لماذا تنحرف بوصلة الحرب دائماً.. ومن الذي يعيق الحرب ضد الحوثيين؟

(عدن الغد) خاص:

تقرير يحلل أسباب تأخر حسم الحرب ضد المليشيات الحوثية رغم هشاشة وضعف موقفها..

كيف أثبتت معارك الحديدة ومأرب وغيرها أنه من السهل القضاء على الحوثي؟

لماذا تندلع الصراعات في المحافظات المحررة بمجرد بدء أي حملة عسكرية ضد الحوثي؟

ما حقيقة وجود بعض الأطراف التي لا تنوي إنهاء الحرب أو القضاء على الحوثي؟

هل هناك طرف دولي أو محلي لا يريد حسم الحرب في اليمن؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

"ليسوا سوى فقاعة".. هكذا هي حقيقة مليشيات الحوثي، التي ما كان لها أن تتوسع وتتمدد لولا الانقسامات الداخلية والإقليمية والتي غذتها ودعمتها، وتسببت في استمرار تواجدها.

فمن خلال العودة إلى تاريخ هذه الجماعة المتمردة والانقلابية، فإنها ظلت حبيسة كهوف صعدة ومران، طيلة عقود طويلة، ولم تجرؤ على إبراز رأسها في ظل تواجد الدولة، وسطوة هيبتها.

حتى أن قوات المليشيات لم تستطع التغلب على 400 شخص من مقاتلي المركز الديني السلفي في دماج، الذين استبسلوا دفاعا عن مركزهم ودينهم، بأسلحتهم الشخصية التي واجهت جحافل عتادهم العسكري.

ولولا التحالفات السياسية التي استغلتها المليشيات في فترة ما بعد 2011، وحالة اللا استقرار التي عاشتها البلاد حتى اليوم، ما كان للانقلابيين الحوثيين أن يستمروا في سيطرتهم على مكامن الدولة حتى الآن.

لكن الانقسامات الداخلية هي من أتاحت لها المجال لإحالة واقع اليمن إلى جحيم بفعل ممارساتها وانتهاكاتها، رغم أنهم أقل وأصغر وأضعف مما يبدون عليه.

غير أن الاستغراب والتساؤلات التي لا تجد لها إجابات هو ما تسيطر على محاولات تفسير وتبرير هذا الوضع غير المنطقي.

وما زاد من الغرابة، هو استمرار المليشيات في التحكم بالمشهد في شمال اليمن، والتأثير على ما يدور في الجنوب، وتهديد مأرب والحديدة والبيضاء وتخوم المحافظات الجنوبية، في ظل تدخل التحالف العربي عسكريا.

وهذا ما قد يقود إلى احتمال وجود ما يصفه مراقبون "تواطؤ"، أو تعاون من أطراف محلية وأخرى دولية وإقليمية، تعمل على إطالة أمد الحرب، وتأخير الحسم العسكري ضد الحوثيين، رغم أن المعارك الجادة ضد المليشيات أثبتت أنهم أقل من أن يصمدوا ميدانيا.

فالمواجهات التي بدأتها قوات الحكومة اليمنية خلال 2017 و2018 في جبهات شرق صنعاء، وعملية السهم الذهبي في غرب اليمن، التي أوصلت الشرعية إلى تخوم صنعاء والحديدة، تؤكد هشاشة المليشيات، وأنه من السهل القضاء عليها.

وما يساند هذه التأكيدات ما سطرته قوات المقاومة التهامية والقوات المشتركة مؤخرا، في جبهات جنوب الحديدة وغرب تعز، من سيطرة على مساحات شاسعة من أيدي المليشيات بأقل الإمكانيات وفي زمن قياسي.

كل هذه الأحداث تكشف ألا شيء يمكن أن يعيق حسم الحرب والقتال ضد الحوثيين عسكريا، سوى الحسابات السياسية والتفاهمات التي تتم من تحت الطاولة، والتدابير الخفية لإطالة أمد الحرب.

من الذي يعيق الحسم؟

رغم تأكيداته بحسم الحرب ضد المليشيات المنقلبة على الشرعية اليمنية خلال أسابيع، إلا أن التحالف العربي يدخل السنة السابعة من هذه الحرب، دون أن يحقق الهدف المعلن منها.

يأتي هذا في ظل قوة عسكرية ضخمة، تمكّن التحالف من حسم الحرب بشكل مؤكد خلال الفترة التي حددها، أو حتى دعم الشرعية لاستعادة سلطاتها.

وكما هو ظاهر، لم تكن هناك من نقاط مضيئة في الحرب ضد الحوثيين سوى تحرير محافظات جنوب اليمن أواخر 2015، بالإضافة إلى تحرير الساحل الغربي من اليمن خلال 2018.

غير أن عمليات التحرير هذه بدت ضمن "لعبة" مخطط لها لإطالة أمد الحرب، وإثارة صراعات في هذه المناطق المحررة، يستفيد منهل الحوثيون في الاستمرار بالسيطرة على مناطق الشمال، وتهديد المحافظات المحررة، بحسب رأي مراقبين.

وهنا، قد يتساءل البعض عن جدوى التحرير في حال استمرار تهديدات المليشيات للمناطق التي تم تحريرها، وهنا بيت القصيد.

فمن دون تحقيق نصر، ظهرت حقائقه بأنه بات "وهميا"، لن يستطيع اللاعبون المتحكمون جعل اليمن ترزح تحت جحيم من عدم الاستقرار، واللا حرب واللا سلم الذي تشهده اليوم.

وعند الحديث عن النصر أو التحرير "الوهمي" كما يسميه البعض، فإن الإشارة هنا إلى الفوضى الخدمية والانفلات الأمني وغيرها من المشكلات التي تقبع تحت ويلاتها المحافظات المحررة بشكل عام.

وهذا ما يقود إلى إمكانية تورط أطراف أخرى في عملية إطالة فترة الحرب وتأجيل عملية الحسم ضد الحوثي.

صراعات جانبية

الملاحظ أن المحافظات المحررة، سواء في الشمال كمأرب أو تعز، أو في الجنوب، تشهد صراعات داخلية محتدمة بين أطراف محلية، بالتزامن مع بدء أية حملات عسكرية أو ضغط ميداني ضد الحوثيين.

الأمر الذي قد يوحي بأن هناك تنسيقا مسبقا بين مكونات سياسية، وربما عسكرية وأمنية في المحافظات المحررة، وبين المليشيات الحوثية.

وهو ما كشفته عمليات تهريب ممنهج، للأسلحة والشخصيات القيادية، التي تم ضبطها خلال السنوات الماضية، تستغل المناطق المحررة كممر لإيصال الدعم إلى المليشيات.

وبالتالي فإن هذه الجهات يمكن لها أن تنسق عمليات مختلفة من الصراعات والخلافات الجانبية، في الوقت الذي تبدأ القوات المناهضة للحوثيين بتحقيق انتصارات حقيقية ضد المليشيات.

وفي هذا الشأن، يرجح كثير من المراقبين أن الأطراف التي عملت على دعم الحوثيين وإيصالهم إلى صنعاء في 2014، هي من تستمر في دعم المليشيات وتغذيتها بالسلاح والعتاد، ربما عبر المحافظات المحررة حتى.

إطالة أمد الحرب.. لماذا؟

المعطيات السابقة تؤدي بالمشهد إلى فرضية وجود جهات وأطراف- محلية وأخرى دولية- ليس في نيتها إنهاء الحرب وحسمها، أو القضاء على المليشيات الحوثية.

فالأوضاع التي تستثمرها القوى الإقليمية وتستغل غياب الدولة في اليمن، في السيطرة والتحكم في المياه الإقليمية والموانئ والجزر وغيرها، تجعل من مصلحتها عدم حسم الحرب.

لأن استمرار اللا دولة في اليمن، يعطي القوى الدولية والإقليمية المتحكمة بالمشهد الحق في التصرف بمقومات البلد وثرواتها وخيراتها بكل أريحية.

فوجود دولة، وإن كانت هشة، سيمنع أي قوى أخرى من السيطرة على البلاد، والتحكم بمقدراتها؛ ولهذا فإن هذه القوى تسعى إلى تكوين كانتونات ودويلات منفصلة، تكون ولاءاتها للقوى الخارجية وليس للوطن.

وكل هذا يصب في خدمة استمرار المليشيات الحوثية في سيطرتها على مناطقها شمالا، وتهديد بقية المناطق لشرعنة ما تقوم بها وتصويره كأنه دفاع عن البلاد.

كما أن تلك الحقائق تفرض على من يزعمون محاربة الحوثي حرف بوصلة الحرب، والتي باتت اليوم بأهداف مغايرة ومختلفة عما بدأت عليه قبل سبع سنوات.

إعادة توجيه البوصلة

لهذا يتحتم على التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية إعادة النظر في آليات الحرب، بالإضافة إلى إعادة التفكير في تصرفات وسلوكيات حلفائها.

ومن شأن ذلك مواجهة الحوثي مواجهة حقيقية، تضمن للتحالف تأمين حدوده مع الحوثيين، فدعم الاستقرار في اليمن يعني استقرار المنطقة برمتها، بمن فيها دول الخليج، والممرات المائية الدولية.

وبالتالي منح اليمنيين فرصة أفضل للعيش الكريم، والخلاص من كوابيس الحرب ومعاناتها التي تسببت بها مليشيات الحوثيين وحربهم التي أفرزت مسببات ومكونات وأشخاص تسببوا ايضا في مفاقمة معاناة اليمنيين إنسانيا ومعيشيا.