ما بعد الانسحاب من شبوة؟

(عدن الغد) خاص:

تحليل يبحث في دلالات التطورات العسكرية المتسارعة في محافظة شبوة وعلاقتها ببقية مناطق اليمن وسط مستجدات سياسية لافتة..

الانسحاب الإماراتي من معسكر العلم.. هل يعني أننا على أعتاب معركة جديدة في شبوة؟

كيف يمكن أن ينعكس هذا الانسحاب على شبوة ويعرضها لحربٍ شبيهة بسيناريو 2019 في عدن؟

ماذا لو سيطرت قوات الانتقالي على أبين وشبوة وحضرموت.. ما الذي سيبقى من الشرعية؟

ما علاقة ما يحدث في شبوة بتسريبات عن تفاهمات دولية لإنهاء دور الشرعية؟

كيف سيكون المشهد في اليمن بدون شرعية على الأرض.. من سيفاوض الحوثي؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

يرى كثير من المراقبين أن ما يحدث في محافظة شبوة (جنوب اليمن) لن يؤثر على هذه المحافظة فحسب، بل أن انعكاساته ستطال اليمن بشكل عام، أو على الأقل مرتبطة بها.

فالتطورات العسكرية المتسارعة مؤخرا في شبوة ليست بمنأى عما يدور في أروقة السياسية الدولية تجاه اليمن، بالإضافة إلى علاقته بالتصعيد الحوثي العسكري على أبواب شبوة، وفي مأرب.

كما أن كل تلك المستجدات وثيقة الصلة بالصراع العسكري الجنوبي الجنوبي، والممتد منذ أحداث أغسطس/آب 2019 في عدن، وإمكانية تكراره في شبوة، خاصة في ظل التطورات الأخيرة.

ويُرجع مراقبون أن انسحاب القوات الإماراتية- أو مغادرتها- من معسكر العلم الاستراتيجي في جنوب شبوة، القريب من منشأة بلحاف الغازية، جاء بعد محاصرة قوات السلطة المحلية بشبوة، الموالية للشرعية، تحت مبرر استعادة المنشأة واستئناف تصدير الغاز.

وما تلا ذلك من دخول وساطة سعودية، قال متابعون إنها سبب مغادرة او انسحاب القوة الإماراتية من العلم، وبالتالي بلحاف، خلال الأسابيع القادمة.

لكن حقيقة ليست مقتصرة على هذه المعطيات الواضحة المعالم، فثمة دهاليز وخفايا تشي بما قد يترتب على انسحاب كهذا، يراه كثيرون بأنه مفاجئ، حتى للسلطة المحلية في شبوة نفسها.

حيث يتحدث غير واحد من المراقبين عن إمكانية وجود متغيرات قادمة على الارض، بناء على انسحاب القوات الإماراتية، يمكن لها أن تشكل ملامح المرحلة المقبلة من الازمة اليمنية، والصراع الجنوبي تحديدا.

خاصة وأن البعض يربطها بتغير الموقف الدولي، وعدد من القوى العظمى في العالم، تجاه الشرعية اليمنية ومستقبلها.

سيناريو 2019 في شبوة

ثمة من يعتقد أن الانسحاب الإماراتي من شبوة، يأتي ضمن مخطط لإتاحة المجال أمام قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لتكرار السيطرة على المحافظة.

فالأحاديث التي خرج بها عدد من العسكريين الموالين لقوات النخبة الشبوانية التابعة للمجلس الانتقالي عقب أنباء انسحاب القوة الإماراتية من معسكر بلحاف، توحي بذلك.

حيث تشير تصريحات غير واحد من العسكريين إلى أن الانسحاب بمثابة ضوء أخضر لتكرار سيناريو عدن في أغسطس/آب 2019، حين سيطر الانتقالي على المدينة وطرد منها القوات الشرعية.

وامتدت سيطرة الانتقالي وقتها حتى تخوم مدينة شقرة وسط محافظة أبين، وتوقفت هناك بعد تصدي قوات الشرعية لهذا التمدد.

غير أن الأوضاع والظروف الحالية بعد خروج الإماراتيين تذكر المراقبين والراصدين بما حدث تماما في عدن، ففي ذلك الحين لم تكن الإمارات لتغادر إلا بعد أن مكنت لحليفها في عدن، وألغت وجود الشرعية منها، بل وضمنت عدم عودتها مجددا، ومهو ما يحدث حتى اليوم.

وتبدو شبوة مقبلة على مثل هكذا سيناريو، بعد خروج الإماراتيين، والاستعداد لمعركة أخرى، تحت مبرر منع تسليم المحافظة للغزو الحوثي القادم من جهة مديرياتها الغربية، أو غيرها من المبررات التي لن تعدمها.

سيناريو آخر

قد لا تكون نية المجلس الانتقالي وقواته في استرداد ما يراها أراضي جنوبية من قوات الشرعية اليمنية هو الدافع الوحيد خلف احتمالات تجدد المعارك في شبوة.

فهناك- كما سبق- مبرر حماية المحافظة من الخطر الحوثي، ومنع سقوطها بأيدي المليشيات الانقلابية، غير أن هناك احتمالات أخرى غير تلك التي سبق سردها.

حيث يعتبر بعض المحللين التواجد الحوثي في مديريات غرب شبوة ما هو إلا تنسيق حوثي مع قوى خارجية، نكايةً وانتقاما من السلطة المحلية في المحافظة.

الأمر الذي يعد تغيرا جذريا في استراتيجية الحرب اليمنية، وانقلابا كبيرا في غاياتها وأهدافها.

ماذا بعد شبوة؟

في كلا الحالتين، سقوط شبوة بأيدي المتمردين الحوثيين، أو سيطرة قوات الانتقالي عليها، فإن هذا يعني أن نفوذ الشرعية اليمنية ووجودها بات مهددا بالكامل، إن لم يكن قد اتخذ قرار إنهاء هذا الوجود تماما.

فخروج شبوة من عباءة الشرعية يعني انفراط عقد بقية محافظات جنوب اليمن المحسوبة أنها في خانة الشرعية اليمنية.

فأطماع الحوثي لن تقف عند حد شبوة وثرواتها الغازية والنفطية، بل ستمضي نحو حضرموت وخيراتها المعدنية، بالإضافة إلى المهرة التي تعني الالتحام بالحليف العماني.

بينما تعني سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المضي نحو بقية محافظات الجنوب باعتبارها أراضي الدولة المنشودة التي يسعى لاستعادتها.

وبالتالي انفراط عقد الشرعية اليمنية ووجودها على الأرض، الذي سينتهي تماما، ولن تبقى سوى شرعية المنفى التي ملّ الناس من صمتها وعجزها، وإساءاتها لنفسها.

شبوة.. والتفاهمات الدولية

تأتي كل هذه التحليلات مدعومة بفحوى التصريحات الأخيرة للسفير البريطاني لدى اليمن، الذي أشار- ضمنيا- إلى وجود تفاهمات دولية بتجاوز الشرعية اليمنية.

لم يكن التصريح بهذا الوضوح ولم يأت صريحا، ولكن السفير البريطاني كان يتحدث عن "قرار أممي جديد" يتناسب مع الوضع الجديد على الأرض، تمهيدا للتسوية السياسية المحتملة.

ربما كان ذلك اعترافا دوليا بما يحققه الحوثيون من تقدم عسكري ميداني في مأرب وفي شبوة، باعتبارهم سلطة أمر واقع في المحافظات الشمالية.

بالإضافة إلى وجود سلطة أمر واقع أخرى في المحافظات الجنوبية، مسلحة هي أيضا، بمستوى قد يرتقي إلى الندية مع سلطة الحوثي في الشمال.

هذه التفاهمات الدولية، التي تحدثت عن قرار أممي جديد، يتناسب والواقع، ويلغي القرار الأممي 2216 الذي صدر عام 2016 في ظل واقع مغاير ومختلف تماما، يراه مراقبون بأنه يؤسس لسياسة تقسيم اليمن فعليا إلى دولتين.

خاصة في ظل احتمالات اقتراب سيطرة الحوثيين على مأرب، وفرض سيطرته الكاملة على محافظات الشمال اليمني، في مقابل احتمالات تمدد الانتقالي نحو أبين وشبوة وحضرموت وكافة محافظات جنوب اليمن.

إنهاء دور الشرعية وتقسيم اليمن

كافة تلك التسريبات عن التفاهمات الدولية، المدعمة بتصريح السفير البريطاني، لا يمكن استيعابها إلى في إطار واحد ودلالة واحدة، وفقا لمراقبين.

فالأمر لا يعدو عن كونه إنهاء أي دور للشرعية اليمنية في اليمن، تمهيدا لتقسيم البلاد بين شمال وجنوب، باعتبار أن الشرعية هي العائق الوحيد أمام تحقيق هذه الغاية، نظرا لتمسكها بالمرجعيات والقرار الأممي 2216 ووحدة اليمن.

ويمكن لهذه الغاية في إنهاء دور الشرعية أن تتحقق بسهولة، بحسب المجتمع الدولي، عطفا على الواقع المشاهد، في وجود سلطات مسلحة متواجدة على الارض وفي الداخل اليمني، متمثلة في الحوثيين شمالا، والانتقالي جنوبا.

لكن سيناريو كهذا قد يقود إلى فراغ ميداني، وليس سياسيا، للند أو النظير الذي يمكن أن يواجه أو يقابل المليشيات الحوثية على طاولة المفاوضات التي ستمهّد للتسوية السياسية وإنهاء الحرب.

فالشرعية لن تكون متواجدة على الأرض، وقواتها الميدانية ستتلاشى لصالح خصومها، ولن تبقى سوى رموز الشرعية في المنفى.

وتلك الرموز ستبقى مشاركتها في أي مفاوضات قادمة رمزية أيضا، بحكم غيابها عن الأرض، ويمكن أن تعطى عطايا شرفية، في مخرجات التفاوض، أو تحوّل مؤسساتها العليا إلى "كمبارس" خلال عملية التسوية المحتملة.

لكن المحصلة النهائية المتوقعة لمثل هكذا تحليل هي إيجاد وخلق كيانين شمال وجنوبي، حتى وإن كان في إطار شامل، إلا أن لكل منهما استقلاليته وإدارته الخاصة لمناطق نفوذه.

السعودية.. أين هي؟

في ظل هذه المعمعة، قد يتساءل البعض "عن موقع المملكة العربية السعودية من كل هذا الذي يجري؟".

الإجابة بسيطة، وتتمثل في أن كل ما يجري لن يكون بمنأى عن نظر ورقابة، وربما إشراف الرياض نفسها، وهذا من الطبيعي أن يتم أو توافق عليه السعودية إلا بعد أن تضمن مصالحها من اليمن.

فربما تفوز السعودية بتواجد دائم في المهرة- كما تريد- بعد التنسيق مع الانتقالي الذي قد يرضخ لضغوطات أبوظبي في هذا الاتجاه، مقابل تمرير سيطرته المطلقة على أراضي دولته المنشودة.

كما أن السعودية ستكون قد نسقت عملية تأمين وضمان أمنها القومي والحدودي من جانب الحوثيين في الشمال، تمهيدا لإخراج الرياض من المشهد اليمني تماما، رغم أن المليشيات الحوثية لا يؤمن جانبها أبدا.

كل تلك التحليلات تبقى مجرد تكهنات، لكنها قائمة على شواهد ومعطيات توحي بما قد يحدث في قادم الأيام.