تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا.. كريتر.. يوم دام

(عدن الغد) خاص:

تقرير يتناول أسباب أحداث كريتر الأخيرة وآليات تجنب تكرارها في المستقبل..

لماذا تغيب الولاءات العسكرية الوطنية وتحضر الانتماءات الشخصية والمناطقية؟

ما الذي نتج عن غياب الهوية العسكرية والأمنية الواحدة خلال العقود الماضية؟

كيف مزقت الصراعات عدن والمحافظات الجنوبية وما زالت تفعل ذلك إلى اليوم؟

غياب الدولة.. كيف تسبب في وقوع أحداث كريتر ولماذا يمكن أن تتكرر مستقبلا؟

ما هي آلية الوصول إلى دولة قوية منضبطة ذات هيبة؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

الولاء والانتماء قيم مهمة في العمل الأمني والعسكرية، تمثل هوية دافعة ومحفزة للأفراد والجنود في الذود عما يؤمنون به ويعتنقونه.

ولا تخلو دولة في العالم من هوية عسكرية وأمنية تقود تحركات جيشها وسلطاتها الأمنية، وغالبا ما تكون هذه الهوية هي الوطن.

الوطن بمفهومه الواسع، وليس القروي والمناطقي او الشخصي الضيق، فبعض المؤسسات الأمنية تأتمر بإمرة قائدها وليس سواه، وتضرب عرض الحائط بما دونه من هويات وانتماءات أوسع وأكثر عمقا.

وذلك نظرا لأن هذه الوحدات او التشكيلات الأمنية لم تتلقَ تربية وأسسا عسكرية مبنية على تقديس الهوية الجامعة، وليس الهوية المفرقة والمشتتة.

ولعل في أحداث كريتر، السبت، أكبر دليل على افتقار التشكيلات العسكرية والأمنية لولاءات أعمق أثرا في نفوسهم، بل أن ولاءاتهم سيطرت عليها النزعة الشخصية للقائد الفلاني، وأهملت الغاية الأعظم من هذا القائد أو ذاك.

إنه الوطن، والمدينة، والناس الذين يسكنون ويجاورون ويعيشون في نطاق ممارسات هذه الوحدات الأمنية أو تلك، والذين غالبا ما يكونون ضحايا الاقتتال والمواجهات البينية، بسبب التمسك بتوجيهات القائد وزعيم المجموعة.

ولعل وطنا كالجنوب، ومدينة مثل عدن، لاقت بسكانها وأهاليها الكثير من الويلات والمصاعب نتيجة ما يترتب على هذه الممارسات، والتي تنم عن قلة تأهيل وتدريب، وضعف الأبعاد الوطنية عند منتسبي بعض الوحدات الأمنية.

وبطبيعة الحال، فإن سببا كهذا مرده الأساسي، إلى غياب الدولة التي تشرف على مثل هكذا تدريب وتأهيل لعناصرها الأمنية التي يوكل لها حفظ الأمن وسلامة المواطنين، وليس تهديدهم.

أحداث كريتر

ما جرى خلال يوم السبت في كريتر، يعود في أساسه إلى غياب التربية والهوية العسكرية على مستوى الأفراد، بالإضافة إلى غياب التأهيل والتدرج في الحصول على المناصب والرتب.

ونتج عن هذه الغيابات وصول قيادات امنية وعسكرية غير مؤهلة على حماية الناس، بل العكس من ذلك، تعمل على تهديد المدن والمواطنين.

وبغض النظر عن أسباب اندلاع مواجهات كريتر، فإن المسئولية تجاه ما حدث لا تقتصر على أفراد تشكيل أمني وعسكري معين أو قيادته.

ولا حتى على المجلس الانتقالي الذي غض الطرف عن مثل هكذا شخصيات وقيادات، ولم تخرج تتحدث عن هوية من أشعلوا الفتنة في عدن وانتماءاتهم "الإرهابية والمتطرفة" إلا حين تحدوا ووقفوا في وجه قوات الانتقالي.

ولكن المسئولية تعود إلى جملة من التراكمات أفرزتها مشكلة غياب الدولة بصورتها القوية ذات الهيبة.

هذه التراكمات يدفع ثمنها، كما دفعوا من قبل، أهالي عدن، الذين اكتووا بالصراعات الأمنية والعسكرية التي لم تقف عند حد معين.

أهمية الدولة لأهالي عدن

وجود الدولة في أي مكان من العالم ضامن أساسي للأمن والاستقرار، وغيابها يعني الفراغ والفوضى، التي لا تشجع على ازدهار أي نوع من أنواع الحياة البشرية.

فبمجرد فقدان الاستقرار والأمان، تتلاشى كل مظاهر الحياة الطبيعية، السياسية والاقتصادية والثقافية.

ومهما كانت هذه الدولة فاسدة، أو حتى مستبدة، فإن وجودها يضمن أدنى مستويات العيش والحياة، ويحفظ وجود تراتبية وتسلسل للمسئوليات والسلطات، ويمنع التمرد أو التعدي.

ومنذ عقود تربت مدينة عدن على عدم الفطام عن الدولة، بل أن عدن هي ابنة الدولة بامتياز، فأهاليها اعتمدوا عليها منذ سنوات طويلة، في كل صغيرة وكبيرة، ما بعد خروج البريطانيين منها.

فهذه المدينة التي لم تنعم بأي استقرار منذ عشية الاستقلال من الإنجليز، كانت وما زالت ضحية غياب الدولة القوية، وضحية الانقسامات وتناقض التوجهات والأفكار.

كان ذلك منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، حتى قبل خروج الإنجليز، حين رأى الرفاق ضرورة الدمج القسري للجبهتين القومية والتحرير، فتفجر الصراع نتيجة اختلاف الرؤى في كيفية وآلية الخلاص من المحتل، رغم أن الهدف واحد، إلا أن الاقتتال حدث.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فعشية إعلان الاستقلال تم تصفية شخصيات وسياسيين وكوادر خبيرة كان بالإمكان الاستفادة من خبرتها في إدارة مدينة عدن بعد جلاء الإنجليز، وبسبب عملهم السابق مع المحتل، لكن تم إقصاؤهم وتصفيتهم.

وتكررت الصراعات بين يسار ويمين الجبهة القومية، بعد أقل من عامين على نيل الاستقلال، ولم يستقر الوضع في نهاية السبعينيات، ولا في منتصف الثمانينيات، وظلت عدن تشهد الصراع تلو الآخر حتى اليوم.

صراعات تحت غطاء الدولة

والأسوأ في هذه الصراعات التي تكررت خمس أو أربع مرات خلال أقل من ربع قرن، أنها تنسحب بكل مساوئها العنصرية والمناطقية إلى جيل اليوم من المتصارعين الجدد.

فلا شيء من تلك الصراعات كان له علاقة بالدولة أو السياسة أو الوطنية أو من أجل الناس، فلم تكن ثمة دولة يعول عليها، ولكن مجرد صراعات شخصية تتخذ من غطاء الأيديولوجية الحزبية وشعارات الدولة دثارا لتحقيق مآربها الشخصية.

لهذا، فإن الدولة في عدن لم تستقر بسلطاتها وهيبتها الأمنية، سوى بضع سنوات، بشكل متقطع، وما تلبث حتى تتلاشى معالمها تحت ضربات الانتماءات القروية والشخصية الضيقة.

ولعل ما واجهته عدن خلال اليومين الماضيين، يلخص التاريخ والواقع، الذي مرت به هذه المدينة، كما أنه ليس هناك ما يضمن عدم تكرارها في المستقبل القادم، فالاحتمالات مفتوحة على كل شيء.

ويبدو أن مثل هذه الأحداث التي تتكرر في عدن، تدعو إلى ضرورة تواجد وعودة كيان الدولة، مهما كانت هوية هذه الدولة.

فالدولة ليست الشرعية، كما قد يعتقد البعض، ولا هي الانتقالي بحسب آخرين، فهي ليست اعتناق فكر أو رأي أو توجه، كما كان يدعي الرفاق ذات يوم، وليست حلما باستعادة الماضي.

ولكن الدولة مزيج من المسئوليات التي تضطلع بها عدد من المؤسسات المعنية كل في تخصصها ومهامها، تتكامل مع بعضها البعض لتحقيق احتياجات الناس خدميا ومعيشيا، وتوفر لهم استقرارا يدفعهم للتفكير والتخطيط لمستقبلهم.

كما أن الدولة هي الوحيدة التي بإمكانها أن تضمن عدم حدوث مثل ما جرى في كريتر يوم السبت، وما سبقه من محاصرة قسم شرطة رسمي، لأن الجميع حينها سيأتمر بأمر الدولة ولا أحد سواها.

آلية الوصول للدولة

في ظل الأوضاع التي تعيشها عدن ومحافظات جنوب اليمن، يتأكد للجميع أن الدولة لا تتواجد بشكلها الذي كانت عليه قبل سبعة أو ثمانية أعوام.

وهذا أمر مفروغ منه ومؤكد بسبب استمرار الحرب الدائرة في البلاد، التي قضت على كل ملامح الدولة وهيبتها.

واستبدلت بدلا عنها كيانات سياسية وعسكرية وأمنية، تعمل على "تسيير" أمور البلاد لا أكثر، مع انقسام سلطات هذه الكيانات، واقتصار بعضها على مناطق ومحافظات معينة دون غيرها.

لكن رغم هذه السلطات المحدودة للكيانات الجديدة، ما زال هناك من يناهض هذه الكيانات ويقف في وجهها ويقاومها، ليس فقط في مناطق الانتقالي، وحتى في مناطق سيطرة الشرعية.

وضع كهذا، لا يمكن تجاوزه إلا بوجود عدد من الآليات التي تعيد للدولة هيبتها، ووجودها على الأقل.

ولعل أبرز تلك الآليات، وقف الحرب والصراع الدائر في اليمن، والتوصل لتسوية سياسية، تضع نصب عينها أوضاع الناس والمواطنين الخدمية والمعيشية.

وقبل التوصل لوقف الحرب، لا بد من تنفيذ كامل لاتفاق الرياض ببنوده الأمنية والعسكرية، فكثير من المراقبين يعتقد أن أحداث كريتر يمكن أن تتكرر إذا لم يتم دمج التشكيلات والوحدات العسكرية في كيان ومؤسسة أمنية وعسكرية منضبطة وواحدة.