تلفزيون عدن.. 57 عاماً بين تجاذبات الهوية والصراعات السياسية

(عدن الغد)د.خالد عبد الكريم:

اعتقد البعض أن سبب تأسيسه هو شد انتباه سكان عدن وإلهائهم عن المد القومي الناصري وماكينته الإعلامية التي اجتاحت جنوب اليمن مطلع الستينيات من القرن الماضي، وآخرون وجدوا أن مهمته كانت الترفيه عن البريطانيين وموظفيهم المحليين.

تعددت الآراء بشأن أسباب افتتاح تلفزيون عدن، غلب على معظمها البعد السياسي، وأغفل الكثيرون البعد الاستثماري والتجاري لمحطة تلفزيون في أهم منطقة حرة في الشرق الأوسط في ذلك الوقت. ولا خلاف أن تلفزيون عدن افتتح في 11 سبتمبر/أيلول 1964.
تلفزيون عدن، أثر وتأثر بالمراحل التي مرت بجنوب اليمن. مدراؤه وموظفوه يتغيرون مع كل مرحلة جديدة. اليساريون أبعدوا الليبراليين منه، واليسار التقدمي أقصى منه اليسار الانتهازي.

كان يدار من قبل الدائرة الأيديولوجية للحزب الحاكم جنوبا قبل الوحدة اليمنية 1990.

ثم أصبح يتلقى الخطط البرامجية والمواد الفلمية والأخبار من صنعاء بعد الوحدة، حتى بات أشبه بمحطة لإعادة بث تلفزيون صنعاء، حيث كان هناك فهمٌ خاطئٌ للسياسة الإعلامية الموحدة.

لا تستهويني الذكريات، لكنها عندما ترتبط بمراحل تاريخية، فإن الحديث يصبح ضرورة كوني ترأست قناة عدن الفضائية خمسة أعوام 2007-2012.

بداية أغسطس/آب 2007، كنت ضمن وفد الإذاعة والتلفزيون اليمني المشارك في ندوة دولية في بكين، وصلني خبر تعييني مديراً لتلفزيون عدن، أردت العودة فوراً لمباشرة مهامي، لكن الأصدقاء في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الصيني، الجهة المنظمة للندوة، فضلوا أن أتم برنامج الزيارة، وهذا الذي كان.

كانت مهمة إعادة تأسيس قناة تلفزيونية عريقة أهملت وشاخت. كانت الثالثة في الجزيرة العربية من حيث التأسيس بعد تلفزيون دولة الكويت 1961 وتلفزيون المملكة العربية السعودية 1962.

تلفزيون عدن في 2007، كان قد وصل به الحال الى محطة يقتصر عملها على البث التلفزيوني الأرضي، وتغطي ثلاث مدن صغيرة مجاورة لمدينة عدن، تبث ساعات محدودة في اليوم، ثم تغلق، ويغادرها العاملون وتُطفأ فيها الأجهزة المهترئة حتى لا تعطب نهائياً.

كان هناك تخلف تقني ورقمي يصل الى درجة الصفرية. الشيء الذي جعل الفنيين والمهندسين يعترضون على فكرة إطلاقها فضائياً، لكن القرار كان قد اتخذ. معطيات سياسية فرضت ذلك، وكانت اليمن قد قررت دخول مجال القنوات الفضائية المتعددة. فكانت القناة الفضائية التي أطلقت في 18 مارس/آذار 2008، ولكن بمسمى قناة يمانية. وزودت القناة بمعدات فنية وتقنيات الإرسال الفضائي.

المختصون البرامجيون رسموا شبكة برامج جديدة تراعي الاستمرارية على مدار الساعة، تشمل السياسي والاقتصادي والثقافي وتهتم بالأخبار وكانت هناك نشرات بالإنجليزية والفرنسية.


كان القرار السياسي يقضي بأن تكون قناة عدن مختصة بالشأن الثقافي، وقناة أخرى تبث من صنعاء باسم قناة سبأ وتهتم بشؤون الشباب، بينما قناة اليمن الأولى في صنعاء تحتكر الشأن السياسي مع بقائها قناة عامة.

لم نلتزم تلك الخطوط، فكانت توجهاتنا نحو قناة سياسية اقتصادية عامة. وتحقق ذلك.

رغم صعوبات فرضتها المركزية الإعلامية والخبرية، التي كانت سائدة حينها، إلا أن القناة أنجزت لنفسها نوعاً من الخصوصية، وانضمت لباقات على نايل سات وعرب سات واليورو سات وأصبحت تشاهد في العالم للمرة الأولى. واستعادت القناة اسمها، قناة عدن الفضائية في 2009، بعد أن عملت سنة ونيف باسم يمانية.

كفاءة منتسبيها، أهلتها لتبوؤ الصدارة بين القنوات اليمنية، الشيء الذي دفع الدولة نهاية 2011 وضع خطط لبناء استديوهات جديدة للقناة في منطقة حقات في عدن، وكانت المخططات جاهزة لقناة حديثة، لكن الحرب اوقفت كل شيء.

اعتمدت القناة منذ 2008 على البرامج المباشرة والآنية، كانت تلك الميزة التي جعلتها قريبة من المشاهد اليمني، وتوجهت لنسج علاقات مع مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي، والتلفزيون الفرنسي TF1، ومراكز إعلامية عربية ودولية.

لظروف الحرب في اليمن 2015 وعدم إمكانية العمل من مبناها الرسمي في عدن، انتقلت القناة للبث من الرياض في المملكة العربية السعودية، ولكن بأقل عدد من الصحفيين والفنيين.

بالمقابل ظهرت قناة بنفس الاسم والرمز تبث من صنعاء وتتبع الحوثيين. وثالثة باسم قناة عدن المستقلة، تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.

قنوات تحمل اسم مدينة لم يجتمع فيها منذ عقود وفي آن واحد هذا الكم من الانهيار.

أما مبنى القناة الأصل مغلق منذ سبع سنوات، وموظفوها الأصل يكابدون العوز والمرض، يموتون بصمت في عدن التائهة بين الغلاء والعتمة والقات، وكيديات في الأنفس.