السياسي البارز مصطفى النعمان يكتب: حديث من دون رتوش

كتب / مصطفى أحمد النعمان:

تهاوت الدولة اليمنية في 21 سبتمبر (أيلول) 2014 حين وقّع قادة الأحزاب بحضور رئيس الدولة مبتسماً ما قال إنه "إنجاز تاريخي"، والمبعوث الأممي حينها السيد جمال بنعمر، بعد أن استكملت جماعة أنصار الله (الحوثيون)، وهذا هو الاسم الذي أقرته كل القوى المشاركة في لقاءات الحوار في "موفنبيك"، سيطرتها على العاصمة.

 

ما حدث بعد ذلك كان استكمالاً للمسار الطبيعي لتفكك المؤسسات الذي بدأ في عام 2012، بإطلاق العنان للأحزاب لنهش جسد الدولة بتعيينات عشوائية مستندة إلى محاصصة حزبية في الوزارات والمصالح، بعيداً من قواعد وقوانين ولوائح الخدمة المدنية، وكان الأسوأ أن الأحزاب اختارت عناصر غير كفؤة ولا مقتدرة في الحكومات التي سبقت وتلت أحداث سبتمبر 2014.

 

كانت الخفة السياسية متسيّدة المشهد العام، وضعف دور رئيس الجمهورية ففقد القدرة على التحكم في المسارات خلال فترة انتقالية كانت تستدعي اليقظة الكاملة والتشاور المستمر مع الجميع، فأدى إلى اختلال كامل في نشاطات الدولة وفقدت القدرة على إنجاز ما هو مطلوب، وصارت المؤسسات تعمل كجزر منفصلة لا يربط بينها إلا اقتسام الغنائم والإمعان في تفكيكها.

 

ما حدث بعد 21 سبتمبر 2014 ابتداء بخروج مستشار رئيس الجمهورية للشؤون العسكرية الفريق (اللواء حينها) علي محسن الأحمر من المشهد وصولاً إلى اعتقال الرئيس ورئيس الحكومة وعدد من الوزراء في الأسبوع الأخير نهاية يناير (كانون الثاني) 2015، كان إشارة الدخول في مرحلة الانتهاء من تدمير مشروع الدولة اليمنية التي تمناها الشباب الذين خرجوا إلى الشارع مطلع 2011، ولكن أحلامهم تحطمت على صخرة الجشع الحزبي وسقوط عدد منهم في فخ البحث عن المنصب والانجرار نحو عملية الاستقطاب الذي مارسته الأحزاب التي قدمت مصالحها على المصلحة الوطنية، ومارست عبثاً غير مسبوق في استخدام الوظيفة العامة وسيلة متخلفة عقيمة ورخيصة لإرضاء أعضائها على حساب النظام والقوانين.

 

في الفترة بين 21 يناير 2015 (وضع الرئيس الإقامة الجبرية) و26 مارس (آذار) 2015 (بدء الحملة الجوية بقيادة المملكة العربية السعودية - عاصفة الحزم) دفعت جماعة أنصارالله ميليشياتها جنوباً نحو تعز وعدن، واندفعت نحو إقامة علاقات تجارية لم تثمر عن شيء ملموس مع إيران، وأعلنت عدداً غير منطقي من الرحلات الجوية التجارية بين البلدين، وكانت تلك الأقوال مثيرة للقلق الإقليمي إلى القوة لحسم المشكلة التي قدرتها الرياض مصدر خطر داهم عليها.

 

كانت قناعتي التي أعلنتها وتحدثت بها علناً وفي المجالس المغلقة أن الحرب لا يمكن أن تؤدي إلى إغلاق الملف، بل إنها حتماً، لمعرفتي بالواقع والتاريخ، ستصل بالجميع إلى كارثة إنسانية سيتحملها المواطن اليمني.

 

وفي هذا الصدد، أتذكر أنني قلت نهاية العام 2015 خلال مشاركتي اليتيمة في المنتدى الذي يقيمه مركز الإمارات للسياسات في أبوظبي، إن التقارير كانت تتحدث على أن في يد المواطنين أكثر من 60 مليون قطعة سلاح، وتوقعت أنه بنهاية الحرب سيتجاوز عددها 200 إلى 300 مليون قطعة سلاح في يد شباب وأطفال لن يجدوا بعد انتهاء الحرب عملاً ولا أملاً، مما يجعلهم مصدراً وتربة خصبة للجماعات الإرهابية والعصابات والتنظيمات المسلحة المنفلتة.

 

ما يحدث منذ 26 مارس 2016 هو أن البلد صار ينقسم بشكل مستمر إلى قطاعات جغرافية تتقلص مساحاتها لأنها تتفتت من داخلها إلى مساحات أصغر، ونشأت في غياب الدولة تشكيلات عسكرية بعيداً من هياكل القوات المسلحة النظامية وقوات الأمن، وصارت ضعيفة حد الهزال.

 

اليوم يمكن القول إن البلاد صار بها أربع قوى رئيسة تتوزع النفوذ بحسب وجودها على الأرض، ولها جميعاً ارتباطات خارجية يتفاوت قدر تأثيرها على القوى الداخلية.

 

هناك الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة أنصارالله والمجلس الانتقالي، وأخيراً حراس الجمهورية.

 

يشير الواقع إلى أن أضعف هذا المكونات على الأرض هي الحكومة لأسباب كثيرة، أبرزها ضعف تكوينها وتعدد مراكز القرار داخلها وفساد كثير من عناصرها، وانعدام كفاءة أغلب كبار موظفيها بسبب التوزيع الحزبي للمناصب الذي لا يمنح لأحد حق الاعتراض على أي اختيار، يضاف إلى ذلك أن الثقة الشعبية بها منعدمة ولا يرى فيها المواطنون أي قدرة على الأداء والإنجاز سوى تأمين أوضاع منتسبيها، وفي الواقع هي لا تعيش ولا تستمر إلا بالرغبة الإقليمية فقط، كما أن أعضاء الحكومة يمثلون توجهات سياسية متناقضة ومتصارعة على النفوذ داخل الرقع الجغرافية المختلفة، مما يجعلها هجيناً مشوهاً لا يمكنه إنتاج أي عمل وطني إيجابي.

 

العنصر الثاني هو جماعة "أنصارالله" التي لا تخفي علاقاتها القوية مع إيران، فهي الدولة الوحيدة التي تعلن صراحة تأييدها ودعمها لهم، ومما من شك في أنها قدمت مساعدات فنية ولوجستية وتدريباً متقدماً للعناصر العسكرية والأمنية والإعلامية، لكن البعد الجغرافي وصعوبة التواصل المباشر بصورة مستمرة يجعلان التأثير الإيراني في قرار الجماعة في الشأن الداخلي ضعيفاً، مقارنةً بما تتعرض له الحكومة، كما أن طهران لا تستطيع مد الجماعة بالأموال الكافية واللازمة لنشاطاتها، مما يجعل الأخيرة تمارس عمليات قسرية وغير مشروعة للحصول على حاجاتها لتسيير نشاطاتها العسكرية، وتستولي بالقوة على موارد كبيرة من الداخل من دون رقابة أو محاسبة، وهذا لا يعني أن طهران بعيدة من المشهد، بل هي في عمقه وكسبت نفوذاً وتأثيراً أكبر بكثير من أي عون قدمته للحوثيين طوال السنوات الماضية، ومرد ذلك هو ضعف أو انعدام التنسيق والثقة بين الرئيس وحكوماته المتعاقبة مع التحالف.

 

الكيانان الباقيان، حراس الجمهورية (صارت تسمي نفسها المقاومة الوطنية)، والمجلس الانتقالي الجنوبي، نشآ برعاية دولة الإمارات العربية وبتمويل صريح منها، ودربت عناصرهم وأهلتهم وساندتهم في معاركهم قبل أن ترفع يدها جزئياً عنهم، وإن كانت ما زالت تمنح قياداتهم الكبيرة التسهيلات للإقامة ولأسرهم على أراضيها.

 

هذا المشهد الرباعي يجب أن أضيف إليه الكيان الذي يتربص بالجميع، وهي التنظيمات المتشددة التي تجد في الحرب الدائرة مرتعاً خصباً لعناصرها للتمدد والانغماس والتجنيد، وهي القضية التي تهدد الجميع والإقليم وربما لاحقاً العالم.

 

ما الحل؟

لا أدري، فقد تشابكت الخطوط وأصبح اليمن مجرد ملعب مجاني مفتوح لقوى لا يمثل اليمن وشعبه لها إلا مساحة لتصفية خلافاتها، أو على أفضل تقدير للصراع على النفوذ فيه، ولكن المؤكد ألا أحد يهمه أمر مواطنيه ولا جوعهم ولا فقرهم ولا قتلهم.