تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا.. سبع سنوات عجاف!

(عدن الغد) خاص:

تقرير يرصد مسلسل تفتيت الدولة بعد مرور 7 سنوات على اجتياح صنعاء..

تحت لافتة تحسين الخدمات اجتاحت مليشيا الحوثي صنعاء.. كيف تم ذلك؟

كيف دفعت هشاشة الرئاسة الحوثيين إلى المطالبة بمكاسب أكبر؟

تسويف التحالف وصراع الشرعية والانتقالي.. هل هي أسباب صمود مليشيا الحوثي كل هذه السنوات؟

لماذا لم يستطع التحالف كل هذه السنوات إنهاء هذه المعاناة؟

كيف تحول الحوثيون من حركة متمردة إلى فرض سلطات الأمر الواقع؟

هل رضيت الحكومة بعيشة الرخاء في الرياض واقتنعت بعدم العودة إلى صنعاء؟

ملايين الدولارات قدمها التحالف عسكريا لاستعادة الشرعية لكنه لم يفلح.. أين الخلل؟

هل يريد التحالف استعادة الشرعية فعلا أم أنه اتخذها ذريعة لأهداف أخرى؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

تصادف اليوم الذكرى السابعة لسقوط العاصمة صنعاء في قبضة المليشيا الحوثية وبدء مسلسل انهيار الدولة. لكن المآلات التي أحدثها زلزل 21 سبتمبر 2014 المصنف كـ"ثورة شعبية" في قاموس الحوثيين، تجعل الحقبة العصيبة التي عاصرها اليمنيون منذ ذلك التاريخ فقط، أشبه بعقدين من الزمن أو أكثر.

وبعد 7 سنوات على اجتياح صنعاء، لا يزال العنف سيد الموقف في مناطق يمنية عدة، أبرزها مأرب والجوف، فالجماعة التي تحكم عاصمة البلاد منفردة، بعد اجتياحها تحت لافتة تحسين الخدمات، تحتفل هذه الأيام بما تدعوه 2000 يوم من الصمود أمام التحالف العربي، وتواصل تعميم الخراب شرقاً، ملوّحة بالقدرة على القتال حتى 4 آلاف يوم.

وفي مقابل الولع الحوثي بالإحصاء والتباهي بإدراج اليمن في موسوعة أرقام فلكية من ناحية أيام الصمود، أو محاربة 17 دولة وتشييد مئات المقابر، تنظر شريحة واسعة من اليمنيين إلى 21 سبتمبر على أنه أكبر انتكاسة مدوّية في التاريخ اليمني المعاصر، وتصنّفه كنكبة أثمرت تفشي الفصائل والمليشيات الحاكمة، وسقوط العديد من الضحايا منذ 7 سنوات، وتشرد الكثير داخل البلاد، وسط تهديد بمجاعة وشيكة.

يوم أسود صار عيدا وطنيا!

يحتفي الحوثيون بالمناسبة التي أشعلت حرباً بالوكالة بين أطراف إقليمية هي إيران والسعودية، بأنها ثورة أطاحت خصومهم من القوى العسكرية والقبلية التقليدية. وفي هذا اليوم من كل عام، تمنح السلطات الحوثية سكان المحافظات الخاضعة لسيطرتها إجازة رسمية، باعتباره عيداً وطنياً، لكن الحكومة المعترف بها دولياً، التي تشردت نحو عدن وبعدها الرياض منذ ذلك اليوم، تصف 21 سبتمبر بـ"اليوم المشؤوم وذكرى النكبة".

عقب اجتياح صنعاء في سبتمبر 2014، أجبر الحوثيون، الرئيس عبد ربه منصور هادي، على تشكيل حكومة جديدة يشاركون فيها، بناءً على اتفاق أشرف عليه أول مبعوث للأمم المتحدة في اليمن، المغربي جمال بنعمر. ودفعت هشاشة مؤسسة الرئاسة، الحوثيين إلى المطالبة بمكاسب أكبر، أبرزها الشراكة في مؤسسات الدولة كافة، وتعيين أحد قيادييهم في منصب نائب رئيس الجمهورية، فضلاً عن دمج نحو 20 ألفاً من مقاتليهم في صفوف القوات المسلحة والأمن التي ابتلعتها بعد أشهر بالكامل. وبعد أن كانت أسعار الوقود هي الشعار الرئيسي لاجتياح صنعاء، بدأ الحوثيون بإشهار عناوين جديدة لمعاركهم، فأفصحوا عن نيّاتهم للسيطرة على منابع النفط في مأرب، تحت شعار محاربة من وصفوهم بـ"الدواعش"، ثم تمددوا غرباً وصولاً نحو الحديدة على شواطئ البحر الأحمر. لكن الاستقالة المفاجئة لهادي وحكومة خالد بحاح في 19 يناير 2015، ثم انتقاله إلى عدن في فبراير من العام عينه، أربكا مخططات الحوثيين بالإبقاء عليه كواجهة شرعية، وهو ما دفعهم إلى ملاحقته صوب عدن، قبل خضوع البلد لوصاية إقليمية تحت مسمى التحالف الداعم لشرعية هادي. خاض الحوثيون بعد ذلك معارك سهلة في اجتياح المدن اليمنية شمالاً وجنوباً، مستفيدين من تسهيلات قدّمها الرئيس السابق علي عبدالله صالح (الذي قُتل على أيديهم في ديسمبر 2017). ووفقاً لنائب الرئيس، علي محسن الأحمر، فإنه لم يدافع عن صنعاء في وجه الزحف الحوثي سوى معسكر السبعين الذي قدّم 294 قتيلاً، وذلك في تصريحات أطلقها قبل 4 أعوام، بعد أن ترك من أسماهم "الجمهوريين"، الجمهورية والثورة اليمنية فريسة للحوثي، في إشارة إلى تخلي المؤسسات العسكرية والأمنية كافة عن واجباتها.

انقلاب غير مدروس

بدا الحوثيون وكأنهم قد اختنقوا في انقلاب غير مدروس، خصوصاً بعد اعتكاف هادي في صنعاء ثم هروبه، فلجأوا إلى إصدار قرارات عزل محافظين وتكليف موالين لهم، ونشروا عناصر "اللجان الثورية"، كمشرفين بصلاحيات واسعة على وزراء ومديرين عامين في مؤسسات الدولة. واستحدثوا مكاتب للتقاضي ورفع المظالم، يديرها مسؤولون أمنيون موالون لهم بعد تعطل المحاكم، ليتوّجوا مسلسل تفتيت الدولة بحلّ البرلمان المنتخب وتعليق العمل بالدستور. وعلى الرغم من العودة الشكلية للمؤسسات، بعد إشهار الحوثيين تحالفهم مع حزب صالح، إلا أنهم واصلوا استحواذهم على مصدر القرار، بتعيين المحسوبين عليها في هرم أجهزة الدولة التنفيذية والعسكرية، وألغوا إجازة السبت التي كانت قد أقرتها الحكومة السابقة، معيدين العمل بإجازة الخميس، فضلاً عن إقرار التقويم الهجري على رأس المعاملات الرسمية، وتوسيع الشرخ المجتمعي داخل اليمن ومنع توزيع العملة النقدية التي طبعتها الحكومة في مناطقهم.

خصوم وهميون وشرعية مفقودة

طوال السنوات السبع من عمر الانقلاب، ابتكر الحوثيون عشرات اللافتات والعناوين غير الواقعية لمواصلة حروبهم، واستقطاب المزيد من المقاتلين، ما جعلهم قادرين على الاستمرارية بذات القوة حتى اليوم. وفيما برزت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوين رئيسيين افتراضيين للحوثيين، استثمر الانقلاب الحوثي أبناء قبائل الشمال كخّزان بشري، تحت مسميات عدة، بدءاً من "القضاء على الظلم في قبيلة حاشد وآل الأحمر ومحاربة حزب الإصلاح بعمران"، وصولاً إلى "الدواعش والمنافقين والإرهابيين والمرتزقة وغيرهم".

وبذريعة هذه المعارك الوهمية، يرفض الحوثيون المقترحات الأممية منذ أواخر 2014 بتسليمهم السلاح الثقيل الذي استولوا عليه بعد الانقلاب، حتى إن زعيمهم عبدالملك الحوثي، قال في أول خطاباته عقب اجتياح صنعاء: "بماذا سنحارب العدو الخارجي إذا سلمنا السلاح؟ بالحجارة؟". ومع توجيه الاتهامات إليها بابتكار قوائم خصوم محدَّثة دورياً، من أجل تصفية منافسيها وابتلاع القبائل اليمنية لتركيعها فقط، تنفي مصادر موالية للحوثيين أن يكون هذا توجهها العام، وتقول إن مناطقها ما زالت تحتضن العشرات من القبائل ذات التوجهات السياسية المختلفة.

لمن اليد العليا؟

يقول محللون إنّ ميزان القوى في اليمن انقلب لصالح المتمردين الحوثيين بعد سبع سنوات من المعارك التي عجزت خلالها القوات الحكومية، المدعومة من تحالف عسكري ضخم بقيادة السعودية، عن تحقيق انتصار.

وتقود الرياض هذا التحالف العسكري منذ مارس 2015 لدعم الحكومة المعترف بها دوليا، وقد ساهمت ضرباته في استرجاع الأراضي الجنوبية من أيدي المتمرّدين الذين يسيطرون حاليا على غالبية الشمال ومناطق شاسعة في الغرب.

لكن يبدو المتمردون أقوى من أي وقت مضى بفضل قدرتهم على توجيه ضربات مؤلمة للقوات الحكومية وبلوغ أهداف في السعودية عبر الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي يمتلكونها ويطورّونها باستمرار.

وقال الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ماجد المذحجي "بعد سبع سنوات، نشهد تغير ميزان القوى بشكل كبير، وتشرذم معسكر أعداء الحوثيين بسبب القيادة السياسية للدولة".

ويحكم الحوثيون المناطق التي يسيطرون عليها بيد من حديد، فيما تعصف الخلافات بمعسكر السلطة المعترف بها، خصوصا في ظل عجز الحكومة عن تقديم خدمات رئيسية ومطالبة جماعات انفصالية جنوبية بدور سياسي أكبر.

من حركة متمردة إلى سلطة!

رغم الخسائر البشرية الكبيرة التي لحقت بهم في الأشهر الماضية، يستميت الحوثيون حاليا للسيطرة على مدينة مأرب، آخر معقل للحكومة في الشمال، مما يزيد من الضغوط على القوات المدعومة من السعودية.

والحوثيون متمرّسون بالقتال، إذ خاضوا بين 2004 و2010 ست حروب مع صنعاء خصوصا في معقلهم الجبلي في صعدة شمال العاصمة، كما قاتلوا السعودية بين 2009 ومطلع 2010 في أعقاب توغلهم في أراضي المملكة.

وبحسب المحلّل في مجموعة الأزمات الدولية بيتر سالزبري، فقد تحوّل الحوثيون بعد سبع سنوات من القتال "من حركة متمردة محتواة نسبيا، إلى سلطات الأمر الواقع في العاصمة ومناطق يعيش فيها أكثر من 20 مليون شخص".

وفي فبراير، صعّد المتمردون حملتهم للتقدم نحو مأرب. وقُتل مئات من الطرفين في المعارك الدامية وسط سعي الحوثيين الحثيث للسيطرة على المدينة الواقعة في محافظة غنية بالنفط، ما قد يعزز موقعهم في أي مفاوضات مستقبلية محتملة.

دور المبعوث الأممي

باشر السويدي هانس غروندبرغ هذا الاسبوع مهامه في منصب مبعوث خاص إلى اليمن.

وترى الباحثة في شؤون اليمن في جامعة أكسفورد إليزابيث كيندال أنّ التحدي الرئيسي أمام المبعوث الجديد هو إيجاد صيغة لوقف إطلاق النار "يمكن أن يقبلها الحوثيون حتى يصبح بالإمكان البدء بعملية سلام".

وتسلّم السويدي مهامه خلفاً للبريطاني مارتن غريفيث الذي حاول دفع الأطراف المعنية لإنهاء النزاع الدامي في البلد الفقير دون التوصل إلى نتيجة حاسمة.

وتدفع الامم المتحدة وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إنهاء الحرب، فيما يطالب المتمردون بفتح مطار صنعاء المغلق منذ 2016 قبل الموافقة على وقف إطلاق النار والجلوس الى طاولة المفاوضات.

وعقدت آخر محادثات سلام في السويد أواخر العام 2018 واتفقت خلالها الاطراف المتنازعة على الافراج عن سجناء وتحييد مدينة الحديدة، التي تضم ميناء رئيسيا في غرب البلاد، عن ويلات الحرب.

هل هناك أمل بالسلام؟

ما زال السلام بعيد المنال في اليمن، حيث أقر غريفيث في مايو الماضي بعدم تحقيق تقدّم في جهود السلام الرامية إلى وضع حد للحرب المدمّرة.

وكان غريفيث وموفد الولايات المتحدة لليمن تيموثي ليندركينغ أجريا جولات مكوكية في المنطقة في الأشهر الماضية لدفع جهود السلام إلى الأمام ولكنها باءت بالفشل.

وترى كيندال أنّه "بدون جهود مهمة على المستوى المحلي، فلن يستمر أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه بوساطة دولية".

أما المذحجي، فيرى أنّه لا توجد "مؤشرات ايجابية في المرحلة القادمة" كون اليمن "سيشهد المزيد من التدهور العام الجاري والعام المقبل في حال بقي أحد الأطراف يشعر بأنه الأقوى".

سبع سنوات عجاف

سبع سنوات عجاف مرت وانتهت منذ انقلبت المليشيا الحوثية على الوطن وشرعيته، أكلت وقضت على سنوات المواطن اليمني بحياته القصيرة وأحلامه الوردية.

سبع سنوات عجاف مرت كأنها سبعة قرون والمليشيا الحوثية الإيرانية تتلذذ بتعذيب الأبرياء ومن ثم تزهق أرواحهم وتحترف الدجل والكذب.

سبع سنوات عجاف، لم ير الشعب من المليشيات الانقلابية الحوثية حرية ولا عدلاً ولا احتراماً لحقوق الإنسان، بل مارسوا ثقافة عنصرية، ثقافة تعمل على تكريس منطق الطاعة والولاء لها وتعمل على زرع الفتنة والكراهية بين أبناء الشعب اليمني الواحد وشيطنة كل من يخالفها.

سبع سنوات عجاف، والجماعة الانقلابية الحوثية المتمردة تتخذ من الصرخة شعاراً لها, شعاراً يتضمن عبارات حماسية تدعو للانتقام من أمريكا وإسرائيل وصار أيقونة تملا كل الشوارع في مناطق سيطرتهم وحيث ما رحلوا وارتحلوا.

سبع سنوات عجاف، ونتيجة لانقلاب الانقلابيين الحوثيين الإيرانيين الارهابيين على الشرعية اليمنية ضاع الوطن، وضاع معه الأمن والأمان وأجيال انتبذت الغربة ملاذاً وموطناً، ومن لم يستطع أحرق أحلامه في وطنه وعانق اليأس ونام بين جنبيه.