تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا.. ما وراء عودة حسن باعوم!

(عدن الغد) خاص:

تقرير يحلل الأبعاد والتبعات السياسية لعودة قائد الحراك الجنوبي حسن باعوم إلى اليمن..

عودة حسن باعوم.. هل ستغير الخارطة السياسية للجنوب؟

ما احتمالات انضمام باعوم للمجلس الانتقالي.. وهل سنرى عملية تبادل للأدوار؟

ما حقيقة انتهاء شهر العسل بين حراك باعوم وإيران.. وهل يمكن أن يلتحق بمعسكر الشرعية؟

لماذا غادر الرجل عمان بعد سبع سنوات.. هل هناك خلافات أم توجيهات بتنفيذ أدوار سياسية؟

هل سيشكل باعوم معسكرا مستقلا ويسهم في زيادة تعقيد المشهد؟

موقف باعوم وحراكه من الحرب والتحالف.. هل سيتغير بعد عودته؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، بات اسم القيادي حسن باعوم مرادفا للنضال الجنوبي المطالب باستعادة دولة ما قبل الوحدة اليمنية، حتى قبل تأسيس ما عرف لاحقا "بالحراك الجنوبي السلمي".

فهو من أوائل القيادات الجنوبية التي اعتبرت نتائج حرب صيف 1994 "احتلالا عسكريا"، ورفضت التسليم باستمرارية الوحدة، واستمر الأمر حتى ظهور "الحراك الجنوبي السلمي"، في عام 2007.

لم يكن باعوم وحيدا، ولم يكن تياره "الحراك الثوري" الفصيل الوحيد على الساحة، فإنصافا للتاريخ كان هناك العديد من القيادات السياسية التي حذت حذوه، غير أنه كان الأكثر زيارة للسجون والمعتقلات منذ 1998، وشهدت تلك الفترة استنساخا لفصائل وتيارات حراكية جنوبية عديدة.

بعض تلك الفصائل "المفرخة" زاحمت تيار باعوم على زعامة المطالب الجنوبية باستعادة الدولة، وبعضها لم يستطع موازاته ووُلد ميتا.

ظل الرجل مترددا على سجون ومعتقلات النظام حتى أواخر 2011، التي غادرها ولم يعد إليها بعد هذا التاريخ أبدا، عقب رحيل صالح عن السلطة.

كانت انطلاقة باعوم في مدينة المكلا بحضرموت (شرق البلاد)، ولم يبتعد عنها كثيرا، فقد استقر منذ بدايات 2012 في سلطنة عمان، في ظل اتهامات بتلقي تياره السياسي دعما إيرانيا.

ومنذ ذاك الحين كان باعوم يناهض نظام الحكم في اليمن، عبر تياره "الحراك الثوري" في الداخل، حتى بعد ظهور العديد من فصائل الحراك الجنوبي الجديدة، عقب تراخي القبضة الأمنية للدولة.

وبالرغم من ذلك لم يشهد دور الرجل تراجعا في هذا المجال، حتى عقب ظهور وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو/أيار 2017، الذي اعتبره البعض نهاية لتيار باعوم وبقية تيارات الحراك الجنوبي الأخرى.

خاصة في ظل ادعاء الانتقالي أنه "الكيان المفوض الوحيد" في تحقيق تطلعات الجنوبيين، دون غيره، بحسب أدبياته و"مليونياته".

إلا أن دعوات الانتقالي الأخيرة "للحوار الجنوبي - الجنوبي"، وإعلانه الانفتاح على كافة الفصائل والتيارات الجنوبية، بما فيها تيار باعوم، كشفت مدى التباعد والتناقض الحاصل بين التيارات الحراكية.

تناقض الرؤى والمواقف

ففي الوقت الذي شاركت قيادات منتمية اليوم للمجلس الانتقالي الجنوبي في حرب 2015، ودعمت التحالف، وحاربت الحوثيين في سبيل استعادة دولة الجنوب، كان لتيار باعوم رأي آخر.

فالقيادي باعوم أعلن منذ الوهلة الأولى لحرب 2015، أنها "حرب لا تعني تياره"، إلا في حالة تحقيق مطالب الجنوبيين، حيث اشترط على التحالف ضمان استعادة دولة الجنوب في حالة تأييده للحرب على الحوثيين.

وهي نقطة أخذت على باعوم وتياره، حتى اليوم، لكن الرجل ربما كان مدركا أكثر من غيره لغايات التدخل الخارجي في البلاد، وهو ما تجسد اليوم واقعا.

لم يكن التناقض في المواقف هو ما يحكم علاقة الانتقالي بتيار باعوم، بل حتى في آليات ووسائل الوصول إلى الغايات، ففي الوقت الذي ينتهج الحرام الثوري السلمية في مطالبه، ظهر الانتقالي بقواته وأجنحته المسلحة.

وهذا التناقض في المواقف والأساليب والآليات بين أكبر تيارين جنوبيين، والذي ما زال قائما إلى اليوم، ساهم في بعث أسباب الريبة والاستغراب من عودة باعوم الأخيرة إلى اليمن، بعد سنوات قضاها في سلطنة عمان.

عودة باعوم.. لماذا الآن؟

منذ نحو شهر، والقيادي حسن باعوم يعلن عن عودته إلى داخل البلاد للاحتفال بأعياد ثورة 14 أكتوبر، غير أن كثير من المراقبين يظنون أن هذه العودة بريئة من العلاقة الاحتفالية بثورة أكتوبر.

ويؤكد غير واحد من المحللين أن ثمة أهدافا واسبابا سياسية دعت الرجل- وريما فرضت عليه- التواجد داخل البلاد، وقطع سنوات من الاستقرار في الجوار العماني.

فالبعض يربط هذه العودة باختلال ميزان العلاقة مع الداعم الخفي لتيار باعوم، والمتمثلة في طهران، ومن ورائهم الحوثيون، بينما يعتقد البعض أن تواجد الرجل في اليمن جاء بناء على توجيهات من إيران.

فالتغييرات السياسية والعسكرية في المحافظات الجنوبية وحتى المعارك في شمال اليمن، وما يتعلق بها من اقتراب تسوية لإنهاء الحرب في البلاد، تفرض مثلا هذه العودة.

وهو ما يعتقد البعض أنه مرحلة جديدة من مراحل العمل السياسي الملقى على عاتق حسن باعوم، واستثمار ثقله السياسي والحراكي في إرباك المشهد، أو الإسهام في رسم ملامح القادم.

بينما يرجح كثيرون أن عودة باعوم قد يكون لها علاقة بالمجلس الانتقالي والحكومة الشرعية أيضا، ليس بالضرورة لصالح الطرفين، بل ربما حتى ضد استقرار الأوضاع في مناطق سيطرة كل طرف.

باعوم.. بين الانتقالي والشرعية

ثمة من يقول إن القيادي حسن باعوم عاد مؤخرا إلى اليمن، لتحقيق عدد من الأهداف السياسية التي يسعى إليها الرجل، أو قد يكون مدفوعا لكي يعمل على تنفيذها.

فالبعض يعتقد أن باعوم يسعى لسحب البساط من تحت المجلس الانتقالي، في المقابل يرفض آخرون هذا الطرح، خاصة في ظل سيطرة الانتقالي عسكريا وأمنيا على عدد من المناطق، وصعوبة إزاحته من المشهد لصالح تيار باعوم الذي ما زال بحاجة للكثير لتحقيق التواجد على الأرض، رغم شعبيته التي لا يستهان بها.

وبناء على صعوبة إزاحة الانتقالي من المشهد، يؤكد مراقبون أن باعوم قد يُفضل الانخراط في قوام المجلس الانتقالي والالتحاق بالمكاسب السياسية التي حققها مؤخرا، والاستفادة منها.

وذلك في إطار لعب أدوار سياسية، وتبادل الوظائف بين الفصائل والتيارات الجنوبية، وبتوجيهات خارجية قد لا تستبعد علاقتها بقوى إقليمية مجاورة لليمن.

وفيما يتعلق بالحكومة الشرعية، فإن هناك من يرجح أن تواجد باعوم في حضرموت يأتي في إطار تأزيم الأوضاع الأمنية في المحافظة، وبالتالي تحميل الشرعية أية اختلالات أمنية، عقب عودة باعوم، ومنح الفرصة لقوات الانتقالي وحتى قوى في التحالف العربي للتدخل عسكريا وأمنيا.

ووسط كل هذه الاحتمالات، يبرز رأي مغاير يشير إلى إمكانية الاتفاق بين حسن باعوم وقوى معينة في الحكومة الشرعية، والتواجد داخل البلاد تمهيدا للانضمام بركب الشرعية تنفيذا لأجندات محددة.

وقد يكون هذا الرأي هو ما أدى إلى منع موكب باعوم من دخول المكلا، وإفشال مشاركته في احتفالات أكتوبر، كما كان قد أعلن عن ذلك قبل أسابيع.

مستقبل الرجل والعلاقة مع التحالف

في الوقت الذي يقلل محللون من كل تلك الاحتمالات المذكورة، ويستبعدون حدوثها، خاصة في ظل شخصية ومكانة رجل مثل باعوم، لن يرتضي لنفسه الالتحاق أو الانضمام إلى أيٍ من الفصائل والأطراف المحلية، فإنهم يؤكدون أن للرجل حساباته الخاصة.

فهو لن يقبل بأن يكون "تابعاً" للآخرين، بقدر رغبته في أن يكون "رأسا" لمشروعه الخاص، الذي سيكون ندا لكل من الانتقالي والشرعية.

وإذا ما صدقت هذه التوقعات فإن حسن باعوم سيكون بحاجة إلى علاقة وثيقة وقوية مع التحالف العربي المتحكم بمقاليد الأمور في كل البلاد.

وهذا يعني تخلي الرجل عن موقفه من الحرب في اليمن، والتي رفض تأييدها حتى يضمن استعادة دولة الجنوب.

غير أن تسريبات قادمة من مسقط، تشي بأن شهر العسل بين باعوم وإيران قد انتهى، وأن عودته إلى اليمن جاءت لإعادة ترتيب أوراق تيار "الحراك الثوري"، والعمل بشكل مستقل وذاتي لصالحه، قد يكون في مواجهة مشروع الانتقالي والشرعية.

وهذا لن يتم إلا برضا التحالف ودعمه، وهو أمر إذا تحقق وحظي باعوم بدعم التحالف فإنه سيكون قد تخلى فعلا عن موقفه من الحرب.

ومن شأن هذا التحول، أن يغير الخارطة السياسية ليس فقط في المحافظات الجنوبية من اليمن، بل وحتى المشهد السياسي للبلاد برمتها، رغم أنها ليست بحاجة إلى مزيد من تعقيد الاوضاع المعقدة أصلا.