محاولة في فهم الانتهازية: أزمة الدولة والأمة في الثقافة السياسية اليمنية

العمل الفني ل هيا المرتضى

حفظ الصورة
(عدن الغد) المدنية – أيمن نبيل:

أمام انهيار الدولة الخاطف منذ غزو الحوثيين لصنعاء في 21 من سبتمبر 2014، وأمام السلوك السياسي الذي يتناقض مع الحد الأدنى لاحترام المجتمع- تصبح الانتهازيّة هي التفسير الشائع الذي يعقلن كل ذلك ويجعله قابلًا للفهم. 

 

تنطلق المقالة من فكرة أن ظهور الانتهازيّة ذاته يحتاج تفسيرًا؛ لأن الانتهازيّة أنواع تشكّلها محددات مختلفة تخص الشرط السياسي الذي يحكم المجال العام ومدى اعتماديّة القوى السياسية على ظهيرها الاجتماعي وأمور أخرى. كما أن ثمة أمرًا آخر يجب مواجهته بدون مواربة؛ وهو أن القوى الحزبيّة تشكيلات تقوم على الانتماء الطوعي، كما أن عمل الأعضاء في المؤسسات الحزبية لم يعد ذا قيمة مادية نافعة بسبب الحرب، وبالتالي إذا كانت قيادات هذه الأحزاب انتهازيّة فكيف لم تحدث ضغوط داخلية في الأحزاب لتغيير القيادة أو لوضع سياسات جديدة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البلاد؟ كيف رضخت القواعد الاجتماعية للأحزاب بهذه السهولة بحيث ألّا تغييرًا أو انشقاقًا واحدًا كبيرًا حصل فيها طوال سبع سنوات؟ المسألة إذن أكبر من الانتهازيّة التي لا تعرف حدًا، ثمّة شروط موضوعية وأزمات وجذور اجتماعية ترفع كل الحدود والحواجز أمام الانتهازية السياسية، مثل أن دورة العمل الحزبي نفسها مُزّقت تمزيقًا؛ تقطُّع أوصال البلاد انعكس على قدرة كوادر الأحزاب على التواصل مع بعضها وكفاءة المصنع الحزبي في استقطاب وإنتاج أعضاء جددًا. ولكن ثمة عوامل أخرى على رأسها غياب فكرتي الأمة والدولة في الثقافة الحزبية اليمنية، وهذا ما تقارب المقالة بعض جوانبه بالفحص.

 

أولًا: التأطير الحقوقي للصراع في اليمن

لنقاش الخطاب الحقوقي الليبرالي في اليمن وفحصه يمكن البدء من نقطة أفغانستان البعيدة عن اليمن جغرافيًا ولكن القريب من نواحٍ كثيرة والتي أصبحت اليوم مدار نشرات الأخبار ومقالات المثقفين.

 

ركز الخطاب الليبرالي العربي في نقاش الوضع الأفغاني على موضوعي الأقليات والمرأة الأفغانية (المقصود ملبسها وحقها في التعليم والعمل)، وهذا ليس جديدًا على كل حال، ولكن ما يلفت النظر سهولة محاصرة الإسلاميين الواقفين، علنًا أو ضمنيًا، مع طالبان، الخطاب الليبرالي وتحويله بشكل ما إلى خطاب مثير للخجل، وهو يبدو مخجلًا فعلا!

 

 هناك مركب من الأسباب يفسر أزمة الخطاب الليبرالي ولكن ما يهم المقالة منها تلك التي تتاخم الثقافة والسياسة. من مشاكل الصوت الليبرالي العربي أنه فشل حتى الآن في تكتيل فئات اجتماعية واسعة وراءه على شكل منظمات قاعدية تابعة لقوى حزبية. فشل الصوت الليبرالي في تحويل نفسه إلى قوة جماهيريّة يصوّر القيم الليبرالية مجرد هموم شريحة ضيقة في الطبقة الوسطى المدينية تتمنى أن تعيش “أسلوب حياة” معينًا وتمارس حرياتها الخاصة وليست أثافي تحمل مشروعًا سياسيًا يعقد تحالفات حزبية واجتماعية، كما أنها من جهة أخرى لم تعوض هذا الفشل بالنجاح الشائع الذي تحققه القوى الليبرالية ذات الطابع النخبوي بتسييد قيمها، لا سيما احترام الحريات الخاصة، على المجال الثقافي للمجتمع، حتى وإن كانت القوى الليبرالية غير جماهيرية. لهذين الفشلين يسهل على المحافظين عمومًا، والحركات الإسلامية خصوصًا، محاصرة الخطاب الليبرالي وإحراجه.

 

ينعكس الانزواء الاجتماعي لليبراليين على مفردات خطابهم تجاه القضايا المختلفة؛ هي نسخة طبق الأصل من مفردات بيانات الحكومات والمنظمات الغربيّة بخصوص تلك القضايا، وهذا النسخ الكربوني للموقف والرؤية إلى الأشياء مع الاختلاف الجذري في الموقع ينتج تشوّهًا هو أزمة الليبراليين العرب في السياق الراهن: ليبرالية بلا أمة وبلا دولة.

 

الليبرالية وفكرة الحقوق المدنية والسياسية منتج الحداثة الغربيّة، وقد تطورت مفاهيمها وممارساتها على مدى قرون بمحايثة تشكل وتطور الدولة الحديثة حتى وصلت إلى شكلها الحالي؛ أي أن الحقوق الحديثة مشروطة بوجود أمة ودولة حديثة. من يقرأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثلًا لا يجد موادًا تخص شكل الدولة وطبيعتها، لا لأن الحقوق مفارقة لسياق الدولة بل لأن الإعلان يستبطن فكرة الدولة باعتبارها شرطًا بدهيًا بحيث أنه لا يُفهم بدونها؛ أمور مثل المحاكم والقانون والتعليم والجنسية واللجوء السياسي والمساواة وغيرها مما يشير له إعلان حقوق الإنسان_ كلها مفردات ممكنة الوجود في سياق دولة وأمة حديثتين. إن الأمر أشبه بألا تذكر ضمن شروط عمل معين أن على المتقدم أن يكون قادرًا على التنفس! وفي كلام آخر، أنت تحتاج فكرة الأمة واحدة والدولة الحديثة العاتية حتى تستطيع التفكير في الحقوق، وتحتاج وجود الأمة والدولة التي تمثلها لانتزاع الحقوق من الثانية نتيجة الانتماء إلى الأولى، بدونهما الفرد ذاته بتعريفه السياسي لن يكون ممكن الوجود أساسًا حتى ينال حقوقًا.

 

التحدي الأكبر الذي واجهته اليمن -وسورية وليبيا- بعد ثورة 2011 لم يكن بناء النظام الديمقراطي فحسب، بل وبموازاة ذلك طرحت مهمة رأب صدوع الأمة وإعادة بناء الدولة. فرض هذه المهمة إرث المشاكل السياسية والأزمات الاجتماعية-الاقتصادية، وما اتضح عند دخول المرحلة الانتقالية من أن العرب انتقلوا من مكافحة الاستعمار إلى المطالبة بالديمقراطية مع تفويت المحطة الوسيطة وهي بناء الأمة. جُدّل هذا برد النظام العنيف على الثورة، ثم استخدامه الحرب الأهلية في مجابهتها لاحقًا مما أدى إلى ضرب المنظومة الاجتماعيّة بعنف وانهيار الدولة، وفي اليمن هناك تفكيك جارٍ لحدود الدولة نفسها وجغرافيتها. في هذا الوضع تصبح كل الأفكار الليبرالية واليسارية والقومية مشروطة ببناء الدولة وخلق إجماع ثقافي وسياسي على وحدة التراب الوطني وتوحيد الأمة إذا أرادت أن تطبق وتحقق أهدافها. المشكلة الرئيسة في التأطير الحقوقي الراهن الي يضعه الخطاب الحقوقي-الليبرالي الغربي لحرب اليمن أنه لا يرى شرطي الدولة والأمة، ربما لاعتقاده أن الشعب اليمني لا يصلح أن يكون شعبًا بالأساس وينبغي التعامل معه والتفكير في معضلته انطلاقًا من اعتباره مجموعة مكونات طائفية وقبلية متناحرة، كما عُومل الشعب العراقي بعد الغزو الأمريكي عام 2003. الملحق الحقوقي اليمني بالخطاب الغربي يقع في ذات المشكلة ولكن على شكل رفض الانخراط في إجماع وطني على فكرتي الجمهورية الموحدة والأمة الواحدة، وحرج واضح من هذه العملية برمّتها. مثلًا لا يجد روّاد الخطاب الحقوقي في اليمن حساسية مع محاولة مليشيات مسلحة فصل البلاد بالقوة، ولا مع اسقاط مليشيا طائفية-عنصرية عاصمة الدولة وحكمها بالقوة العارية جزءًا من البلاد؛ في أحسن الأحوال حساسيتها محصورة في “انتهاكات حقوق الإنسان” التي تمارسها هذه القوى مثل الاعتقالات والقتل بدون محاكمات، وبالتالي فالمطالبات تنحصر في وقف هذه الانتهاكات وليس في إيقاف وجود هذه المليشيات، وهكذا إذا أوقفت هذه المليشيات “انتهاكاتها” مؤقتًا وأعلنت إيقاف الحرب فإن الخطاب الحقوقي بمنطقه المذكور آنفًا لا يمكنه إلا أن يراها خطوات ممتازة يمكن البناء عليها لتطبيع وضع هذه المليشيات. بالعودة إلى أفغانستان؛ نجد أن النقد الليبرالي-الحقوقي يركز كثيرًا على موضوع لباس النساء الأفغانيات والخوف مما ستفعله طالبان بخصوص حقوقهن الاجتماعية. وهكذا حين وعدت طالبان، مجرد وعد غير مسنود بأي خلفية فقهية أو مراجعات فكرية (وثبت تهافته لاحقًا)، أنها لن تمنع النساء من العمل والتعليم، أصبح التعامل مع طالبان فجأة ممكنًا ومعقولًا؛ وغير أساسي في هذا السياق إن كانت طالبان جماعة متشددة غير ديمقراطية وستمارس القسر الديني أو الطائفي_ كل هذا ستصدر بشأنه تقارير وإدانات، ولكنه لن يمنع طالبان من الاندماج في “المجتمع الدولي”؛ هذه نتائج الخطاب الليبرالي الطبيعية إذا لم يرتكز على موقف قاطعة أوسع من فكرة الحقوق والحريات.

 

الليبرالي الغربي الراهن قومي بشكل لا واعٍ؛ ربما لا يدرك ذلك لأنه خُلق في حيز اجتماعي وثقافي تشكلت فيه الدولة وجهازها وتقاليدها واكتملت فيه إلى حد بعيد أساسات الأمة الثقافية وأدوات إنتاج أفرادها (والليبرالي الغربي أحدهم)، ولهذا هو لا يعير اهتمامًا للمسألة القومية في دول العالم الثالث بل ويصوّرها دائمًا باعتبارها أيديولوجية فاشية لأنه يقيسها على الإيديولوجيات القومية الأوروبية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى. قومية النخب الليبرالية الأوروبية والأمريكية تعبر عن ذاتها في كل مكان: الإصرار على التعليم الإلزامي باللغة القومية، رفض تحويل الصراعات الاجتماعية إلى حركات انفصالية تمزق “الأمة”، بل ويشددون في أوقات الأزمات الاقتصادية على تدخل الدولة لإنقاذ البنوك والشركات، وحتى في الصراع الداخلي نشهد تنوعًا حقيقيًا في الآراء وتنازعًا في الرؤى، ولكن النخب الحزبية و”طلائع” الليبرالية في الصحافة والإعلام تتحالف مع الدولة حين تخلق عدوًا خارجيًا أو حين تعلن الحرب عليه. لنتذكر مثلًا كيف غطت النيويورك تايمز مسألة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل وكيف ساهمت بذلك في عملية هسترة المجتمع الأمريكي التي قادها المحافظون الجدد، أو لنتأمل كيف تغطي الصحف الألمانية بتدرجاتها المختلفة الشؤون التركية، وقريبًا ستصبح الصين مصب تيار واحد يضم الصحافة الغربية بليبرالييها ومحافظيها.

 

 هنا نواجه تشوّه النسخ الذي يعانيه الليبرالي العربي الراهن؛ فهو يرفض إدراك الفارق التاريخي بين موقعه وموقع نظيره الغربي، ويتبنى ارتياب الأخير بالقومية والدولة في حين أن مهمته التاريخية الآن هي المساهمة في خلق إجماع قومي يشكل حيزًا عموميًا حتى يتسنى لليبرالية أصلًا أن تتواجد داخله، ولكن ما يحدث فعلًا أمر آخر؛ بهذا المنطق الحقوقي يتحول كل فعل بديهي لبناء الدولة أو حماية الهيئة الاجتماعية لنفسها إلى فعل عدائي وموضع نقد وتسفيه؛ بناء الدولة مثلا يفترض محاربة المليشيات والتصدي بالقوة لكل من يريد تمزيق الأمة بالقوة، ولكن بالنسبة إلى خطاب لا يعترف بالمأزق اليمني الأساسي وهو فشل الدولة وانهيارها، يصبح عنف الدولة ضد المليشيات أو انتظام المواطنين في مقاومات شعبية فعلًا مساويًا لفعل المليشيات وكلاهما مدان.

 

هذا هو الجذر “الفكري”، تجوّزًا، لاستخدام الخطاب الحقوقي اليمني توصيفَ “أطراف الصراع” المستعار من بيانات الآخرين.

 

من المهم تتبع أصول هذه النظرة لليمن وتاريخ تشكل طبقة قيادات المنظمات غير الحكومية اليمنية وتطورها، خاصة في ظل تحول العمل في المنظمات الغربية إلى أفضل مدخل للصعود الاجتماعي في ظل الحرب. ولكن المقالة ستترك هذه المهمة وتكتفي بالإشارة إلى مدى تجذر وسطوة التأطير الحقوقي للشأن العام اليمني. في أثناء التحضير لمؤتمر الحوار الوطني قدمت اللجنة الفنية المكوّنة من 31 عضوًا عشرين نقطة يجب تنفيذها تهيئةً للحوار الوطني، نقطة واحدة منها تخص بناء الدولة “هيكلة الجيش والأمن”، وبقية النقاط كلها مسائل حقوقية تهيء الأجواء وتثير التفاؤل بخصوص الحوار، وبعض النقاط سيحل مشاكل بعض المواطنين الذين تعرضوا لمظالم، ولكنها عمليًا مسائل هامشية لأنها لا توفر حماية لمخرجات الحوار الوطني والتوافقات السياسية والاجتماعية التي ستجري داخله؛ لا توجد نقطة واحدة تشترط على المليشيات والحركات الانفصالية تقديم أية بوادر حسن نية حتى يُقبلوا في مؤتمر الحوار ويُستمع إليهم ويُثق بهم؛ فقد اعتُبرت مجرد مشاركتها في مؤتمر الحوار “تنازلًا معقولًا” بحد ذاته. قُدّمت هذه النقاط في بلد شهد ثورة شعبية وتتعاوره حركات سياسية لها أجنحة مسلحة وتريد فصل ما يزيد عن نصف مساحته، ومليشيا طائفية في الشمال استأصلت وجود الدولة هناك وحلت محلها، وفيه مدن بقضها وقضيضها في يد تنظيم القاعدة، هذا علاوة على بقاء دكتاتور سابق حكم البلاد لثلث قرن يمتلك حزبًا وعلاقات وأتباعًا في الجيش والبيروقراطية والمجتمع، واغتيالات جارية على قدم وساق لضباط مخابرات وطيارين في العاصمة وبقية المدن، ووضع أمني منفلت بحيث أن مسلحين هاجموا مقر وزارة الداخلية في وضح النهار (أكثر من مرة)، وبعد تقديم هذه النقاط بقليل بدأ مسلسل تساقط طائرات عسكرية على رؤوس المواطنين. كان الأمر سيبدو محدود الدلالة لو أن اللجنة الفنية كانت مشكّلة من حقوقيين، ولكنهم في الحقيقة كانوا أقلية؛ حوت اللجنة ممثلين عن المليشيات والأحزاب السياسية ومسؤولين حكوميين ومثقفين وأكاديميين بل وبعضًا من رجالات الدولة المهمين في التاريخ اليمني المعاصر، بالإضافة إلى الحقوقيين، كما وافق على هذه النقاط رئيس الجمهورية واعتبرها جميعًا معقولة حين عُرضت عليه. هنا مُتّن التحالف بين المجتمع السياسي والمليشيات من جهة والخطاب الحقوقي من جهة أخرى، والذي كان مثمرًا لكل أطرافه ووبالًا على اليمن ومستقبله: القوى السياسية المعارضة استثمرت الخطاب الحقوقي لمعارضة نظام صالح بدون نظرة نقدية وحذر سياسي من الأطراف التي أنتجها نظام صالح وتصارعت معه، واستطاعت بهذا الخطاب كذلك أن تدّعي التزامها بقيم ثورة فبراير أمام جماهيرها، والمليشيات أصبحت طرفًا مقبولًا في الصالون السياسي –بل ويُسعى للتحالف معه- بدون تقديم أي تنازل أو ضمانات بخضوعها للدولة والتزامها بمخرجات الحوار إلا الخطب والوعود الشفهية، وفريق صالح كان يستعد لعقد تحالف حقيقي، بالمال والسلاح، مع هذه المليشيات وليس مجرد الاكتفاء بتخادم بلاغي متبادل، أما شريحة الحقوقيين التي تشكلت منذ تسعينيات القرن الماضي فوصلت آنذاك إلى ذروة نجاحها الطبقي وامتيازاتها الاجتماعية و”هيمنتها” على الخطاب السياسي في اليمن.

 

من هذا التفصيل في بداية المرحلة الانتقالية بدأ يتكشف ملمح أساسي في النخبة اليمنية ثم تجلّى تمامًا عند نهايتها المدويّة بسقوط صنعاء في ثلاثة أيام بيد الحوثيين وصالح عام 2014: الثقافة الحزبية اليمنية تعترف بالتسويات ومستعدة لعقد توافقات واسعة؛ هي ليست تناحريّة مثل النخب المصرية أو السورية، ولكنها عاجزة عن صياغة إجماع سياسي على بديهيات الدولة الحديثة خارج توازنات القوة، ولهذا بمجرد حصول تغير في موازين القوى لم تدافع تلك القوى عن إجماعها في مؤتمر الحوار الوطني، ولم تستطع حشد الناس للدفاع عنها، وفضلت التعامل مع موازين القوى الجديد بسلاسة منقطعة النظير.

 

كما اتضح في محطات المرحلة الانتقالية ثم الحرب لاحقًا، المسألة لم تكن محصورة في الحقوقيين بل ولم يكونوا واقعيًا ذوي “الفضل” في سطوة فهمهم للدولة والأمة على المجال العام؛ المسألة لها جذور في المجتمع السياسي عمومًا وهذا ما جعله جاهزًا لتبني أو توظيف هذه الرؤى والأفكار.

 

ثانيًا: مأزق مجتمع سياسي

أزمة الدولة والأمة في اليمن تظهر فاقعة عند المتلبرل والحقوقي، ولكن بعض أسباب هذه الأزمة وفشل الليبرالية في تسييد قيمها على الثقافة السياسية يرجع في الحقيقة إلى اليسار (القومييين والاشتراكيين) والإسلاميين. بعد 2011 ظهرت حقيقتان مهمتان سيلعب تجدّلهما دورًا في انحطاط الواقع العربي حاليًا وهما الضعف الجماهيري للقوى السياسية باستثناء الإسلاميين، وأن صراعية التيارات الثقافية والأيديولوجية الكبرى في الثقافة العربية منذ سبعينيات القرن الماضي على الأقل لم تنتج تفاعلًا بل احترابًا؛ أي لم يحدث تهجين عميق في قيم وأفكار تلك التيارات. على سبيل المثال، القوى الليبرالية في العالم العربي قوى نخبوية الطابع لأسباب كثيرة تخص البناء الطبقي والمسار التاريخي التي لا يزال العرب يخوضونه، ولهذا فركائز الليبرالية المعاصرة مثل الحريات الخاصة، والديمقراطية الليبرالية، والحقوق المدنية كانت تحتاج إلى روافع سياسية أخرى تعوّض نخبوية وضعف القوى الليبرالية، وهذا يحدث في أماكن مختلفة من العالم؛ فليست جماهيرية الحزب شرط الهيمنة الثقافية دائمًا ويمكن للقوى النخبوية إذا استطاعت تعميم قيمها على قوى جماهيريّة أن تساهم في صياغة المجال العام رغم ضعفها الشعبي.

 

القوة اليمنية التي تحمل الاستعداد لإنجاز مهمة فرض القيم الليبرالية السياسية كانت اليسار؛ بخطابه الذي يضم مصالح قطاعات طبقية واجتماعية واسعة كان بإمكانه لو أنه استبطن القيم الليبرالية سياسيًا أن يوفر لها قواعد شعبية ويساهم في إدماجها ضمن إجماع الدولة. ولكن ثبت أن اليسار لم يعتنق هذه الأفكار، وأنه جماهيريًا ضعيف وليس مستعدًا بعد لبناء قواعد اجتماعية يمثلها ويخوض بها صراعات سياسية.  أما القوميون فوضعهم أكثر صعوبة؛ في حالة فريدة من نوعها في العالم كله، التيارات القومية العربية تحتاج إلى من يقنعها بحق الشعوب العربية في اليمن والشام والعراق في مقاومة التدمير الإيراني المنظم للمجتمعات والدول العربية؛ أي أن التيار السياسي الذي يفترض به التشدد في مسألة الأمة وقيادة المجتمع السياسي إلى خلق الإجماع على الدولة_ هو نفسه يحتاج إلى من يقنعه بألا يعرقل هذا الإجماع!

 

القوميون في اليمن مجموعتان: العروبيون ومجموعة ضيقة ظهرت مؤخرًا بلا تنظير حقيقي ووجودها افتراضي ولكنها تجتذب قطاعًا من النخب تتحدث عن الأمة اليمنيّة (حركة الأقيال). كلا المجموعتين تتعاورهما الأزمة ذاتها: القوميون العرب موزعون بين من يقف مع الحوثيين وإيران، وآخرون تحللت تنظيماتهم وتوزعت كوادرهم الشابة بين مؤسسات المجلس الانتقالي الجنوبي (الذي يسعى لفصل جنوب اليمن عن الشمال) ومليشيا طارق صالح (حراس الجمهورية) في الساحل الغربي. أي أنهم عمليًا ضد بناء الدولة الوطنية المطابقة والمعبرة عن (الشعب). أما القوميون اليمنيون فيحملون أفكارًا بسيطة ولكنها معادية بوضوح لوحدة الأمة اليمنية؛ هي رد فعل غاضب على عنصرية الحركة الحوثية ولكن ليس بمبادئ مواطنة وهوية جامعة.

 

مأساة التيار القومي العربي عمومًا أنه لا يعرف ولا يقف إلا مع النظام، وليس مهمًا كيف أتى هذا النظام وأي قوى تسنده ولا طبيعته الطائفية أو العنصرية والقمعية أو حتى ارتكازه على مليشيات مسلحة. أما مسألتا بناء الدولة وتوحيد الأمة (سواءً الأمة القُطرية بالنسبة للقوميين المحليين أو الأمة العربية بالنسبة للقوميين العرب) فهما بلا مكان في رؤية هذا التيار إلى اللحظة التاريخية الراهنة، وإن كانتا محنّطتين في الشعارات؛ لأن شعاراتيّة القوى القومية اليوم لا تعبّر عن حيوية رؤية سياسية بل إعلان مستمر عن جثّة التزام أيديولوجي غابر، أما في اليمن فوضعهم أسوأ من ذلك؛ فهم حتى لا يقفون مع النظام بتصلّب، بل يجمعون الدعم العلني للحكومة والمشاركة فيها إلى تذيُّل مليشيات مسلحة انفصالية.

 

لا يبدو الاشتراكيون في حالة أفضل. الحزب الاشتراكي هو أهم حزب يساري في اليمن وكان أقوى الأحزاب الاشتراكية في التاريخ العربي الحديث، ولكنه منذ اندلاع الحرب الأهلية في 2014 يرقد في غيبوبة سياسية تشير إلى أزمة حقيقية تعتور الحزب؛ هذا الانكماش المؤسسي في بلد ينهار يمكن فهمه بأزمة داخلية تُدار أضرارها ويُضمن بقاؤها تحت السيطرة بتعميم الشلل في كل أجهزة الحزب والتوقف عن اتخاذ مواقف أو طرح مبادرات تتضمّن انحيازات واضحة للدولة والأمة لأن كل انحياز بخصوصهما قد يؤدي إلى نسف الحزب. ولكن الحزب استفاق من غيبوبته مؤخرًا مرسلًا رسالة دعم للحزب الشيوعي الصيني تؤيد موقفه من الاحتجاجات في هونغ كونغ! الملفت أن منطلق رسالة التأييد كان الحرص على وحدة واستقرار “الأمة الصينية”، ولكن هذا الحزب نفسه لم يتخذ موقفًا واضحًا من مليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي التي تدفع نحو انفصال البلاد وتمزيق وحدة “الأمة اليمنية” وكل الجرائم التي ترتكبها على أساس ألقاب المواطنين والمناطق التي ينحدرون منها، بل إن مصادر صحفية مختلفة كانت تشير في يوليو 2020 إلى تحالف الحزب مع المجلس الانتقالي في أثناء تشكيل الحكومة.

 

معضلة الثقافة السياسية اليمنية بخصوص الدولة والأمة تكتمل دائرتها بقوسها الأخير وهو القوتان الكبريان في اليمن: التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون في اليمن) والمؤتمر الشعبي العام. في ثورة فبراير 2011 كانت المدينة –لفترة قصيرة- هي قائدة الصراع ضد النظام، ولكن في المرحلة الانتقالية التي تبعت الثورة ظهر مركب مهم في المجال العام: المحافظون هم الأقوى تنظيميًا، والقوى الريفية هي من توجه الثقافة الاجتماعية ومن تمتلك روح المبادرة سياسيًا؛ في حين لم يسعف الوقتُ القوى “التحررية” – أو بالأحرى الأقل محافظة- لبناء ذاتها واستقبال قبلة الحياة التي أهدتها إياها الثورة الشعبية. أما نخب المدن التي لم تكن مع التيار المحافظ (الإسلاميون) ولا ترى نفسها جزءًا من مدّ القوى الريفية (التحالفات القبلية، مليشيا الحوثي، أوسع قطاعات الحراك الجنوبي) فقد هاجرت إلى العمل الحقوقي وتشربت بلاغته وأفكاره التي أشرنا إلى بعضها أعلاه. بعد ثورة فبراير لم تنتعش “النخب الحقوقية” فحسب بل خُلّقت بسرعة ضوئية طلائع حقوقية شابة أصبح لها مكان في المجتمع السياسي للمدينة بسبب دخول مفاهيم الحقوق والمواطنة بقوة ثورةِ فبراير إلى المجال العام وتشجيعِ السفارات الغربية والمنظمات الدولية والمبعوث الأممي السابق جمال بنعمر المنهجي والدؤوب، وأصبح التأطير الحقوقي لكل المشاكل العمومية واختزال كل قضية إلى مسألة حقوق وانتهاكات واستخدام العدة البلاغية المرافقة لهذا التأطير وإنشاء المنظمات غير الحكومية_ السلم الجديد للترقي الاجتماعي الذي تدافع نحوه شباب كثر بشراسة، وما النكات التي كانت ولا تزال تقول إن الشعب اليمني أضحى “أمة من الناشطين والناشطات” إلا ملاحظة مريرة –وبعضها افترائي بطبيعة الحال- لهذا التحول الذي بدأ في المدينة منذ مطلع القرن الحالي ووصل إلى ذروته مع المرحلة الانتقالية والحرب.

 

في هذا السياق بدا التجمع اليمني للإصلاح متموضعًا في مركز يخوّله قيادة صناعة الإجماع على الدولة والأمة: كان القوة السياسية الأكثر تنظيمًا، ورغم أنه أكبر قوى التيار المحافظ، ولكنه يعتبر منفتحًا بالقياس إلى بقية الإسلاميين مثل الحوثيين والسلفيين والقاعدة، وله علاقات ومؤسسات تمارس العمل الحقوقي وتصله بمجتمع الحقوقيين والمنظمات. ورغم اعتماده على تحالفات قبلية-ريفية في الشمال إلا أنه كان يمتلك كذلك قواعد وكوادر مهمة في المدن اليمنية شمالا وجنوبا. ورغم أنه أصبح حزبًا معارضًا وعضوًا قياديًا في تحالف اللقاء المشترك المعارض، فهو يدين بقوته الفائقة وسيطرته الثقافية على المجتمع اليمني لتحالفه مع نظام صالح منذ 1979 حتى 1997.

 

هذا التمركز مصدر قوة في المجال العام ولكنه في المرحلة الانتقالية ثم الحرب أصبح نقطة ضعف لأنه لم يواكَب بتوسيع القواعد الشعبية؛ مواجهة مشعل الحرب (تحالف الحوثيين وصالح) كان يستلزم بناء إجماع سياسي نخبوي مدعومًا بقاعدة شعبية يمكن استنهاضها ومطالبتها بالتضحيات إذا تعرض التوافق والإجماع على الدولة للخطر. رفض الإصلاح –لأسباب كثيرة- إقامة تحالفات حقيقية تتطلب “تنازلات” ستضعف وجوده داخل البيروقراطية والجيش والأمن ولكنها ستقوي من سيطرة الثورة على جهاز الدولة، بل على العكس، حرص على ترسيخ نفوذه في الحكومة بلا روادع. كما أنه، مثل الرئيس هادي وبقية قوى اللقاء المشترك، كان يراهن على مجلس الأمن والمبعوث الأممي في كبح جماح صالح ومنعه من تجاوز الخطوط الحمر. بالإضافة إلى ذلك، قيادة التجمع للإصلاح هيكليًا هي خلاصة قوى السلطة والتسلط في المجتمع (رجال دين، مشائخ قبائل، تجار كبار، ضباط جيش ومخابرات)، وله تاريخ مديد من ممارسة القهر الثقافي في المجتمع بعنف وتعطش لاستحواذ نهم لا يعرف حدًا: ابتداءً من البيوت وكيفية ممارسة الحياة الخاصة مرورًا بالمدارس والجامعات والمساجد والشارع العام وصولًا إلى قطاع النشر والثقافة والفنون. هذا الإرث أدخل الحزب في المعضلة التي استفاد منها أعداؤه في تصفيته: قواعد حزبية واسعة ومتينة، ونفور شعبي لا يقل اتساعًا ونفورًا. هذا المركب من العوامل جعل الإصلاح عاجزًا، رغم قوته التنظيمية وقواعده الاجتماعية الممتدة، عن قيادة الإجماع السياسي على الدولة حين كانت تضرب من الحوثيين وصالح طوال النصف الأول من 2014، وما حدث هو أن مركب قوته الحزبية وعجزه عن تكوين رافعة شعبية سهل على الحوثيين وصالح مهمة استهدافه وزيادة كراهيته شعبيًا بل وإسقاط الدولة باسم محاربته. هذا الضعف الخطير في الإصلاح واليسار والقوميين نراه في حقيقة مريرة وهي أن لا رئيس الدولة، ولا قوة من هذه القوى دعت قواعدها ولا جماهير الشعب اليمني للدفاع عن صنعاء حين كان الحوثيون يقتحمون أبوابها، بل وذهبت هذه القوى مع الرئيس هادي ووقعت اتفاقًا يشرعن الغزو الحوثي لصنعاء بمباركة وضغط المبعوث الأممي الذي ظل هادي واللقاء المشترك يراهنان على أن المجتمع الدولي الذي يمثله لن يسمح لهذا الوضع بأن يستمر. لاحقًا روّج لهذا الموقف باعتباره “حكمة الأحزاب في تجنيب صنعاء دوامة العنف”؛ حينها استعارت أجهزة الدعاية الحزبية البلاغة الحقوقية ومنطقها الذي لا يكره العنف فحسب، بل ويرفض الحاجة إليه مطلقًا وينفي دوره في التاريخ أيضًا.

 

أما المؤتمر الشعبي العام فهو ليس قوة أيديولوجية بالمعنى الضيق للكلمة؛ صحيح أنه مر بتحولات معينة منذ تأسيسه عام 1982م ولكنه ظل يمتح قوته من كونه حزب السلطة وممر النفوذ السياسي والمالي وترتيب المصالح وليس بسبب جاذبية وعوده أو رؤيته الأيديولوجية. المفارقة التي تصف المؤتمر أكثر من أي شيء آخر هي أن الحزب الذي ولدته السلطة وتشكل قياداته نخبة جهاز الدولة هو نفسه أكثر الأحزاب عطبًا في إدراك فكرتي الدولة والأمة. في مرحلتي حزب السلطة (1982-1994) وحزب الرئيس (1994-2011) لم تكن واضحة كفاية فداحة غياب المؤسساتية في عمل الحزب، ولكن المؤتمر في مرحلة حزب صالح (2011-2017) لم يظهر نقصًا في استيعاب أمور مثل بناء الأمة فحسب بل وشارك بالقول والفعل في هدم الدولة اليمنية. ربما كان حزب المؤتمر من الأحزاب القليلة في العالم (ديمقراطية وغير ديمقراطية) التي عزلت رئيس جمهورية من منصب الأمين العام لأن رئيس الحزب ارتأى ذلك! وحين تحالف رئيس الحزب (علي صالح) مع الحركة الحوثية وساعدها في غزو صنعاء وبقية الحواضر اليمنية؛ أي حين تعدّى صالح على الإجماع الوحيد الذي قامت عليه الدولة اليمنية الحديثة منذ كسر حصار السبعين عام 1968 وهو مبدأ الجمهورية (حتى بأشد تعريفاتها شكلية) ومناهضة الإمامة- لم يشقّ هذا الحدث المفصلي الحزبّ عموديًا ويمزّقه كما هو منتظر من أي حزب فيه حد أدنى من العمل المؤسسي والالتزام بما تقوله بياناته ووثائقه التي بُني على أساسها. رغم تحالفه مع الحوثيين، ومشاركته إياهم في تفجير حرب هدمت الدولة وبقرت المجتمع، بقي حزب المؤتمر متماسكًا وطيّعًا في يد صالح باستثناء بضعة شخصيات كبيرة المنصب في الحزب انسحبت ورفضت تحالف صالح مع الحوثيين وتسخير موارد الحزب الضخمة وشبكات علاقاته المتغلغلة في الأرياف والمدن لتسهيل مهمة سيطرة الحوثيين على المحافظات اليمنية_ ولكن رفضها لم يأخذ شكل ضغط يلجم سياسة صالح؛ فالحزب لم يكن مؤسسة بالأصل حتى يمكن داخلها ممارسة هذا الضغط. وقد استمر هذا “الصمود” إلى آخر لحظة في حياة صالح؛ حين قاد نفسه وحزبه إلى نهايتهما.

 

ثم يأتي المسمار الأخير في نعش بناء الأمة على يد قيادة الدولة الراهنة نفسها. كان ذلك مبكرًا، وتحديدًا بعد سقوط مدينة عمران بيد الحوثيين، حينها زار الرئيس عبد ربه منصور هادي محافظة عمران (في 23 يوليو 2014م) وأعلن من هناك أن “عمران عادت إلى حضن الدولة”. قال هادي هذه الجملة وبرفقته كبار ضباط الجيش في مدينة سقطت للتو بيد مليشيا طائفية بعد أن تغلبت على قوات عسكرية هي رسميًا قوات تابعة للجيش اليمني. ربما يكون هذا التصريح أغرب ما قاله هادي منذ تولى الحُكم؛ الجملة تكثّف بتألق مثالي تفكير الرئاسة عمومًا وعدميّة نظرتها إلى الدولة؛ القول إنها “عادت” يعني أنها لم تكن جزءًا من الدولة قبل ذلك، ثم كيف تكون العودة إلى الدولة إذا كانت المدينة قد سقطت في يد مليشيا طائفية؟ تكررت تصريحات مشابهة لهذا التصريح بعد غزو الحوثيين لصنعاء مثل قوله إن “صنعاء لم تسقط” بينما كان المسلحون الحوثيون يلتقطون الصور في وزارة الدفاع. المهم هنا أن هذه العبارة تظهر ملمحًا رئيسيًا في سلوك الرئاسة سيستمر ويتفاقم حتى أصبح أكبر عقبة في طريق إصلاح الدولة وحسم الحرب، وهو أن بقاء الرئيس في منصبه وبقاء شبكة المصالح المحيطة به هو أولوية الرئاسة، ويقع فوق مسالة إصلاح الدولة ومحاربة الحوثيين. تشاركت القوى السياسية هذا المبدأ مع هادي منذ المرحلة الانتقالية وتجلى في اتفاقية السلم والشراكة، حين فضّل المشترك شرعنة ما فعله تحالف الحوثي-صالح على المخاطرة بمواجهته، بل وفضل ذلك على الرفض السلبي بالتخلّي عن وجوده في الحكومة ورفض التوقيع على أي اتفاق وترك تحالف الحوثي-صالح يتحمل مسؤولية ما فعله أمام اليمنيين والعالم باعتباره انقلابًا على المرحلة الانتقالية ومؤتمر الحوار والدولة.

 

بعد انطلاق الحملة العسكرية المسماة عاصفة الحزم عام 2015، أصبحت الرئاسة والقوى الحزبية المتحالفة معها أمام مهمة إعادة بناء جهاز الدولة والقوات المسلحة، وهي مهمة ثقيلة ومحفوفة بالمخاطر وتحتاج الكثير من الوقت، ولكنها أيضًا كنت فرصة تاريخية لتجاوز أمراض نظام صالح التي استوطنت في البيروقراطية والجيش وكانت من العقبات الكأداء أمام الاندماج الاجتماعي وإصلاح الدولة. لكن غياب فكرة الدولة والإجماع على الأمة ترجم نفسه كذلك في فترة الحرب بوضع المصلحة الحزبية فوق مسألة هزيمة الحركة الحوثيّة، وهذا يعني مباشرة فشل مسألة الإصلاح؛ لأن أي إصلاح جدي للجيش والبيروقراطية سيعضّد الدولة واقتصادها ويحقق هدفه الرئيس وهو تحسين الأداء العسكري في الحرب، ولكنه في ذات الوقت سيضبط سلوك الرئاسة المنفلت ويضعها تحت ضغط التوازنات الداخلية وسيحدد سقفًا لنفوذ الأحزاب في الحكومة.

 

نحن هنا أمام دولة ترفض أن تكون ذاتها، بل ومستعدة لتعريض نفسها للهزيمة والفناء إذا كان طريق تجنب الفناء هو إصلاح ذاتها، وقد ركّبت جهازًا بيروقراطيًا متواضعًا ومترهلًا –عمدًا- بشكل يحميها من الضغط الشعبي أو المؤسساتي؛ أي أنها تمنع حتى إمكانية تشكيل تحالفات قوى من داخلها تستطيع الضغط على القيادة لإصلاحها. هذا النزوع الانتحاري هو المحطة المنطقية المروّعة في نهاية مسار أزمة فكرة الدولة واحترام الأمة في المجتمع السياسي.

الخاتمة: من نقد النخبة إلى النقد الاجتماعي

 

إن الغرض من النقاش الذي فتحته المقالة هو الدعوة إلى صناعة إجماع في اليمن على وحدة الأمة والدولة، ولكنها حاولت فعل ذلك بعرض العوائق التي تضعها الثقافة الحزبية الراهنة أمام مهمة صناعة الإجماع بخصوص الدولة، أي أنها فحصت الشكل ولكنها لم تفحص فرضية وجود جذور فكرية للتيارات الإيديولوجية عرقلت وصول الثقافة الحزبية إلى فهم معنى بناء الدولة والأمة؛ مثل دور أممية اليسار والإسلاميين وعروبة القوميين، أو الإشكالات الجهويّة غير المحلولة داخل التشكيلات الحزبية. أيضًا ثمة جذور تاريخية واقتصادية-اجتماعية لهذا الإشكال تحتاج إلى فحص؛ اليمن لم يكن بلدًا موحدًا على الدوام في زمن الإمبراطوريات، ولم يعرف الأنهار التي تجذّر السكان في المكان وتضع خطًا إجباريًا للتشكل الحضاري، كما تفصل بين مناطق اليمن حواجز طبيعيّة، ويتبعثر سكانه على مسافات شاسعة مما يصعّب عملية إخضاعهم لجهاز الدولة ويضاعف من تكاليف تحقيق التنمية في البلاد. 

 

هنا تطفو الحاجة إلى تقديم نقد اجتماعي كذلك لفهم هذا الخلل؛ لأن عمومية الظاهرة وشمولها كل القوى السياسية الرئيسية تشير إلى جذر اجتماعي، ولكن هذا طريق زَلق يحتاج قدرًا من الحذر والموضوعية خاصة وأن من يزعمون ممارسة النقد الاجتماعي في اليمن لا يميزونه من الهجاء. ربما يكون مدخل تعيين الجذر الاجتماعي لأزمة فكرتي الدولة والأمة هو أن اليمن من آخر الدول العربية التي دخلت عالم الدولة الحديثة؛ لم تكمل بعد ستين عامًا في هذا المسار، وفاقم من آثار هذه الحقيقة أن اليمن لم تتوفر على ثروات طبيعية كبيرة تساعد النخب الحداثية التي ظهرت مع قيام الجمهورية (في الشمال والجنوب) في إنجاز تحديث سريع ومشاريع بناء الأمة مثل نشر التعليم الإلزامي ومد سكك الحديد وتوسع حركة التمدين وبناء قاعدة للتصنيع للسيطرة على السكان بالتغلب على قوة المراكز الاجتماعية التقليدية وسطوة جغرافية البلاد المذهلة في تنوعها.

 

النقد الاجتماعي المطلوب هو نقد الطبقات والقوى الاجتماعيّة وثقافتها (شيوخ الدين، وجهاء الأرياف وشيوخ القبائل، المجتمع الفلاحي، الطبقى الوسطى المدينية، البرجوازية..إلخ)؛ أي تبيين مصادر قوتها وحدودها والشروط التي تؤمن لها ديمومة التأثير في هذا المسألة، وليس إطلاق توصيفات على المجتمع بأنه مجتمع “معاد بطبيعته للدولة” أو “لا يمكنه تكوين أمّة”؛ فهذه هجائيات، والهجائيات هي إعلان عجز عن فهم الواقع، وهذا بصرف النظر عن رأينا في مضمونها الأخلاقي الضامر.