تقرير يحلل حسابات السلام محليا وإقليميا ودوليا.. الشرعية والحوثي والانتقالي.. أيهم الحلقة الأضعف في معادلة الصراع؟!

(عدن الغد) خاص:

تقرير يحلل حسابات السلام محليا وإقليميا ودوليا ويرصد تحركات المبعوث الأممي الأخيرة..

في دائرة الصراع الضيقة.. ثمة حسابات سلام مختلفة!

الشرعية الحوثي الانتقالي.. أيهم الحلقة الأضعف في معادلة الصراع؟!

جروندبيرج تجاوز هذه العقبة التي وقع فيها كل المبعوثين السابقين.. فهل ينجح!

حظوظ السلام.. المشهد السياسي معقدا للغاية محليا والمواقف الدولية أكثر تعقيدا!

الأزمة اليمنية ورقة الأمريكية للضغط على السعودية.. السياسة عندما تجمع النقائض!

تحليل / محمد الثريا

تستمر اليوم لقاءات المبعوث الأممي الجديد بحثا عن ثغرات مفترضة للسلام، ويمضي معها السويدي هانس جروندبيرج بتحركاته في دائرة حوار أوسع على أمل إيجاده منفذا ايجابيا لتقريب وجهات النظر، لكن ما يبدو عليه واقع الصراع والسلام معا مختلف تماما عن افتراضات السيد جروندبيرج، فالأمر هذا يبدو محصورا في دائرة ضيقة، وبين أطراف محدودة ظلت لعبة الحرب متوقفة على رغبات تلك الاطراف لسنوات دون أن يقترب منها مبعوث اممي واحد، فجميع من سبقوا جروندبيرج كانوا يهيمون في بيداء اللقاءات الدبلوماسية دون محاولة التوغل إلى نفق المتحكم الحقيقي بالصراع ولهذا ربما فشلوا جميعا، وربما ايضا لان هذا هو دور الأمم المتحدة اصلا والذي لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف يتعدى رغبة الكبار.

ورقة السعودية في مواجهة الضغوط الاميركية!

لطالما ظل القرار الرسمي للشرعية اليمنية في متناول الرياض دون غيرها، كما ولم تزل جميع مؤسسات ودوائر عمل الشرعية خاضعة لمقررات اللجنة السعودية الخاصة طيلة سنوات الحرب الفارطة، هذه حقيقة لا يمكن نكرانها او تجاوزها بل وتم تكريسها فعليا مع وضع اليمن تحت سلطة البند السابع وقرار تفويض دول الرباعية وضمنها السعودية بحل أزمته، كما ان المجتمع الدولي برمته ظل يتعامل لسنوات وحتى اليوم مع ازمة اليمن من بوابة السعودية وحسب.

لكن ما غفل عنه كثيرون خلالها هو ان الهيمنة الواضحة للرياض على قرار الشرعية وبقاء ذلك الكيان مؤطرا كورقة سعودية صرفة لم يكن أمرا يعني بالضرورة ان جميع التفاصيل والهوامش المتعلقة بكيان الشرعية اليمنية بما فيها تلك الدقيقة والمؤثرة لحظة تفعيلها ستكون هي الاخرى منضوية تماما تحت يافطة الرغبة السعودية المطلقة .

فالتطورات الاخيرة على الارض مثلا، وما طرأ فجأة على مسرح العمليات العسكرية وتحديدا في بعض جبهات الشرعية أكد ان ثمة خطا اخرا يتعارض مع الخط السياسي للسعودية من داخل منظومة الشرعية نفسها، وان هنالك لاعب اخر رديف لديه قرار نافذ وحسابات خاصة تغزو سياج عددا من قيادات الشرعية وبوتقة ولائها للرياض وبالتالي إمكانية تحريك تلك القيادات وقت الحاجة وبما لايخدم الرغبة السعودية طبعا، فتحول ورقة الشرعية إلى إحدى الأوراق المتحركة أثناء ممارسة أحدهم سياسة خلط أوراق في وجه الإرادة السعودية باليمن قطعا سيعني حشر الرياض في الزاوية الضيقة وقد يبدد ما تبقى لها من نفوذ وسلطة، وهو أمر لايمكن السماح بحدوثه بتاتا في نظر القيادة السعودية ولو كلفها الكثير لتبذله .

زيارة مختلفة لكن بعنوان متجدد!

ومما لاشك فيه ان زيارة مستشار الامن القومي الاميركي والتي اعقبت مباشرة معطى السقوط الدراماتيكي لمناطق بيحان ـ شبوة كانت بالفعل قد سلطت الضوء كثيرا على مسلمة خضوع الشرعية المطلق للرياض وفرضية تحريك القيادات مزدوجة الولاء والتبعية مع غير الرياض ،فأجندات الزيارة الاميركية تلك والتي جسدت بدورها واقع ابتزاز واشنطن للسعودية وبخاصة حينما تزامنت يومها قائمة خيارات الزيارة الاميركية مع معطى تراجع الشرعية وتقدم الحوثيين عسكريا، التراجع الذي لم يكن بالتأكيد في صالح الموقف السعودي باليمن والذي يعاني أصلا تزايد وتيرة الضغط والابتزاز الاميركي منذ مدة .
تحفظ سعودي معلن وصمت أميركي مستغرب!
لقد مثلت تصريحات ولي العهد السعودي على خلفية لقائه بالمستشار الاميركي جيك سوليفان وتأكيدها على ربط الحل السياسي في اليمن بمرجعيات الحل الثلاث رفضا ناعما للعرض الاميركي، والى حد ما يمكن القول بأن تلك التصريحات قد تضمنت تلميحا بإمكانية خفض العلاقة والاستعاضة بحليف دولي بديل يسند الموقف السعودي في ملف اليمن، فضلا عن معطى التقارب السعودي الايراني الخجول وامكانية عودة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين وانعكاس ذلك في تحقيق انفراجة ملموسة على مستوى ملف النزاع باليمن.

المشهد اليمني لازال معقدا للغاية وكواليس المواقف الاقليمية والدولية تجاه ملف الازمة باليمن لا تقل تعقيدا هي الاخرى في تعاطيها مع مسار الصراع هناك عن مشهد الداخل المتشعب، ويبدو أن محاولات واشنطن تحريك مياه الازمة الراكدة قد تدفع بظهور حقائق غير متوقعة وحدوث تحولات مغايرة تمهيدا لفرض واقع جديد في البلد العالق بين رحى حرب متواصلة ومعاناة انسانية تتفاقم يوما بعد يوم، وبطبيعة الحال لا يمكن قراءة ذلك الجهد الاميركي بمعزل عن جهود الإدارة الأميركية الهادفة إلى إعادة إنتاج الدور الأميركي بالمنطقة بما فيها استثمار ملف الصراع اليمني لمصلحة شحن مفاوضات فيينا وإعادة تفعيل اتفاق الملف النووي مع طهران .

السلام في نظر طرفي الصراع اليمني!

لكن، وبعيدا عن تباين رؤى الخارج بشأن السلام في اليمن، ما الذي يمكن قوله ازاء طريقة تعاطي أطراف الداخل مع معطى السلام المفترض في ظل الحراك الدبلوماسي للخارج ذي العلاقة بملف اليمن؟
ان ما يمكن قوله هنا بإيجاز هو ان تعدد خطابات السلام لدى الحوثيين لا ينم عن رغبة حقيقية لوقف الحرب، وان تداعي هيلمان الشرعية يجعلها اليوم تتعلق بقشة الخارج.

حيث وخلال شهر واحد فقط ـ شهر سبتمبر الماضي ـ أعلن الحوثيون عن أكثر من رد تجاه مبادرة السلام القائمة وفي كل رد كانت هنالك اشتراطات مختلفة عن سابقتها، وغالبا عندما لا تجد خطابا موحدا تجاه جهود ودعوات الطرف المبادر فإن هذا يضع جملة تلك الخطابات موضع الشك ولا يعزز مؤشر النوايا الحسنة لدى أصحابها، حتى ان تناقض وخيلاء الرد الحوثي بلغ ذروته ولوحظ بوضوح عقب الزيارة الامريكية الاخيرة وتعليق الرياض عليها، ولعل ذلك اتى في صورة تفاهم غير معلن وتناغم غير معهود لا علاقة بالتأكيد لعامل الصدفة في حدوثه وكيف سمع يومها صدى التطور الاميركي في تصريح ناطق الجماعة الحوثية اثناء تعليقه على تسريبات الزيارة الاميركية الاخيرة .

ترى الشرعية اليمنية، وهي الحلقة الأضعف في معادلة الصراع أن خيار التمسك بأي مبادرة للسلام وأن كانت مجحفة بحقها ككيان شرعي معترف به دوليا وحق الداخل الذي ساندها لسنوات قد بات اليوم خيار إجباريا سيما مع زيادة تصدع الأرضية التي تقوم عليها اليوم، الكارثة أن هذا الأمر بات يحدث دون الأخذ بعين الاعتبار وروح المسؤولية في نتائج ذلك الخيار ونتائجه على مستقبل البلد، فالمهم هنا كما يبدو هو ضمان بقاء منظومة الشرعية وشخوصها حاضرة وبأي وضع كانت أثناء تدشين الخارج للمشهد القادم من ملف الأزمة اليمنية .

وربما تجدر الإشارة هنا، إلى أن اليمن الواقع بين كماشة الحرب المستعرة والمعاناة المتفاقمة منذ أكثر من ستة أعوام قد اصبح بحسب تقارير دولية خاصة بلدا غير قابل للحياة وان الحاجة الملحة الى تحقيق اتفاق سلام ووقف دائم للحرب هي الأولوية التي ينبغي على الجميع سرعة التوافق على تحقيقها واقعا، رغم أن الواقع لازال يحكي الكثير عكس ذلك، فالعقبات والحسابات التي تمثل رغبات الدائرة الضيقة من الصراع تبدو غير مستعدة للتوافق وإرساء أولوية السلام على حساب مستقبل مصالحها الخاصة في بلد يعني الكثير على رقعة الحسابات الدولية ومضمار سباق النفوذ الإقليمي.