تقرير يبحث في أسباب الانهيار الاقتصادي المتواصل للعملة المحلية.. لماذا تصمت الحكومة عن الانهيار الغير مبرر للعملة؟

(عدن الغد) خاص:

تقرير يبحث في أسباب الانهيار الاقتصادي المتواصل للعملة المحلية والتداعيات المعيشية..

لماذا تصمت الحكومة عن الانهيار غير المبرر للعملة الوطنية؟

هل هناك أسباب حقيقية لتواصل مسلسل الانهيار أم أن السبب تلاعب الصرافين بالفعل؟

كيف سيواجه المواطن حالة انهيار تصل إلى 200% خلال أشهر في أسعار السلع الأساسية؟

هل نحن على شفا مجاعة سيتحدث عنها العالم لعقود وهل سيتحول اليمن إلى مخيم كبير للاجئين؟

أين المنظمات الدولية والأموال الطائلة التي ترصد لليمن؟

ما موقف البنك المركزي اليمني والحكومة من هذا الانهيار.. وأين الوديعة السعودية؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

لم يشهد اليمن في تاريخه مثل هذا الانهيار المتسارع والكارثي وغير المسبوق للعملة المحلية، والتي وصلت مستويات تاريخية، رغم أن البلاد خاضعة لسيطرة أغنى دول العالم.

وحتى نكون أكثر دقة في التوصيف فإن الحكومة اليمنية، أو رموز دولتها هم من يخضعون لسياسات وتوجيهات أغنى البلدان، وهي دول بمقدورها انتشال الريال اليمني من حالته ووضعه الكارثي.

غير أن الأمر المستهجن من قبل عامة الشعب هو "الصمت المدوي" للحكومة اليمنية تجاه ما يجري بحق مواطنين يفترض أن يكون رعاياها، وهي مسئولة عن رعيتها.

فالتدهور الكبير في العملة المحلية، وما انسحب على الوضع المعيشي للبلاد في ظل انهيار اقتصادي ليس وليد اليوم ولكنه نتيجة الحرب المستعرة في اليمن منذ نحو سبع سنوات، تأثر به قوت المواطن البسيط والسلع الأساسية التي يقتات بها يوميا.

هذه السلع والأساسيات التي يرتكز ويعتمد عليها عامة الناس في حدها الأدنى، عصفت بها الأوضاع الأخيرة والتردي الكبير للريال اليمني، الذي انعكس على تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

فاليوم بات غالبية الناس غير قارين على توفير الكفاف من قوت عيالهم، وصارت السلع التي كانت بالأمس من الأساسيات التي يسعى الناس لتوفيرها في حدها الأدنى، صارت معدومة ولم تعد في المتناول.

كل ذلك يحدث في ظل صمت مخز للحكومة اليمنية الشرعية، وحتى للسياسيين والكيانات السياسية المسئولة عن سلطات الامر الواقع وإدارة البلاد في المحافظات "المحررة".

وهو ما دفع كثيرين للتساؤل عن أسباب هذا الصمت الحكومي المريب تجاه معاناة مواطنيها المعيشية وتدهور الاقتصاد الوطني برمته.

خاصة وأن الحكومة بإمكانها أن تضغط على دول التحالف العربي التي سيطرت على مقدراتها وتحكمت بثرواتها، ولديها من القدرات والإمكانيات ما تستنهض به الوضع الاقتصادي والمعيشي في مناطق تقول إنها حررتها من الحوثيين.

لكن صمت الحكومة الشرعية يبدو أنه غير مقتصر على الجانب الاقتصادي والمعيشي التي تعاني منه البلاد، بل أن الصمت طال حتى المعارك العسكرية التي تتكبد فيها قواتها الخسائر تلو الأخرى أمام قوات المليشيات الحوثية.

انهيار العملة

قد يتحدث مراقبون ومختصون في الشئون الاقتصادية عن أن الانهيار الكبير للريال اليمني لم يكن وليد الأشهر الأخيرة، ولكنه نتيجة أسباب تراكمية سببتها الحرب التي أوصدت الموانئ والمطارات ومنعت التصدير.

فيما قد يتحدث آخرون عن منع الأشقاء في التحالف العربي استخراج وتصدير النفط والغاز اليمني في مأرب وشبوة وحضرموت بكميات تجارية، الأمر الذي حرم خزينة الدولة مليارات من العملات الأجنبية وأدى إلى الكارثة الحالية للعملة.

وقد تكون المبررات واقعية وحقيقية، ومن شأنها أن تتسبب بانهيار الاقتصاد الوطني كمنظومة ترتبط بها عمليات تجارية وتتداخل فيها مسببات غياب الدورة الاقتصادية للسيولة المالية وغيرها من تداعيات ومسببات الحرب.

لكن الشيء غير المبرر، والذي تسبب بحيرة اقتصادية لدى الخبراء والمراقبين هو وصول سعر صرف الريال اليمني إلى هذه المستويات التاريخية وغير المسبوقة على الإطلاق، بل والمتسارعة.

فالملاحظ أن الانهيار الحاصل في الريال يحدث بشكل مستغرب وغير طبيعي، بحسب العارفين والمختصين، في مجال الأسعار، لدرجة أن العملة المحلية خسرت مائة ريال من قيمتها في ظرف ساعات فقط، وليست أياما.

وهذا أمر غير مبرر، ويفرض على المختصين البحث بجدية عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الاستهداف الذي يتعرض له الريال اليمني، تحديدا في المناطق المحررة.

كما أن ما يثير الريبة هو تماسك سعر صرف الريال واستقراره في مناطق سيطرة المليشيات الحوثية، واضطرابه في المحافظات المحررة، رغم توفر نفس أسباب وظروف الحرب في كلا الناحيتين، وانعدام مقومات الاقتصاد الحقيقي بشكل أكبر في شمال البلاد.

إجراءات بلا نتائج

يصف غير واحد من المختصين بالشأن الاقتصادي أن الاجراءات المتخذة مؤخرا من قبل الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني في عدن بإيقاف أكثر من 50 منشأة صرافة هي إجراءات لا تحقق أية نتيجة حقيقية.

وأشارت تحليلات المراقبين إلى أن هذه الإجراءات سبق وأن اتخذها البنك في إيقاف وإغلاق العشرات من محلات الصرافة، لكن دون جدوى.

وفيما يصر البنك المركزي على تحميل الصرافين مسئولية المضاربة بالعملات الأجنبية والإضرار بالعملة الوطنية والتأثير على استقرار السوق، يرى مختصون أنه لا يكمن في إيقاف عمل الصرافين.

والسبب يعود إلى أن الحكومة بسلطاتها الضبطية والإشرافية لا تمتلك السلطة الحقيقية لتنفيذ قرارات كهذه، بحكم الخلفيات التي يرجع إليها تأسيس وتفريخ شركات الصرافة هذه، وهي خلفيات وارتباطات معقدة للغاية، ولا تستطيع إمكانيات الحكومة الحالية السيطرة عليها.

بل أن هناك أطرافا من الحكومة وحتى السلطات المتحكمة بالأمر الواقع في عدن وبقية محافظات جنوب اليمن مستفيدة من تفريخ هذه المنشآت المالية منذ ما بعد عام 2015، وحتى اليوم.

الانتقاد طال أيضا إجراءات الحكومة اليمنية بإلغاء كافة تعاملات العقود والاتفاقيات المالية وعقود الإيجار بالعملة الأجنبية، وإلزام المنظمات والشركات باعتماد العملة المحلية كأساس لهذه التعاملات.

إجراء كهذا كان هدفه توفير مخزون كاف من العملات الصعبة الأجنبية، غير أن الخبراء انتقدوا مثل هذا القرار، وأشاروا على الحكومة القيام بترشيد نفقات مؤسسات الدولة السيادية وموظفي كبار الدولة المرصودة بالعملة الصعبة، بالإضافة إلى إيقاف اعتمادات البعثات الدبلوماسية التي لم يستفد منها الشعب.

وجميعها نفقات بالعملة الأجنبية تؤثر على خزينة الدولة واقتصاد البلاد، وترشيدها أو توفيرها قد يرفع سقف مخزون الاحتياطي النقدي الأجنبي لليمن.

وهذا يقود إلى أن الصرافين ليسوا المشكلة الوحيدة أو المتسبب الأوحد في هذا الانهيار، كما أن إغلاق شركات الصرافة ليس بالحل الناجع، كونه غير قابل للتنفيذ أو التحقق.

على شفا المجاعة

وضع كهذا، لم تستطع الحكومة ومؤسساتها السيادية المالية من الحد منه أو كبح جماحه، بل وعجزت عن التخفيف من على كاهل المواطنين.

فالمواد والسلع الغذائية الأساسية تجاوزت أسعارها نسبة الـ200 %، ويأتي هذا في ظل توقف المرتبات أو تأخرها على أحسن الاحتمالات.

وهو ما تسبب بتراجع القوة الشرائية للمواطنين، وحتى لأولئك الموظفين ممن تنتظم مرتباتهم شهريا، أو ذوي الدخل الثابت والمتوسط، والذين لم يقدروا على مواكبة الارتفاعات اليومية والحادة في أسعار أساسيات القوت اليومي للمواطنين.

وذلك بسبب تدهور سعر العملة المحلية، ووصول سعر الدولار الأمريكي إلى تخوم الـ1400 ريال يمني، بينما تجاوز سعر صرف الريال السعودي 360 ريالا يمنيا.

وهو ما قد يقود البلاد إلى كارثة إنسانية، قد تدفع بها إلى شفا الهاوية والمجاعة التي لا يتمناها أحد، ربما ستكون الأسوأ والأعمق مأساوية في حال حدوثها، لا سمح الله.

ورغم أن هذه التحذيرات تطلقها المنظمات الدولية والمدعية أنها تعمل لصالح الإنسان والفقراء والمعوزين في اليمن والعالم، إلا أن اليمنيين لا يدركون أين تذهب الأموال الطائلة التي ترصدها الدول المانحة لليمن، وما مصيرها.

وهو مصير غامض في ظل ازدياد الفقر والفقراء، وتراجع قدرات اليمنيين عن توفير أساسيات الحياة، والتحاق الطبقات الوسطى بالطبقة الفقيرة، الأمر الذي قد يحوّل اليمن إلى "مخيم كبير للاجئين"، أقرب إلى "سجن ضخم للفقراء".

ما يجعل من المسئوليات الملقاة على عاتق الحكومة اليمنية والبنك المركزي، وحتى التحالف العربي بدوله وبلدانه الغنية، مسئولية ثقيلة وتاريخية.

خاصة في ظل التساؤل عن مصير الوعود الإقليمية والعالمية كالوديعة السعودية والدعم الاقتصادي المقدم من المجتمع الدولي متى ما عادت الحكومة اليمنية إلى عدن.

وهي وعود لم تتحقق حتى الآن، ما يجعل الانهيار الاقتصادي مستمرا، وربما يكون مضطردا إذا لم تُفعّل تلك الوعود والتعهدات.