تقرير يتحدث عن قراصنة الاقتصاد ودورهم في انهياره وآثار اغتيال الاقتصاد في اليمن

(عدن الغد)القسم السياسي
  • قراصنة الاقتصاد هم خبراء محترفون مهمتهم أن يحصلوا على ملايين الدولارات من دول كثيرة في جميع أنحاء العالم، يحولون المال من المنظمات الدولية التي تقدم القروض والمساعدات إلى خزائن الشركات الكبرى وجيوب مجموعة من العائلات الثرية التي تسيطر على الموارد الطبيعية للكرة الأرضية.
  • من أهم الوسائل التي تساعد قراصنة الاقتصاد لإتمام مهامهم- بجانب التقارير المزيفة والرشاوى وكل تلك الأشياء- هي مؤسسات الأمم المتحدة المتمثلة في صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.
  • هذا النظام الذي فرضته أمريكا فرضًا على كافة دول العالم بلا استثناء، القوية والضعيفة، تارة بذريعة تقديم القروض والمساعدات لدول العالم الثالث، والقضاء على الفقر والمجاعات، وتارة أخرى بصلف وغرور متمثلاً في رد نيكسون قائلاً: "عندما تخسر عليك أن تغير قواعد اللعبة".
  • أصبحت النتيجة في النهاية هي أن تلك المؤسسات استمرت في طريقها، لكن الغريب أن كل الدول التي زعمت تلك المؤسسات أنها كانت تساعدها وتُقدم لها يد العون يتدهور حالها؛ فالدول الفقيرة تزداد فقرًا، وشعوبها الجائعة تزداد جوعًا، ولا تمثل تلك المؤسسات إلا وسيلة تساعد هؤلاء القراصنة في القيام بمهامهم.
  • مهمة هؤلاء القراصنة هي جعل تلك الدول النامية والفقيرة تدين بكل شيء للولايات المتحدة، وكلما زادت موارد تلك الدول-خاصة البترول- كلما كان من المهم أن يزداد الدين الذي عليها؛ هُنا يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من هذه الحالة بأكثر من طريقة متاحة في نفس الوقت.
  • الطريقة الأولى هي تقديم قروض لتلك الدول للقيام بمشروعات للبنية الأساسية، والتعليم والتنمية.. إلخ، لكنها ستُجبرها على الاستعانة بشركاتها ليس فقط هذا؛ لكن هناك بالطبع الفوائد ذات الأرقام الفلكية التي سيصبح على الدولة المسكينة أن تسددها، هكذا يتعاظم الدين ويتضاعف من تلقاء ذاته وتضعف أمامه القدرة على السداد بمرور الزمن.
  • هنا تأتي الطريقة الثانية وهي إجبار تلك الدولة على الخضوع كليًا إما بالتنازل عن موارد محددة، أو قرارات، أو قطعة أرض ترى الولايات المتحدة أو وكلائها أنها يمكنها استخدامها بما يفيد اقتصادها ويعود عليها بالربح؛ وهكذا وبكل بساطة يتم احتلال تلك البلدان سلطويًا، ماديًا وبكل شكل ممكن دون جيوش ومعارك دموية.
  • ولهذا ما يعيشه اليمن من أزمات أهمها الأزمة الاقتصادية المركبة إلا نتيجة من نتائج هذه الخطط الخبيثة، وهذه الأزمة الاقتصادية بتداعياتها المختلفة تدفع نحو انهيار شامل تقول المؤشرات إن البلاد تتجه إليه، في حال لم يتدخل المجتمع الدولي لوقفه. وهذا الوضع الحرج دفع رئيس الحكومة اليمنية، معين عبد الملك، ووزير خارجيته، أحمد عوض بن مبارك، إلى مناشدة "الدول الشقيقة والصديقة" تقديم دعم عاجل لإنقاذ الاقتصاد وكبح المخاطر والتداعيات المترتبة عليه.
  •  
  • اقتصاد على حافة الانهيار
  • تضع الأزمة الاقتصادية التراكمية والمركبة التي يعيشها اليمن اليوم البلادَ على حافة انهيار اقتصادي شامل، بناءً على ما تقوله مؤشرات الاقتصاد الكلي، وأهمها الآتي:
  • ـ تنامي حالة الانكماش والتباطؤ الاقتصادي؛ إذ شهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الفترة 2014-2020 انكماشاً تراكمياً بنحو 50%، وكان قد تراجَع في الفترة من 2014 إلى 2018 فقط من 42.45 مليار دولار إلى 23.49 مليار دولار.
  • ـ تراجَع معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي من 7.7% عام 2010 إلى 0.5% في أبريل 2021. وفي تقرير التنافسية العالمي لعام 2019، وهو التقرير السنوي الذي يقيس عناصر التنافسية الاقتصادية للدول وقدرتها على النمو، احتل اليمن المرتبة 140 من أصل 141 دولة. وفي تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2020، والذي يُقيِّم بيئة الأعمال التجارية والاستثمارية في 190 دولة، احتل اليمن الترتيب 187 على المستوى العالمي، مُتراجِعاً من المرتبة 133 في عام 2014.
  • ـ ارتفع التضخم من 8% عام 2014 إلى 30.6% عام 2021، وانهارت العملة الوطنية، إذ تراجعت قيمة الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية في سوق الصرف إلى مستوى غير مسبوق، ووصلت في مناطق سيطرة الحكومة إلى ما يزيد عن 1200 ريال مقابل كل دولار. وانعكس التضخم وتراجُع قيمة العملة في ارتفاع حاد للأسعار وتراجُع الأنشطة التجارية، وبلغ معدل البطالة 13.42% عام 2020.
  • ـ بلغ الميزان التجاري -8693.91 مليون دولار عام 2020، ويعود ذلك أساساً إلى التراجع الكبير في الصادرات، وبالذات من النفط والغاز، فقد انخفض إنتاج هاتين السلعتين بنسبة 90% عمَّا كان عليه عام 2014، وكانت صادراتهما تُشكِّل 90% من صادرات البلاد، وثلث إجمالي الناتج المحلي للبلاد. ووفقاً لتقارير محلية، تراجَع حجم الصادرات بنسبة 75%، بما في ذلك الصادرات الزراعية التي تراجعت بنسبة تفوق 70%. وفي تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2020، احتل اليمن المرتبة 188 في مؤشر التجارة عبر الحدود، وتُقدَّر الخسائر الناتجة عن تضرُّر التجارة الخارجية عموماً بحوالي 36 ملياراً و285 مليون دولار.
  • ـ بلغ الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي 81.7% عام 2020.
  • ـ استحكام أزمة المالية العامة؛ فهناك عجز كبير في الموازنة العامة نتيجة تراجُع إيرادات الحكومة المعترف بها دولياً من الجمارك والضرائب بسبب تراجع الأعمال التجارية (ولا ينطبق تراجع الضرائب والجمارك على سلطة الحوثيين في صنعاء)، وكذلك بسبب تراجع الصادرات، وبالذات من النفط والغاز اللذين مثَّلت إيراداتهما نحو ثلاثة أرباع العائدات الحكومية. وزاد من حدة هذه الأزمة مؤخراً نفاد الوديعة السعودية البالغة 2 مليار دولار، والتي مكنت البنك المركزي من تغطية الواردات الأساسية منذ منتصف العام 2018.
  •  
  • عوامل تأزيم الوضع الاقتصادي
  • ساهم الصراع في البلاد بصورة مباشرة وغير مباشرة في الوصول إلى الأزمة الراهنة، بسبب ما ألحقه من أضرار بالبنية التحتية، وما تسبب به من نقص حاد في مدخلات الإنتاج الأساسية، وبما فرضه من قيود على الأنشطة الاقتصادية. لقد تسببت الحرب عموماً بخسائر اقتصادية تراكمية تقدر بحوالي 88.8 مليار دولار، ووصلت الكلفة الاقتصادية للعنف إلى حوالي 22% من الناتج المحلي الإجمالي (بأسعار 2019).
  • وهناك عوامل أخرى لعبت دوراً في حالة التدهور الاقتصادي على رأسها تفشي جائحة كورونا، فقد تضررت بسببها الأنشطة الاقتصادية، وتضررت كذلك تحويلات المغتربين التي تمثل أكبر مكون للدخل من العملات الصعبة (تقدر بين 3 و4 مليارات دولار أمريكي)، ويزداد الوضع حرجاً بالنظر إلى تراجُع حجم المساعدات الدولية المقدمة إلى اليمن بنسبة كبيرة، ومنها المساعدات الإنسانية.
  • وساهم أطراف الصراع بدور حاسم في الوصول إلى حالة التدهور الاقتصادي الراهنة، ويدور الأمر حول استخدام الاقتصاد والسياسات النقدية كأداة من أدوات الصراع، وهو ما انتهى بالتسبب بانقسام نقدي ومصرفي، والإدارة السيئة للشأن الاقتصادي، والفساد.
  •  
  • التداعيات المحتملة 
  • 1. سياسياً: من المتوقع أن تشهد مناطق البلاد، وبدرجات متفاوتة، احتجاجات ضد السلطات، وسيكون المشهد السياسي أكثر هشاشة. ولن يكون الانهيار الاقتصادي تطوراً جيداً لمختلف أطراف الصراع، إذ سيكون له نتائج سالبة على مواقفهم، وعلى مختلف الصعد، لكن هذه النتائج ستتفاوت في درجتها وحِدَّتها؛ فالحكومة المعترف بها ستكون أكثر الأطراف تضرراً، ليس فقط بحكم مسؤوليتها وسيطرتها على البنك المركزي والسياسات النقدية، ولكن أيضاً بحكم ما سيعنيه فشلها في تأمين رواتب الجيش وموظفي الدولة، وسيجد العديد من الأطراف في ذلك فرصة للتصعيد ضد حكومة الرئيس هادي، بل ويمكن القول إن هذا الانهيار سيمثل تهديداً لمستقبلها، وإن قدرتها على البقاء ومقاومة العاصفة المتوقعة ستبقى رهناً بالدعم الإقليمي والدولي لها.
  • وسيكون الحوثيون أقدر على التعامل مع نتائج أي انهيار؛ فهم أكثر تماسكا باعتبار الطبيعة العصبوية لجماعتهم وقبضتهم الأمنية القوية التي تمكنهم من ضبط الشارع، وباعتبار أنهم في نهاية الأمر أقرب إلى سلطة بلا مسؤوليات، والناس لن يثوروا، مثلاً، من أجل روتب لا يستلمونها أصلاً.
  • ومع أن أطراف الصراع ستكون في موقف أضعف، ومع أن المجتمع الدولي سيجد في الحاصل دافعاً للتحرك ولممارسة مزيد من الضغوط باتجاه وقف الصراع، إلا أن احتمال أن يمثل الانهيار الاقتصادي فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع يظل متواضعاً، لأنه سيكرس من ميزان القوى القائم اليوم بسبب التأثير غير المتوازن على موقف الحكومة والحوثيين.
  • 2. عسكرياً: من المتوقع أن تتصاعد الأعمال العسكرية، فالانهيار الاقتصادي سيعطي الحوثيين دافعاً أقوى للتصعيد، لأنه سيجعل من موقف خصومهم أكثر ضعفاً مما هو عليه اليوم، وهذه فرصة لابد أنهم سيحرصون على استغلالها، وإذا كانت الموارد وراء إصرارهم على إسقاط محافظة مارب النفطية المهمة، فهذا الانهيار يجعلهم أكثر حاجة وتصميماً للاستيلاء على مناطق النفط والغاز بحكم ما سينتج عنه من تراجع لإيراداتهم.
  • 3. أمنياً: من المتوقع أن تتجه الأوضاع الأمنية لمزيد من التدهور وأن تنتشر الجريمة، وسيتحول جزء من السكان إلى ممارسة أنشطة غير مشروعة، مع تنامي إمكانية تحول البلاد إلى جنة لمافيا تهريب الأسلحة والمخدرات وغسيل الأموال، في ظل ازدهار وتكاثر الميليشيات. ولا شك أن تدهور الأوضاع سيصب في صالح الجماعات المتطرفة، وستفرض حالة الفوضى المتوقعة تهديدات إضافية في كل اتجاه، من أهمها تلك التي يمكن أن تلحق طريق الملاحة البحرية الدولية.
  • 4. اقتصادياً: في ظل وضع كهذا من المتوقع أن تنهار المصانع والبنى التحتية، وينهار سوق العمل وترتفع معدلات البطالة إلى مستوياتها القصوى، بما يؤدي إلى دخول البلاد مرحلة "اقتصاد الفوضى" الذي يتقاطع فيه الاقتصاد غير الشرعي والاقتصاد الخفي واقتصاد الفساد واقتصاد الجريمة واقتصاد الحرب. وستكون أي جهود وتدخلات اقتصادية إقليمية أو دولية أكثر صعوبة وأكثر كلفة.
  • 5. إنسانياً: إن ما تُصنَّف اليوم بأنها أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم مؤهلة للتحول إلى كارثة إنسانية، وقد يتجه الوضع نحو مجاعة مؤكدة طالما حذَّرت المنظمات والمجتمع الدولي من اقترابها، خصوصاً على ضوء عدم كفاية المساعدات الإنسانية اليوم، والعجز في تمويلات خطة الاستجابة الإنسانية (لم تتلق إلا 47% من التمويلات المطلوبة). وإلى جانب توقُّف الخدمات العامة كالتعليم، والصحّة، ستزداد حدة تفشي الأوبئة التي انتشرت في السنوات الماضية مثل الكوليرا والدفتيريا، والحصبة، وحمى الضنك، وسينتهي الحال بحركة لجوء واسعة صوب الدول المجاورة
  •  
  • الخيارات الممكنة
  •  
  • أمام الحكومة اليمنية مجموعة من الخيارات التي يمكن الأخذ بها في المدى المنظور، وتهدف إلى وقف تدهور العملة كأولوية ومفتاح لمنع الانهيار الاقتصادي، وأهمها:
  • ـ إيداع جميع إيرادات الحكومة، بما في ذلك إيرادات النفط والغاز، في حسابات الحكومة لدى البنك المركزي، دون استثناء.
  • ـ نقل أي حسابات للجهات الحكومية والمؤسسات والأعمال المملوكة للدولة من البنوك الخاصة وشركات الصرافة إلى البنك المركزي.
  • ـ تفعيل ما يمكن من الأنشطة والمؤسسات الاقتصادية المعطلة، وفي هذا الصدد، يبدو أن الحكومة تعتزم تشغيل عدد من المطارات وأعطت توجيهاتها بذلك لوزارة النقل.
  • ـ رفع معدل إنتاج النفط الخام وإعادة تصدير الغاز.
  • ـ استخدام وحدات حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي والتي أقرها الصندوق نهاية يونيو الماضي، لتعزيز احتياطات العملات الصعبة، ودعم قيمة العملة الوطنية، وتبلغ 487 وحدة سحب خاصة، أي ما يساوي 691 مليون دولار. ووفقاً لبعص التقارير عقدت الحكومة مشاورات مع الصندوق باتجاه هذه الغاية.
  • ـ التحرك على الصعيد الإقليمي والدولي بما في ذلك لدى مؤسسات التمويل الدولية بغاية تأمين دعم عاجل لتجنب الانهيار، وهذا الدعم قد يكون نقدياً (هبات، مساعدات، قروض أو ودائع) أو على شكل مشاريع وخطط ممولة، كمشروع تعزيز الصمود الاقتصادي الممول من الاتحاد الأوروبي. وتؤكد الحكومة أنها فعلاً بصدد هذا التحرك، وتعمل بشكل حثيث مع الشركاء.
  • ـ إجراء تدقيق ومراجعة سريعة لأنشطة وعمليات البنك المركزي.
  • ـ تفعيل القوانين واللوائح المنظمة للقطاع المصرفي، فمن شأن ذلك أن يحد من عمليات المضاربة بالعملة، ومن عمليات التهرب الضريبي، ويؤمن بالتالي بعض الموارد للخزينة العامة.
  • ـ التوقف عن ضخ النقد الجديد دون غطاء، وهذا مشروط بزيادة إيرادات الدولة و/أو تحسين آليات تحصيلها.
  • ـ عودة الحكومة بكل قوامها إلى البلاد، فمن شأن ذلك أن يؤمن عمل مؤسسات الدولة ويجعلها أكثر انضباطاً وإنتاجية.
  • لقد حان الوقت لتحويل مليارات الدولارات التي تُصرف على هذه الحرب الفاشلة للتوصل إلى حلول تعطي الأولوية للمساعدة الإنسانية والمفاوضات السياسية لإنهاء العنف. إلا أنّه يتعين على القوى الخارجية متابعة المفاوضات بجدية في حال أرادت ضمان لها فرصة النجاح.
  • المذنبون في حرب اليمن كثرٌ، وكذلك الدوافع لهذا الصراع. أمورٌ عديدة أودت بحياة المدنيين الأبرياء ومنها توزيع الموارد، والمنافسات القبلية، وما يسمى بمبادرات مكافحة الإرهاب، والتناحر الجيوسياسي القائم على الهيمنة التي يسعى إليها كلّ من إيران والسعودية.
  • فمتى يفيق الشعب وقبله الحكومة الشرعية والانتقالي والحوثي وكل أطراف الصراع من الغيبوبة التي سعى إليها قراصنة الاقتصاد العالمي لتحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الخصوم، وموطن لنهب موارده الطبيعية بحجج واهية وأعذار ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب؟!.