تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا. اليمن المنسية

(عدن الغد) خاص:

تقرير يتناول أسباب وأبعاد تدهور الأوضاع الخدمية في المحافظات المحررة واليمن بشكل عام..

هل أصبحت حرب اليمن قضية منسية بالنسبة للعالم الخارجي؟

لماذا هناك تدخل خليجي لمساندة دول أخرى بمليارات الدولارات فيما يعطى الفتات للمحافظات المحررة؟

هل أدار العالم ظهره للأزمة الإنسانية الحادة في اليمن وهل نحن على شفا مجاعة وكارثة حتمية؟

كيف ستؤول الأمور في ظل تدهور سعر الصرف وانقطاع المرتبات وتردي الخدمات؟

لماذا صارت مناطق سيطرة مليشيات الحوثي أفضل حالا من المحافظات المحررة؟

هل تتجه المحافظات المحررة نحو تفجر شامل للأوضاع؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

عقب التدخل العربي في الأزمة اليمنية نهاية الربع الأول من العام 2015، وتحرير المحافظات الجنوبية من اليمن، غرق مواطنو تلك المنطقة في أحلام وردية، بتحول حياتهم إلى رخاء.

فكيف لا تتحول مناطق جنوب اليمن إلى جنة من النعيم والتحالف العربي بدوله الغنية وبإمكانياته وقدراته هو من يتولى الآن زمام الأمور، وبإمكانه توفير كافة الخدمات والاحتياجات الأساسية.

خاصة وأن التحالف العربي تعهد أمام العالم بإعادة إعمار اليمن، في كل المناطق التي يتخلص فيها من المليشيات الحوثية.

ووجدت هذه الأحلام الوردية صدى وتصديقا من شرائح كبيرة من المجتمع، الذي توقع أن تقف فيه دول التحالف مع أشقاءهم في اليمن عموما وجنوب البلاد تحديدا.

غير أن الأيام والسنوات التي تلت تحرير محافظات الجنوب، كشفت عن تحول الأحلام إلى كوابيس من المعاناة الخدمية والمعيشية على مختلف الصعد والمجالات.

فالتحالف العربي بقضه وحديده وإمكانياته وأمواله تخلى عن مسئولية تعمير المناطق المحررة، وحصر مهمته ووظيفته في مشاريع وأنشطة هنا وهتاك لا تسكن ولا تغني من جوع.

حتى دفع هذا الوضع عدد من المراقبين إلى الحديث عن مشاريع للتحالف العربي- بجلالة قدره- تقوم بها وتنفذها مبادرات شبابية طوعية بجهود ذاتية، كتزيين المدارس والحدائق العامة، أو توزيع التمور والسلال الغذائية وإقامة دورات الطبخ والخياطة!.

كانت الصدمة قوية، تردد صداها خلال الأيام الأخيرة في عدن ومحافظات جنوب اليمن، كحضرموت، اللتين تشهدان مظاهرات واحتجاجات خدمية شعبية، خرجت بعفوية بالغة لتعبر عن آلام وأوجاع الشعب المطحون.

فمن غير الطبيعي أن يستمر الوضع على ما هو عليه طيلة سبع سنوات من تحرير المحافظات الجنوبية، التي تعيش انعداما في الكهرباء والمياه، وتأخر أو توقف صرف المرتبات، وسط تراجع تاريخي وغير مسبوق للعملة المحلية، ألقى بظلال آثاره على أسعار المواد والسلع الغذائية الأساسية.

هذا الوضع الذي يرزح تحته مواطنو محافظات جنوب اليمن، بل واليمن عموما، دفع المواطنين للتعبير عنه بصورة الاحتجاجات التي وصلت إلى أعمال شغب، يرى البعض أنها مبررة في ظل كبت ومعاناة معيشية لا تطاق.

لماذا اليمن؟

عقب ثورة 30 يونيو/حزيران في جمهورية مصر العربية، تداعت الدول الخليجية (وهي التي تشكل التحالف العربي في اليمن)، لدعم القاهرة بكل احتياجاتها الخدمية، والتي كان الشعب المصري محروما منها خلال حكم الإخوان.

وبعيدا عن الخوض في تفاصيل المقابل الذي ستتقاضاه دول الخليج نتيجة هذا الدعم، أو أنه جاء نكاية بحكم الإخوان، إلا أنه أثبت مقدرة الخليجيين على الوقوف إلى جانب أي دولة هم يرون دعمها، وبمليارات الدولارات.

فلماذا إذن لا يتم التعامل مع الشعب اليمني بنفس الطريقة التي تعامل فيها الخليج مع مصر وشعبها؟، رغم أن تعداد اليمنيين لا يتعدى ثلث تعداد الشعب المصري، واحتياجاتنا أقل بكثير من احتياجاتهم.

لم يكن المثال المصري هو الوحيد، فقد استطاع الخليج الوقوف إلى جانب السودان وباكستان، وحتى إسرائيل بعد تطبيع عدد من الدول معها.. فلماذا اليمن إذن؟.

فحتى على مستوى الدعم بوقود الكهرباء من السعودية، أو استجلاب مولدات مستخدمة من الإمارات، لم ينجح التحالف في إيجادها وتوفيرها ليستشعر المواطنون أن هناك اختلافا وفروقا.

وهذا ما جعل اليمنيين اليوم يعقدون مقارنة بين حياتهم ما قبل 2015، وحياتهم بعدها، عطفا على حرمانهم من الخدمات والأوضاع المعيشية والأمنية التي كانت ذات يوم مستقرة، مقارنة بما عليه اليوم.

صمت ونسيان عالمي!

في المقابل، ينظر العالم إلى الأزمة اليمنية والحرب الدائرة فيها بصمت مريب، خاصة بعد مضي نحو سبع سنوات من الاقتتال، الذي خلف ترديا خدميا ومعيشيا، بل ونتج عنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

حتى هذه المعاناة لملايين اليمنيين، بدأت وتيرة تأثيرها على الضمير الإنساني بالتراجع، ولم تعد كما بنفس المستوى الذي كانت عليها بداية الحرب.

ويبدو أن العالم قد بدأ ينسى أن هناك حربا في اليمن بعد كل هذه السنوات، وبالتالي عدم إدراك طبيعة الحياة في البلاد في ظل هذه الحرب التي حولت كل شيء جميل في البلاد إلى عدم.

ورغم التقارير الدولية والأممية التي تصف هذا الوضع، إلا أن العالم يقف دون حراك، أو حلول للأزمات المتلاحقة التي تعصف بالبلاد.

حيث حذر آخر تقرير للخبراء الدوليين بشأن اليمن، من أن الحياة اليومية في اليمن الآن "لا تطاق بالنسبة للكثيرين" بالإضافة إلى الصراع، يتعين على الناس التعامل مع تفشي الأمراض، ووباء COVID-19، والفيضانات، وقيود الاستيراد، الأزمة الاقتصادية والوقود والمساعدات الإنسانية المحدودة.

توصيف كهذا في التقارير الدولية لا يزيد عن كونه مكتوبا في التقارير لديهم، لكن شيئا ما يدفع العالم إلى عدم التحرك فيما يتعلق بالأزمة اليمنية، ويجعله مكتفيا بالصمت والنسيان، مديرا ظهره لأسوأ أزمة إنسانية وفق تقاريره.

مآلات الوضع

لا تحتاج الأوضاع الخدمية والمعيشية في اليمن عموما، ومحافظات جنوب البلاد خصوصا إلى شيء من الخبرة أو النباهة لإدراك مدى كارثية الوضع.

لكن الأمر لن يقف عند هذا المستوى من الكارثية، وهو ما استشعره المواطنون أنفسهم الذين خرجوا في كل مكان من مدينة عدن وفي حضرموت للتعبير عن مخاوفهم مما هو قادم.

فتجاوز سعر الدولار الأمريكي حاجز الألف ريال، ليس بالأمر الهين، فقد حرم ملايين اليمنيين من حياة كريمة، بسبب غلاء المواد والسلع الغذائية، مما جعل نسبة كبيرة من المواطنين على شفا المجاعة المؤكدة.

ويأتي هذا الوضع الكارثي للأسعار في ظل انعدام المرتبات المتوقفة منذ شهور، وحتى وإن أتت هذه المرتبات وتم صرفها فإنها لن تقوى على مقاومة غلاء المواد الغذائية.

وإذا كان الحديث في البداية عن التحالف العربي ومسئوليته في توفير الخدمات، فإن حديث الختام يجب أن يكون عن الشرعية اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، غير المعفيين من مسئولية ما آلت إليها الأوضاع  الخدمية والمعيشية، من تفجر للغضب الشعبي، وما يمكن أن تؤول إليه من سوء متوقع.

حيث تقع الشرعية والانتقالي تحت طائلة الاتهامات بالتسبب بتردي الأوضاع، نتيجة الصراعات والخلافات وتخلي كل منهما عن مسئولياته تجاه المواطنين الواقعين في نطاق سيطرة كل منهما.

بل أن كثيرا من المراقبين يدعون الشرعية والانتقالي للخجل من أدائهما تجاه معاناة المواطنين، والنظر لما تقوم به مليشيات الحوثي في مناطق سيطرتها التي باتت أفضل حالا خدميا ومعيشيا من المحافظات المحررة.

هذه الحقيقة الصادمة التي أتت على لسان قيادات في المجلس الانتقالي، يمكن أن تفجر غضبا شعبيا لن تقف أمامه آلات القمع الشرعية أو التابعة للانتقالي.

فالناس في عدن وحضرموت وبقية مناطق جنوب اليمن أدركوا أنهم على شفا الكارثة والمجاعة، وخرجوا للحيلولة دون السقوط في الهاوية، هذا السقوط الذي يبدو حتميا إذا لم يتدارك التحالف والشرعية والانتقالي مآلاته القاسية والمأساوية.