مدرس عراقي يروي ذكرياته في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعيية

(عدن الغد) متابعات

كتب/ نبيل يونس دمان
سكنت في( زنجبار) مركز المحافظة الثالثة ( أبين) لعدة سنوات ابتداءً من نهاية عام 1983، وفي عمارة سكنية مكونة من 18 شقة سكنها المدرسون من مختلف الجنسيات، كان المدرس يعمل بعقود خارجية ( خليجية) ولذلك كانت الدولة ملزمة باسكانه في شقة، باستثناء المدرس العراقي، فنظراً لظروف هجرته الأليمة وتركه العراق، اضاف اليها صعوبة اخرى، هي العمل في اليمن بعقود محلية، ولذلك اسكنت كل عائلتين في شقة واحدة، هكذا سكنت في السنوات الثلاثة الاولى، وللعلم كل شقة كانت تتكون من غرفتين صغيرتين وغرفة استقبال اصغر.

تلك العمارة سكننتها ثمانية أسر فلسطينية للسادة المدرسين: محمد جبر( ابو شيرين) ، محمد خريس ( ابو شادي) ، راتب ( ابو ايمن) ، محمود ( ابو نسرين) ، غسان ( ابو فادي) ، عبد العزيز الاعمر ( ابو علاء) ، عبد الجبار، سليمان ( ابو ايناس) ، ومدرس باكستاني درس في العراق اسمه لمعات ميرزا بركات ( ابو هدى) ، مدير تربية ابين ( حسين الدعسة) ثم خمسة عشرة اسرةعراقية في ثماني شقق وهم عائلتي، ام لينا ( زوجة نصير) ، ام زيدون، ام بسام ( زوجة نصير) ، ابو دلير، ام جمال ( زوجة شهيد) ، ابو ثبات، ام انس ( زوجة نصير) ، ابو سعود ،ام اروى ( زوجة نصير) ، ابو الفت، ام زينب ( زوجة نصير) ، ابو منار، ابو نورس، ابو صفاء.

في كل آذار كنا نحتفل بالمناسبات الوطنية العراقية، وفي عيد نوروز كنا نتجمع خارج العمارة المذكورة التي تحيط بها مساحات شاسعة غير مسكونة، فتلقى الكلمات والاشعار، نغني ونوزع الحلوى على الاطفال، ونقضي عدة ساعات نستذكر المناسبة ونتذكر الوطن، كان سكننا قريب من المدرسة الثانوية التي كنا ندرس فيها ( ثانوية الشهيد احمد صالح) وايضا بالقرب من مجمع واسع يعتبر واجهة محافظة أبين آنذاك ، فيه معارض والعاب اطفال ومنتزهات اسمه( ساحة الشهداء) .

في عام 1986 وبجهودي الشخصية وبتعاون الاخوة العراقيين معي، استطعت ان احصل على موافقة من مدير تربية أبين حسين الدعسة، فاعطاني ورقة بترميم دار في مديرية ( قضاء) جعار وعلى قمة جبل ( خنفر) الذي لم يكن جبلا ً بمعنى الكلمة، بل تلا ً طوله حوالي كيلومتر وعرضه 200 متر وارتفاعه 300 م ايضاً، ارضه من صخر جلمود، نادرا ما تنمو فيها النباتات باستثناء منحدر ضيق كان اخضرا على مدار السنة ومن شجيراته تفاح عدن ( كانت ثمرته عبارة عن انتفاخ هوائي مـُر المذاق ) الى جانب شجيرة ( المسواك) التي كانت غصيناتها تستعمل لتنظيف الاسنان فتعقمها وتعطيها النكهة والبياض.

في تلك الايام وانا اجهد كل يوم في العمل بالمنزل لتنظيفه وتصليح ابوابه وشبابيكه وايصال الماء والكهرباء اليه، فكل يوم بعد الدوام اتوجه الى هناك والمكان قاع صفصف لا انس فيه، باستثناء عائلة عراقية اسكنت في بيت قبلنا، وفي احد الايام المصادف 13- 1- 1986، وانا اعمل كالعادة في البيت وابعد عن سكن العائلة حوالي 30 ميل، لاحظت على الشارع الذي يربط جعار بزنجبار حركة غير طبيعية، فكثير من السيارات العسكرية تعبر بسرعة الشارع، لم ابالي، حتى رجعت جارتنا العراقية ( ام همسة) من المدرسة لتقول اذهب الى البيت قبل ان ينقطع الشارع، لقد اقفلت المدارس ( دوامها كان بعد الظهر) فقلت لها يبدو ان الصراع اندلع داخل الحزب الاشتراكي اليمني.

اكملت ترميم المنزل بنفسي، وحصلت على المواد الاولية من كهربائيات وصحن الغسيل، واصباغ ومسامير، كلها زودتني بها التربية من سوق جعار ( دكان الوالي) وكلفت احد الموظفين اسمه ( الحجاشي ) بنقلها في سيارة التربية، وهكذا عند صعود السيارة الى جبل خنفر والطريق غير مبلط وحاد في ارتفاعه ، لم يستطع السائق المواصلة عند الوصول قريبا من نهايته، فانحدرت مركبته ( البابور) نحو الخلف ولم تتوقف، انحرفت الى جهة الوادي، فتعلق محورها( الاكسل) بالصخور واطاراتها الخلفية تعلقت في الهواء، واصبحت على شفا السقوط في هوة عمقها حوالي عشرة امتار وفيها كتل احجار متناثرة، قبل توقفها ونحن نتحسس انفاسنا منتظرين مصيرنا ، ظل الحجاشي يردد ( خاف الله، خاف الله يا اخي ، حق الناس) اي سيارة الدولة، بعد ان افقنا من الصدمة ، تسللنا الى المدينة نستنجد بساحبة زراعية، واخيرا ً انقذت السيارة وكانت اضرارها طفيفة. ذهبنا الى بيته وتناولنا العشاء عندهم، فقلت له مازحا” لو حدث لنا شيئا لخلد الزمن إسمك، فأهلي في العراق، كانوا سيكتبون اسمك الى جانب اسمي على جبل بلدتي” وكنت كلما اراجع مديرية التربية، اذكره بتلك الحادثة قائلا” لقد تعمدت صداقتنا بالدم يا حجاشي” فتغمر وجهه الابتسامة ويشرع يحدث زملائه عن تلك الحادثة، التي يوصفها بانها كادت تؤدي بحياتنا.

بعد فترة من استقراري في بيتي الجديد الذي سعدت كثيرا ً بالسكن فيه ، لاستقلالي النسبي، وهدوءه، وكونه يقربني نفسيا ً من موطني الجبلي البعيد. كان الموقع مشرفا ً من ثلاثة اطرافه على السهول الخضراء في فصل الشتاء، خصوصا بعد ان تغمرها مياه السيول ( الدفر) ، وهي اراضي زراعية تعاونية، تنمو فيها انواع الخضراوات، والجهة الرابعة على امتداد جبل خنفر فيها الشاليهات، والدوائر الحكومية، والشقق السكنية الراقية التي كان يسكن فيها الخبراء الروس( يعملون في سد باتيس) ، اما بيتي والبيوت المجاورة القليلة فقد كانت قبل الاستقلال بيوت السلاطين، وبعد الثورة هرب قاطنيها الى السعودية، فسكنها الخبراء الالمان الشرقيين( يعملون في معهد الشبيبة في الكود) ، وبعد رحيلهم سكنت انا بواحد، والثاني الذي كان على شكل قصر من طابقين وفيه العديد من الغرف الواسعة وحوله مسبح دائري جميل ، فقد سكنه عضو لجنة المحافظة للحزب الاشتراكي اليمني د. احمد صالح العلوي.

كان الطريق الى المسكن يلتف حول الجبل من الجهة الجنوبية، واذا تستمر بالطريق فانه يوصلك الى قرية ( الدركاك، التي حضرت يوما فيها مناسبة المولد، فكان صوت الناي والدفوف تقرع عاليا) ، فكنا على الدوام نختصر الطريق ونحن عائدون مشيا ًعلى الاغلب من المدارس، فنتسلق الجبل عن طريق فتح جديد للمشاة كما كنا نفعل في كردستان، وكانت بناتي في المرحلة الابتدائية ( الموحدة ) لينا وريلا وكذلك همسة بنت جارنا العراقي الطيب( عواد متاني) يرتقون ذلك الجبيل من اماكن يصعب حتى على الماعز ( باللهجة اليمنية يسموه البوش) ارتياده، وما اكثر ما وقف اليمنيون مشدوهين امام منظر صعود البنات وهن يحملن حقائب كتبهن على الظهور.

في تلك الايام اقبل الربيع ومعه مناسباتنا الوطنية والقومية ، منها نوروز فتقرر ان نحتفل فوق الجبل، فجمعت الحطب وكومته في مكان صخري عال من جـُبيلنا ، وتجمع العراقيون الساكنين في أبين وجعار عندي، وعددهم في حدود عشرة عوائل اضافة لبعض العزاب يسكنون في( المعسكر) ، كان ذلك في 21- 3- 1990 وبدأ الاحتفال الصغير ولكنه معبر وجميل، بالاغاني والاناشيد وتوزيع الحلوى والمرطبات، ثم كانت الكلمة المناسبة، وبعدها تحركت العوائل والاولاد الذين غالبيتهم مولودون في اليمن، لمشاهدة النار التي اضرمتها في تلك العيدان والاخشاب، فتحلق الجميع حولها فرحين ، ولهيبها يتصاعد باستمرار، مما جلب انتباه العوائل اليمنية الجارة فجاءت تسأل عن المناسبة، وتستمتع بالمشهد منهم العوائل التالية: د. احمد، علي عوض واخيه بدر عوض، محمد السنيدي ، ومحمد سالم، فشاركونا افراحنا وهم معجبون بالنار التي قلنا لهم، انها مشاعل الحرية ، ورمز انتصار كاوا الحداد على الطاغية الضحاك، في غابر الازمان.

كان اخي فريد قد ترك العراق عام 1986 الى ايران ، وامضى سنتين متنقلا من مكان الى آخر، مثل تركيا، سوريا، اليونان، وفي آخر المطاف وصل الى كندا عام 1988، فاخذ باقناعي وتمهيد الطريق لي ولعائلتي للالتحاق به في كندا. لم يكن ذلك سهلا ، ولم يكن يغرّني العيش بعيدا ًعن اجواء الشرق الاوسط، وكانت زوجتي متفقة معي في هذا الموقف ايضاً. ولكن مع اقتراب خطوات الوحدة بين شطري اليمن، مع سلسلة الانهيارات في منظومة الدول الاشتراكية، كل ذلك ادى الى تزايد عرى العلاقة بين كل شطرعلى حدة، مع النظام الحاكم في العراق. فكلما سارت الخطوات اسرع نحو الوحدة، كلما تزايد نفوذ النظام المذكور فيهما، وتزايدت مخاوفنا تدريجيا ً، ولذلك وأبتداءا ً من عام 1990، باشرت بالتنسيق مع اخي في اختيار افضل السبل للوصول الى كندا، فرتبنا خططا ً درسناها كثيرا ً، قبل ان تتوج في مغادرتنا اليمن…