قصة يمني يقوم بمهمة انتشال جثث قتلى الحرب

صنعاء (عدن الغد) العربي الجديد - مها الحكيمي:

فيما تشتعل المعارك الطاحنة في جبهات القتال بمحافظتي مأرب والجوف، شمال شرقي اليمن، يخوض هادي جمعان مع رفاقه معركة أخرى في هذه الجبهات، متسلّحين بأعلامهم البيضاء وأكياس حفظ الجثث، للعمل على انتشال وحفظ ونقل جثث ضحايا أطراف الصراع وتسليمها إلى ذويها.

 

بدأ جمعان، وهو وسيط محلي ورئيس لمنظمة "وسطاء الإنسانية"، رحلته الشاقة والخطرة في عام 2015 عندما كان يعمل ضمن فريق كشفي تابع للكشافة اليمنية، وطلب منه أحد الأصدقاء التعاون معه لإخراج إخوته الذين سقطوا ضحايا في إحدى الجبهات القريبة من محافظة الجوف، وقام حينها بالتواصل مع الشخصيات الاجتماعية والعسكرية لأخذ موافقتهم على إخراج الجثث.

 

يقول جمعان لـ"العربي الجديد": "أخرجنا الجثث التي تعود لعائلة صديقي، لكننا قمنا أيضاً بإخراج مجموعة أخرى من الجثث التي كانت في المنطقة نفسها. بعدها بدأت أتلقّى اتصالات عديدة من أهالي الضحايا للتعاون معهم في إخراج جثث ذويهم".

 

يضيف: "في تلك اللحظة، استشعرنا واجبنا الإنساني والأخلاقي، وقمنا بتشكيل فريق للتواصل وجمع المعلومات حول الجثث، والتنسيق مع جميع أطراف الصراع والقيادات المعنية". ولم تكن مهمة جمعان ورفاقه بالأمر السهل، خصوصاً في ظلّ القتال المستمر والمتقطع الذي تشهده جبهتا الجوف ومأرب منذ عام 2015.

 

وتعرّض جمعان وفريقه للعديد من المخاطر خلال عملهم، كما تعرّض البعض منهم لإصابات جرّاء استمرار أعمال القتال.

 

يتابع حديثه: "كنّا نعلم جميعاً أنّ عملنا في هذا المجال محفوف بالمخاطر والتعقيدات، بما فيها صعوبة التعرّف على الجثث واحتجاز بعضها والمماطلة في تسليمها، وانقطاع شبكة الاتصالات في هذه المناطق. ولكن لم نتوقع أن نتعرّض للقصف والاستهداف المباشر لسيارتنا التي تحمل العلم الأبيض أثناء جمعنا للجثث في إحدى جبهات القتال، وأصيب حينها كامل الفريق بإصابات مختلفة".

 

وخلال الأعوام الماضية، تمكّن جمعان وفريقه من تسليم أكثر من 1700 جثة إلى ذويها، إضافة إلى نجاحه في التوسط للإفراج عن أكثر من 300 أسير. ولكن فريق العمل الذي كان يتكوّن من 75 متطوعا ومتطوعة، تقلّص إلى 15 شخصاً فقط، بسبب المخاوف الأمنية وقلّة الإمكانات المادية، بحسب جمعان.

 

ويواجه جمعان، في أحيان كثيرة، صعوبة في التعرّف على العديد من الجثث لتحلّلها بسبب بقائها في المواقع لفترات طويلة، تصل أحياناً إلى أسابيع أو أشهر وقد تصل إلى سنة وأكثر. كما لا تتوفر لدى المرافق الصحية في هذه المناطق ثلاجات متخصّصة لحفظ الجثث.

 

وعن أصعب المواقف التي واجهها، يقول جمعان: "بعد أن تعطّلت سيارتي في الطريق، اضطررت إلى حمل إحدى الجثث على ظهري سيراً على الأقدام لساعات طويلة، لأصل إلى المنطقة المنشودة، وتوقفت للنوم قليلاً في منطقة فيها العديد من الكلاب. كما تعرّضت للسجن والاحتجاز مرّات عديدة، بسبب الاشتباه في انتمائي لأحد أطراف الصراع". ويدعو جمعان جميع أطراف الصراع إلى "تحييد عملنا الإنساني عن المماحكات السياسية، لأنّ البحث عن الجثث والوساطة بشأن الأسرى عمل إنساني بحت".

 

ويشدّد على أنّ فريقه: "في حاجة بالغة للدعم المادي، حيث إننا نبذل وقتنا كلّه وجهدنا، ونمتنع تماماً من استلام أي مبالغ من الأهالي أو أسر الضحايا، لإيماننا بأهمية هذا العمل الإنساني". ويختتم حديثه بالقول: "لكن الأوضاع المادية تعيقنا كثيراً، وعلى رأس احتياجاتنا الضرورية، توفير وسيلة نقل وأكياس الجثث وغيرها من وسائل الأمن والسلامة".