من مذكرات الرئيس الإرياني : ظلم الإماميين البائن.. وبدايات العمل السياسي ... الحلقة (10)

الرئيس الارياني والرئيس السلال والشيخ احسين الاحمر

حفظ الصورة
جمع وإعداد / د. الخضر عبدالله

(عدن الغد) أول صحيفة يمنية تنفرد بنشر أهم المحطات التاريخية لرئيس دولة الجمهورية اليمنية العربية آنذاك في شمال اليمن قبل توحيد اليمن إلى وحدة يمينة .. هو الرئيس اليمني عبدالرحمن  الأرياني فهو سياسي وشاعر وأحد علماء الشريعة وقضاتها في اليمن، شارك في مراحل النضال الوطني ضد "حكم الإمامة" المَلكي، وهو ثاني رئيس وأول مدني حكَم الشطر الشمالي من البلاد بعد الإطاحة بالحكم الإمامي 1962، وأول رئيس عربي يقدم استقالته إلى مجلس شورى منتخب.

 

وعبر (عدن الغد ) نسرد شيئاً من حياته , والظروف التي فرضت العمل النضالي، والصعوبات التي تعرض لها الإرياني ومن معه في رحلة الثورة والنضال، وأساليب المعارضة  وكيف صار رئيساً لليمن ..  وأرجو أن يكون نشر هذه المحطات والأحداث التاريخية مدخلاً جيداً للتعرف على شخصية القاضي الإرياني كثاني رئيس يمني .

 

جمع وإعداد / د. الخضر عبدالله:

 

الفكر الجامد والظلم البائن

تذكر دراسات تاريخية عن اليمن انه  كان باستطاعة الإمام يحيى أن يحلّق باليمن في آفاق عالية، وأن يحقق منجزات غالية، ولكن منعه من تحقيق ذلك: عقله المنغلق، وفكره الجامد، وظلمه البائن، وبخله الفاحش، مما جعله يسير باليمن نحو الهاوية، ويجعلها قرية نائية، فبينما كان ركب البشرية قد جاوز في مسيرته عصر النهضة واقتحم أبواب العصر الحديث، كانت اليمن في عهد الإمام يحيى مازالت تعيش في أوهام القرون الوسطى، وتتخبط في متاهات من الضلال لا حدود لها، فالشعب اليمني في عهده حي كالميت وميت كالحي، حرم الشعب من كل شيء.. لقد كانت كل دقيقة في سني حكم الإمام يحيى الطويل طاحونة هائلة تسحق عظام الشعب، وتنهش لحمه وتفري جلده.

 

اتفاقية الطائف

بينما كانت الشعوب الأخرى تنهض وتتقدم وتتطور، فهذا الملك عبدالعزيز بن سعود استطاع توحيد المناطق الخاضعة لحكمه في نجد والحجاز تحت اسم المملكة العربية السعودية، وذلك سنة 1932م، والذي دخل في حرب مع الإمام يحيى انتهت بتوقيع معاهدة الطائف المشهورة، سنة 1934م والتي وضحت الحدود بين البلدين، كما اعترف الإمام يحيى بالحدود الشطرية لليمن ووقع مع الإنجليز معاهدة صداقة وتعاون، وبعقد هاتين المعاهدتين (معاهدة الطائف، والمعاهدة مع الإنجليز) انتهت متاعب الإمام مع السعوديين وخفت مع بريطانيا.

 

الهزيمة وانهيار المعنوية

وكانت هزيمة الإمام يحيى أمام القوات السعودية سنة 1934م، قد أدت إلى انهيار معنوياته، وزوال هيبته في قلوب الناس، فصدرت لأول مرة المنشورات التي تكشف مفاسده، وتفضح مساوئه، وخاصة نظام الرهائن بأخذ أبناء القبائل ليضمن الولاء وعدم الخروج، فزاد هذا الأمر من تشويه صورة الإمام يحيى، الذي تعمد الإساءة إلى زملائه وأعوانه والمؤيدين له في بداية حكمه.

 

ومع كل المتغيرات التي شهدتها المنطقة في تلك الفترة وشهدها العالم، فقد كان حكم الإمام يحيى يتسم بالفردية والظلم المطلق، والجمود والجور، والعزلة والانغلاق الكامل، لقد ورث الإمام يحيى حميد الدين كل مساوئ ومفاسد ومظالم الأئمة السابقين، وتميز في مسألة الظلم والبخل، فهناك إجماع واتفاق بين الناس عامتهم والخاصة على بخل الإمام يحيى وظلمه، حتى أن ذلك أصبح من المعلوم بالضرورة، ولا يحتاج إلى دليل أو إثبات

 

إمام البخلاء

تشير اقاويل ذكرها من عايش هذه الحقبة الزمنية ان من عجائب الإمام يحيى وكل أمره عجيب أنه لم يكن يهتم بأمر من أمور الإسلام وأركانه مثل اهتمامه بالزكاة، وكأن بقية الأركان ليست من الإسلام، والأكثر غرابة أنه كان يعرف مصادر الزكاة وكيف يأخذها، بكل قسوة وشدة، ويتجاهل وينسى مصارفها الشرعية!، ومع أنه كان عالماً بل مجتهداً، إلا أن همه الوحيد هو جمع المال من حله ومن غير حله، ويأخذ الزكاة في القليل والكثير، وكان يشرف بنفسه على خزن الأموال النقدية في المخازن والأقبية، فإذا امتلأ المخزن أقفل عليه بمغالق وأقفال محكمة، ثم يأمر بسد الباب بالأحجار.

 

لقد كدس وكنز الأموال الكثيرة، والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة، ملايين من الريالات الفرنسية ريال ماري تريزا الذي هو من الفضة الخالصة، والغرابة لا تتوقف عن هلعه الشديد، وبخله الكبير، ولكن الغرابة الأشد، والأمر الأعجب أين ذهبت تلك الأموال؟ خاصة أن الإمام يحيى لم ينفق شيئاً يذكر لا على الشعب ولا حتى على نفسه ! والحق أن الأمر أكثر من الغرابة، وأكبر من الحيرة: (أنه شيء أكبر من البخل بكثير، لقد كان رجلاً غريباً إلى أبعد الحدود، فقد كان الإمام يحيى يحكم اليمن بطريقة غريبة وعجيبة، وأنت تصاب بالدوار عندما تفكر في أن اليمن في منتصف القرن العشرين ولا مدارس أو جامعات أو طرق، الحقيقة أنه من الصعب على الواحد منا أن يسرد سرداً كاملاً يعطي صورة عن تلك الأزمنة).

 

عوامل دفعت الإرياني في العمل السياسي

وحول دافع النشاط السياسي لأسرة الرئيس الإرياني يقول  :" كان لأسرتي تاريخ طويل في مجال المصارحة للحكام ونقدهم وتبيان الاخطاء وإظهار ما يعانيه الناس من الجور والظلم بصراحة، وكان والدي من هؤلاء الناقدين الناصحين. والى جانب ذلك، كانت البيئة التي نشأت فيها، بيئة متحررة مذهبيًا، تنظر إلى الإمام كسلطة زمنية لا كسلطة دينية مقدسة كما كان معتقد  من يقولون "ظلمني صلوات الله عليه" و "نهب مالي سلام الله َعليه "

 

ويضيف الرئيس الإرياني :" على أني أذكر أننا في مطلع أعمارنا كنا كغيرنا من الناس نعتبر حياتنا  وأوضـاع بلادنا طبيعية، ونعتقد أنها (أي هكذا خلقت )كما يقول المثل ولم نكن نعرف عن شيء  مما يجري في العالم أو نتصور أن للشعب حقا على الدولة. وكان لكتب مجتهدي اليمن كالوزير والمقبلي والجلال والأمير والشوكاني، والتي درسنا بعض منها على يد الــوالــد رحمه الله، أثرها في تحرير الفكر والحض على مناهضة الوضع الذي لا يتفق مع ما تدعوا اليه القيم الدينية التي ترسخت في النفس كالعدل ووجــوب صرف أمــوال الله في مصارفها. على أن كل ما كان يستنكر هو الظلم والاذلال اللذان كان يعاني منهما المواطنون الأمرين. وكان ما يعانيه الشعب من الظلم والاذلال هي الدافع الى ارادة التغيير او على الاصح تمنى التغيير كما كان ذلك منطلقا من منطلقات دينية، وكانت الحيثيات تدخل في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكنها، بعد أن جاءتنا كتب جمال الدين

 

الافغاني والشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا والكواكبي وغيرهم، توسعت مداركنا وبفعلها توسعت مطالبنا. فبعد أن كانت مطالبنا سلبية تتمثل بالمطالبة بعدم الظلم المتنوع المناحي، أصبحت ايجابية تتمثل بالمطالبة بالحرية والدستور والشورى وبالمدارس والمستشفيات ومحاربة الفقر والمرض.

 

(للحديث بقية ) .