ما أسباب الارتفاعات المتواصلة بأسعار الوقود.. وأين الحكومة وما هو دورها تجاه ما يجري للناس؟

(عدن الغد) خاص:

تقرير يتناول تداعيات انهيار الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الوقود..

ما أسباب الارتفاعات المتواصلة بأسعار الوقود.. وهل هي مبررة؟

ارتفاع أجور النقل والمواصلات.. كيف فاقمت معاناة الناس؟

أين الحكومة وما هو دورها تجاه ما يجري للناس؟

لماذا تتفاوت أسعار الوقود في محافظات يفترض أنها خاضعة للشرعية؟

أين الدعم الخليجي في مجال المشتقات النفطية.. ولماذا لا يتدخل التحالف؟

الوقود.. يحرق حياة الناس!

(عدن الغد) القسم السياسي:

ما زالت أصداء تدهور وتردي الحياة المعيشية والاقتصادية للبلاد والتي يكتوي بنيرانها كافة المواطنين اليمنيين شمالا وجنوبا، تنال الحيز الأكبر من هموم الناس.

وقد تكون الحرب المستعرة منذ سبع سنوات هي السبب وراء هذا الانهيار الذي يعاني منه الاقتصاد الوطني، ويكابده البسطاء، لكن السنوات الماضية من الحرب لم تشهد ما شهدته الشهور الأخيرة.

فقبل عام، لم تكن الأوضاع بذلك التردي الذي نعيشه الآن، حيث تسارع الاقتصاد بالسقوط بشكل يدعو للاستغراب، ما يؤكد أن الامور ليست على ما يرام، بل أنها ليست طبيعية.

كما أن ملامح الانهيار الحر للمعيشة في البلاد برمتها، لم يقتصر على معلم واحد، ولكنه طال كافة جوانب الحياة التي تمس عامة المواطنين، بدءًا من توقف المرتبات، وتراجع سعر صرف العملة المحلية وارتفاع نظيراتها الأجنبية.

وزد على ما سبق، انعدام الخدمات العامة والاحتياجات الأساسية للعيش، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالأوضاع الاقتصادية، كالكهرباء والمياه والوقود والمشتقات النفطية.

وهو ما أثقل كاهل المواطن البسيط، الذي لم يعد يستطيع مواجهة الأزمات المتلاحقة التي تطارده من حين إلى آخر، ووصلت إلى مستوى النيل من قوته اليومي.

ولعل أكثر ما يلامس حياة الناس، وآخر تلك الأزمات التي تعصف به، كانت الارتفاعات المضطردة والمتسارعة لأسعار الوقود والمشتقات النفطية، والتي ترتبط بشكل قوي بكافة احتياجات الشعب.

وما أثار الجدل والريبة من هذه الارتفاعات القياسية في أسعار الوقود، هو أنها تتم بشكل متسارع، لدرجة أن الارتفاعات بلغت ما نسبته 60 % خلال بضعة أشهر، وهو ما لم يشهده أي بلد في العالم.

>الأسباب والمبررات.. هل هي واقعية؟

سيئة جدا هذه الارتفاعات المستمرة والمتواصلة في أسعار الوقود في مدن المحافظات المحررة، لكن ما هو أسوأ منها التبريرات التي خرجت بها السلطات والجهات المعنية.

فمن غير المعقول أن ترتفع أسعار الوقود من حوالي 15 ألفا أو 16 ألف ريال يمني للصفيحة عبوة 20 لترا، قبل نحو أربعة أشهر، إلى حدود 23 ألف ريال قبل أيام.

ومهما كانت مبررات شركة النفط التي تسارع بإصدار بياناتها لتبرئ ساحتها من المسئولية وتلقي باللائمة على تدهور سعر الصرف، وأسواق النفط العالمية وغيرها، إلا أن الأمر لا يمكن تبريره أبدا.

فمن المعروف أن سوق المشتقات النفطية في اليمن كان مدعوما من الدولة قبل 2018، إلا أن سياسة تحرير هذه السوق هو ما أدى إلى كل هذه السقطات والمصائب التي لا يكتوي بنارها سوى المواطنين.

اقتصاديون وخبراء يلقون باللائمة على السياسات الحكومية والإجراءات الخاطئة التي تنتهجها شركة النفط اليمنية التي باتت اليوم في حكم الشركة المخصخصة، بعد أن أسندت قيادتها وإدارتها لشركات تجارية منافسة.

ويؤكد المراقبون الاقتصاديون أن المنافسة انتهت في سوق الوقود حاليا، وصارت الأمور تدار بشكل ربحي بحت، ضاربة مصلحة الناس عرض الحائط، وغير آبهة بمعاناتهم، بقدر ما تهتم بتحقيق أكبر نسبة أرباح.

ومهما كانت أسباب ارتفاع أسعار الوقود المتمثلة في تدهور سعر صرف العملة المحلية، مرورا بارتفاع أسعار النفط عالميا، إلا أن سلعة كهذه وغيرها من السلع الغذائية والأساسية الأخرى يجب أن تكون بمعزل عن مثل التغيرات.

وذلك يعود إلى أن هذه المواد مرتبطة بحياة الناس بشكل وثيق، وأي ارتفاع فيها سينعكس سلبا على استقرار الأوضاع المعيشية في البلاد، والذي أثر عميقا في أقوات المواطنين.

>تجهيل الشعب

كانت أبرز تداعيات ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والوقود في مختلف محافظات جنوب اليمن، ارتفاع أجرة النقل الداخلي بين المديريات والمناطق المحلية.

فهذه المعضلة حالت دون تسيير حياة الكثير من المواطنين بشكل طبيعي أو بوجهها الروتيني، الذي لم يعد موجودا كما كان.

فالمواصلات ارتفعت مقارنة بما قبل الحرب عام 2015، أضعافا مضاعفة، وبما نسبته أكثر من 70 % خلال بضعة أشهر فقط، والسبب يعود إلى تصاعد أسعار وقود المركبات.

الأمر الذي فاقم معاناة الناس، فتكالبت أجور النقل والمواصلات وارتفاع أسعار السلع الغذائية، وتدهور سعر الصرف، وانعدام المرتبات؛ ليخنق المواطنين أكثر فأكثر، ويضيّق عليهم حياتهم.

حتى أن كثيرا من الأسر والعائلات الفقيرة في مدينة كعدن اضطرت لإخراج أبنائها من المعاهد والجامعات بعد أن عجزت عن توفير تكاليف نقلهم اليومي إلى الكليات والمدارس.

ما يجعل عدن، المدينة المعروفة بالعلم والتنوير، تغرق في الجهل، بعد أن غادر أبناؤها الجامعات والمدارس بشكل قسري وقهري، ورغما عنهم.

وهو ما اعتبره مراقبون سياسة ممهنجة لتجهيل شباب عدن، وسحبهم من مقاعد العلم والزج بهم إما في جبهات القتال أو المكوث في البيوت ليصبحوا فريسة سهلة للبطالة والقهر.

>أين دور الحكومة؟

اقتصاديون صنفوا ارتفاع أسعار الوقود بأنه يأتي ضمن سياسة واضحة المعالم، خاصة في مدينة عدن ومحافظات جنوب اليمن.

خاصة في ظل استقرار أسعار المشتقات النفطية في محافظة محررة اخرى مثل مأرب مثلا، وهو ما يثير الكثير من الجدل والاستغراب من دور الحكومة ومؤسساتها المعنية، كشركة النفط.

فهذا التفاوت في الأسعار بين المحافظات المحررة هو ما يدعو للريبة والشك في إجراءات وإعلانات شركة النفط وتبريراتها حول رفع سعر الوقود في عدن والمحافظات الجنوبية من اليمن.

ويشير المحللون الاقتصاديون إلى أن شركة النفط اليمنية وبدلا من أن تسعى كجهة حكومية للحد من تغول الشركات النفطية الخاصة، ومحطات بيع الوقود التابعة للتجار، إلا أنها تتماهى معهم وتسعى للحصول على حصة من "كعكة" السوق، وكأنها شركة ربحية.

ولا حل يبدو في الأفق لمثل هذه المعاناة، إلا بمراجعة سياسات شركة النفط، والجهات الرقابية التي تقف خلف التعيينات الأخيرة على رأس الشركة، بالإضافة إلى إعادة النظر في قرار تحرير سوق المشتقات.

وهو القرار الذي استجلب معه ويلات وكوارث اقتصادية عديدة، يبدو أنها مقتصرة على مدينة عدن ومحافظات الجنوب لا غير.

بل أن البعض يرجح وجود خلل في إدارة الشركة الجديدة كما يظهر، فالارتفاعات تدفقت بشكل متسارع بمجرد التعيينات الأخيرة على رأس قيادة الشركة.

>الدعم الخليجي المنتظر

تأتي كل تلك المصائب وللكوارث الإنسانية والمعيشية والاقتصادية في البلاد، في ظل خضوع البلاد لسيطرة أعتى القوى الاقتصادية في العالم، والمجاورة لليمن.

وبحكم تداخل أغنى دول الأسواق النفطية في الدنيا، السعودية والإمارات في الحرب المستعرة بالبلاد إلا أن تدخلاتهم الاقتصادية تبدو خجولة إلى حد بعيد.

الأمر الذي يحتم على دول التحالف العربي ضرورة الالتفات إلى الوضع المعيشي المتدهور في اليمن، وتوفير دعم اقتصادي قوي ينعش الحياة المعيشية للمواطنين، بحسب وعودهم وتعهداتهم في المحافل الدولية.

وبحكم أنهما من أغنى دول العالم في إنتاج النفط، كان بإمكان الرياض وأبوظبي دعم هذا المجال في اليمن، بما يؤدي إلى امتنان اليمنيين، بدلا من السخط الموجود حاليا على سياسات التحالف وحتى الحكومة في التعامل مع الملفات الاقتصادية.

>المواطنون.. ما مصيرهم؟

لن يقوَ أي مواطن في العالم على تحمل ما تحمله المواطن اليمني في تاريخه ومراحله السياسية المختلفة، قابعا تحت رحمة الصراعات، وقابلا بالأزمات التي تتلاحق على رأسه.

غير أن الوضع حاليا يبدو أنه "قد بلغ الزبى"، وفاض الكاس بما فيه، ولعل المواطن اليمني، خاصة في المحافظات المحررة، لا يملك أكثر من أن يخرج للشارع معبرا عن معاناته بكل وضوح وصراحة، وليس أمامه سوى تنفيذ رغبة الملايين في العصيان المدني للفت انتباه العالم الصامت، إلى معاناته وآلامه وأوجاعه، وإنقاذ مصيره.