيفها في دعم الخطابات الكولونيالية داخليا على مستوى المؤسسة الغربية وخارجيا على مستوى تأكيد صورة الآخر.

#رابعا: الدافعية نحو الخارج؛ وذلك للتخلص من التنافس الداخلي بين الممالك الغربية والدول ليتم تصوير ( الشرق ) كمنافس حضاري وثقافي والعمل على ابتداع أوصاف تسهم في استدراج الشعوب الغربية إليه؛ حيث ساعد هذا الأمر في التخلص من الخلافات الداخلية؛ وتوجيه النشاط العسكري وغيره نحو الخارج ( الشرق)

إن النظرية ما بعد الكولونيالية هي قراءة للفكر الغربي في تعامله مع الشرق من خلال مقاربة نقدية بأبعادها السياسية والثقافية والتاريخية؛ وهي شكل من أشكال المقاومة لهذا المستعمر ؛ ولطالما تغنينا بالاستقلال والسيادة والحرية في اتخاذ القرار ؛ لكن واقع الأزمات والاضطرابات السياسية والاجتماعية والبنيوية جعلتنا نعيد النظر إلى أنفسنا من زاوية التابع الذي لا يملك القدرة على بناء ذاته !! ومن الغريب أن نرى اليوم خطابا أدبيا شعبويا ونخبويا يحن لماضي الاستعمار !!! فأي جريمة تسببت بها النخب الثورية والانتهازية وغيرها بحق شعوبها حتى يصدر عنها خطاب الحنين للمستعمر!!!
 إن الحنين للماضي ظاهرة إنسانية عامة وطبيعية لكنه يتحول إلى شلل في الحركة والإرادة خصوصا إذا ما بولغ فيه وفقدت البوصلة.

وحنين أبناء الجنوب وخصوصا أهل عدن  إلى ( أيام بريطانيا ) وتلك الحقبة غدت حقائق تكاد تكون مسلمات رائجة! فسيحدثك المخضرمون عن مظاهر الثقافة والتعليم ودور السينما والصحافة ومنتديات الأدب والحياة المزدهرة والطمأنينة التي كان يغبطهم عليها الجيران في الخليج!!! وهو تعبير غير  مباشر بحالة الضيق والتوتر من هذا الحاضر وشظف العيش وفقدان الأمل بمستقبل أفضل!  ... لكن وصول الأمر إلى حد المطالبة بعودة الاستعمار البريطاني له دلالاته التي ينبغي التوقف عندها ... وخوض غمار تفكيك هذا الخطاب ورصد تمظهراته في الثقافة اليمنية بشكل عام وهذا ما نأمل التوفيق به في قادم الايام بإذن الله.